بعد خسارة ترمب.. صحف فرنسا تحذّر من "البطة العرجاء"
تضع نتائج انتخابات التجديد النصفي الأمريكية، التي أسفرت عن خسارة الجمهوريين أغلبيتهم في مجلسي الكونغرس، الرئيس دونالد ترمب أمام مرحلة سياسية شديدة التعقيد، عنوانها تراجع النفوذ ومواجهة المؤسسات التشريعية، وسط تساؤلات متزايدة بشأن مستقبله السياسي ومستقبل الحزب الجمهوري بعد انتهاء ولايته.
وفي قراءاتها لهذه النتائج، تحذر صحف فرنسية، بينها لوموند ولوفيغارو وليبيراسيون، من تحول ترمب إلى ما يُعرَف في الأدبيات السياسية الأمريكية بـ"البطة العرجاء"، وهو المصطلح الذي يُطلَق على الرئيس الذي تتراجع قدرته على التأثير وفرض أجندته، خصوصا عندما يفقد حزبه السيطرة على الكونغرس ويقترب من نهاية ولايته دون إمكانية الترشح مجددا.
أخبار مقترحة
- تسونامي أزرق يهز الكرملين.. هل يدفع بوتين ثمن رهانه على ترمب؟
- حرب إيران تفجّر خلافات داخل إدارة ترمب.. فانس ينتقد والبنتاغون يترقب الإقالات
وتتقاطع تحليلات الصحف الثلاث في أن الهزيمة الانتخابية لا تمثل مجرد انتكاسة للجمهوريين، بل تكشف عن تراجع التأييد لسياسات ترمب، وتفتح الباب أمام مرحلة من الصدام السياسي والمؤسسي، في وقت يسعى فيه الرئيس إلى حماية مكاسبه السياسية والمالية، والحفاظ على موقعه داخل الحزب الجمهوري حتى بعد مغادرته البيت الأبيض.
رفض شعبي لسياسات ترمب
ترى افتتاحية لوفيغارو أن نتائج الانتخابات تمثل رسالة رفض واضحة من الناخبين الأمريكيين لعدد من القرارات والتصرفات التي طبعت العامين الماضيين من حكم ترمب، وتشير إلى أن الانتقادات لم تقتصر على الديمقراطيين، بل شملت ثلثي الناخبين المستقلين وأقلية من الجمهوريين أيضا.
وتتمثل أبرز مصادر الاستياء في الرسوم الجمركية التي أسهمت في استمرار الضغوط التضخمية، والحرب مع إيران وما ترتب عليها من ارتفاع أسعار الوقود، فضلا عن الجدل بشأن تنامي ثروة الرئيس والمقربين منه، وما تصفه الصحيفة بالتقارب مع خصوم الولايات المتحدة على حساب حلفائها التقليديين.
وبحسب هذا التحليل، فإن اتساع دائرة الرافضين لهذه السياسات يفسر حجم التراجع الانتخابي الجمهوري، وإن كان الكاتب يحذر الديمقراطيين بدورهم من الإفراط في الاحتفال؛ نظرا إلى استمرار الصورة السلبية لحزبهم لدى قطاع واسع من الناخبين.
"البطة العرجاء".. رئيس بلا أغلبية
في مقال بصحيفة لوموند، يركّز بيتر سمولار على التحول الذي ستفرضه خسارة الأغلبية البرلمانية على علاقة ترمب بالكونغرس، فالرئيس الذي اعتمد خلال العامين الأول والثاني من ولايته الثانية على الأوامر التنفيذية، ووقّع 292 أمرا منذ يناير/كانون الثاني 2025، سيجد نفسه أمام كونغرس تسيطر عليه المعارضة الديمقراطية، بعدما اعتاد العمل في ظل أغلبية جمهورية في مجلسي النواب والشيوخ.
ويحمل مصطلح "البطة العرجاء" دلالة تتجاوز مجرد ضعف الرئيس أمام الكونغرس؛ فهو يشير أيضا إلى تراجع قدرته على التحكم في مستقبل حزبه، مع اقتراب نهاية ولايته واستحالة ترشحه لولاية ثالثة.
وتكمن المفارقة في أن ترمب قد يجد نفسه مضطرا إلى التعامل مع كونغرس معارض، لكنه لن يكون بالضرورة رئيسا ضعيفا أو فاقدا لكل أدوات التأثير، فهو لا يزال يمتلك صلاحيات تنفيذية واسعة، وفي مقدمتها حق النقض الرئاسي، الذي هدد باستخدامه ضد مشاريع القوانين التي لا تتوافق مع توجهاته.
وقد لخص موقفه بالقول إنه سيتحول إلى "السيد فيتو"، في إشارة إلى استعداده لتعطيل التشريعات التي يقرها الديمقراطيون، بما قد يفتح الباب أمام مواجهة مستمرة بين السلطتين التنفيذية والتشريعية.
ساحة للمحاسبة والتحقيقات
وتتوقع لوموند أن تشمل المواجهة المقبلة ملفات الإنفاق الفدرالي والسياسة الخارجية والمساعدات العسكرية لأوكرانيا وإسرائيل، فضلا عن التغطية الصحية والضربات الأمريكية في منطقة البحر الكاريبي.
لكنّ الجانب الأكثر حساسية يتمثل في احتمال استخدام اللجان البرلمانية بمجلس النواب صلاحيات التحقيق والرقابة لمساءلة مسؤولين في إدارة ترمب ومقربين منه، ومن بينهم وزير الحرب بيت هيغسيث.
وهنا يبرز أحد أوجه التحذير من مرحلة "البطة العرجاء"، فالرئيس الذي تتراجع قدرته على تمرير سياساته قد يلجأ إلى استخدام ما تبقى لديه من صلاحيات لمواجهة خصومه، بينما يسعى الديمقراطيون إلى إخضاع إدارته لرقابة برلمانية أكثر صرامة.
وتشير افتتاحية لوفيغارو إلى أن الديمقراطيين قد يفضلون التركيز على كشف التجاوزات وممارسة الرقابة بدلا من استنزاف جهودهم في محاولة عزل ترمب للمرة الثالثة، وهي خطوة ترى الصحيفة أن فرص نجاحها محدودة.
العفو الرئاسي وحماية المصالح الشخصية
ومن أبرز الملفات التي تثيرها لوموند مسألة استخدام ترمب صلاحيات العفو الرئاسي لحماية نفسه ومحيطه من الملاحقات القضائية المحتملة.
ويستحضر المقال سابقة الرئيس السابق جو بايدن الذي أصدر في نهاية ولايته قرارات عفو استباقية شملت أفرادا من عائلته وشخصيات عامة، من بينها الدكتور أنتوني فاوتشي والجنرال مارك ميلي وأعضاء اللجنة البرلمانية التي حققت في اقتحام الكونغرس في 6 يناير/كانون الثاني 2021.
ويرى الكاتب أن هذه السابقة قد توفر لترمب مبررا سياسيا للدفاع عن توسيع نطاق العفو ليشمل مقربين منه، بل إنه سبق أن تحدث عن امتلاكه حق إصدار عفو عن نفسه.
وتتقاطع هذه المسألة مع ما تطرحه لوفيغارو بشأن ضرورة محاسبة الرئيس على مصالحه السياسية والمالية، في ظل الانتقادات المتعلقة بثروته وثروة المقربين منه.
وهكذا، لا تبدو معركة ترمب المقبلة مقتصرة على الحفاظ على نفوذه داخل المؤسسات، بل تشمل أيضا حماية إرثه ومصالحه الشخصية، في مواجهة رقابة برلمانية وقضائية قد تزداد حدة.
ترمب حريص على ترك بصمة مادية وسياسية دائمة، من خلال مشروعات إعادة تشكيل البيت الأبيض ومركز كينيدي وبعض معالم العاصمة واشنطن، بما يعكس رغبته في ترسيخ فكرة أن عهده سيشكل مرحلة فاصلة في التاريخ الأمريكي
بواسطة لوموند
صراع الخلافة ومعركة ما بعد ترمب
ولا يقل مستقبل الحزب الجمهوري أهمية عن المواجهة مع الكونغرس، فبحسب لوموند سيصبح النقاش بشأن هوية القيادة المقبلة للحزب أكثر إلحاحا، خصوصا مع بروز أسماء مرشحة لخلافة ترمب، وفي مقدمتها نائب الرئيس جيه دي فانس ووزير الخارجية ماركو روبيو.
ويبدو أن ترمب لا يرغب في حسم موقفه مبكرا بين الشخصيتين؛ إذ يسعى إلى البقاء في قلب اللعبة السياسية، والاحتفاظ بدور صانع الملوك داخل حركة "لنجعل أمريكا عظيمة مجددا" (ماغا).
كما يتناول مقال لوموند حرص ترمب على ترك بصمة مادية وسياسية دائمة، من خلال مشروعات إعادة تشكيل البيت الأبيض ومركز كينيدي وبعض معالم العاصمة واشنطن، بما يعكس رغبته في ترسيخ فكرة أن عهده سيشكّل مرحلة فاصلة في التاريخ الأمريكي.
هزيمة انتخابية.. لكن دون استسلام
أما صحيفة ليبيراسيون فتتوقف عند رد الفعل المفاجئ لترمب على نتائج الانتخابات، إذ قبل الهزيمة بهدوء، رغم تهديداته السابقة بعدم الاعتراف بالنتائج، وأعلن استعداده للعمل مع الديمقراطيين، دون اللجوء إلى خطاب الإهانات والتصعيد الذي اعتاد استخدامه ضد خصومه.
لكن الكاتب يتشكك في اعتبار هذا السلوك دليلا على مراجعة حقيقية لمواقفه، منتقدا المحللين الذين سارعوا إلى القول إن ترمب استوعب درس الهزيمة وأصبح مستعدا لتغيير نهجه.
وفي هذا السياق، تلفت لوفيغارو إلى أن ترمب قد يكون خسر انتخابيا، لكنه لم يفقد كل أدوات القوة، ولن يتحول بالضرورة إلى رئيس يمكن تطويعه بسهولة، فمع اقتراب انتخابات 2028، سيظل لاعبا سياسيا مؤثرا، وإن أصبح مقيدا بفعل الأغلبية الديمقراطية في الكونغرس.
ديمقراطيون أمام اختبار المسؤولية
وفي المقابل، لا تخلو المرحلة المقبلة من تحديات أمام الديمقراطيين أنفسهم، فاستعادة السيطرة على مجلسي الكونغرس تمنحهم فرصة لممارسة الرقابة على الإدارة، لكنها تضعهم أيضا أمام مسؤولية تقديم حلول ملموسة للقضايا التي تشغل الأمريكيين، وفي مقدمتها التضخم وأسعار الوقود والتغطية الصحية والحرب مع إيران.
كما سيكون عليهم التوفيق بين تياراتهم المختلفة، لا سيما بين الجناح الأكثر تقدمية والشخصيات التي فازت بمقاعد في دوائر انتخابية محافظة، في ظل الاستعداد المبكر للانتخابات الرئاسية عام 2028.
ومن ثم، فإن نجاحهم الانتخابي لن يكون كافيا وحده لضمان استمرار التأييد الشعبي، بل سيتوقف على قدرتهم على تحويل الأغلبية البرلمانية إلى نتائج سياسية واقتصادية ملموسة.
وتكشف القراءات الفرنسية الثلاث أن مرحلة ما بعد انتخابات التجديد النصفي قد تكون من أكثر المراحل حساسية في ولاية ترمب الثانية، فالرئيس الذي يواجه تراجعا في نفوذه البرلماني، وبداية نقاش داخل حزبه بشأن خلافته، لن يكون بالضرورة مستعدا للتراجع عن موقعه أو التخلي عن أدوات السلطة المتاحة له.
وهنا تكمن دلالة التحذير من "البطة العرجاء"، فالمشكلة لا تقتصر على رئيس يفقد القدرة على تمرير سياساته، بل تمتد إلى احتمال أن يتحوّل تراجع نفوذه السياسي إلى دافع لمزيد من المواجهة مع الكونغرس، والتوسع في استخدام صلاحياته التنفيذية، والسعي إلى حماية مصالحه ومحيطه.