القصر
مصر

بعد حديث السيسي عنه.. من هو المهندس المجري ماكس هرتس باشا وماذا فعل؟

محرر مصر 1 7 دقائق قراءة

تصدر اسم المهندس المجري ماكس هرتس باشا، حديث الرئيس عبدالفتاح السيسي خلال كلمته بالمؤتمر الصحفي المشترك مع رئيس الوزراء المجري بيتر ماچار في بودابست، حيث أكد الرئيس أن هرتس اضطلع بدور مهم في حفظ وترميم عدد من الآثار الإسلامية والقبطية، وأسهم في صون جانب من التراث المعماري التاريخي للقاهرة في بدايات القرن العشرين.

وأكد أن هذا النموذج يمثل دليلًا على أن التعاون بين البلدين لم يقتصر على العلاقات السياسية والاقتصادية، بل امتد إلى الثقافة والمعرفة وصون التراث الإنساني المشترك.

من هو ماكس هرتس باشا؟

لم يكن المهندس المجري ماكس هرتس باشا، مصريًا بالميلاد، لكنه أصبح واحدًا من أبرز الشخصيات التي ارتبط اسمها بحماية ذاكرة القاهرة المعمارية وتراثها التاريخي، حيث كرّس جانبًا كبيرًا من حياته للحفاظ على الآثار الإسلامية والقبطية، وأسهم في إنقاذ عدد كبير من المعالم التي كان يمكن أن تختفي ملامحها تحت وطأة الإهمال وعوامل الزمن.

وتكمن أهمية تجربة هرتس باشا في أنه لم يكن مجرد مهندس يشرف على إصلاح المباني القديمة، بل كان صاحب مشروع متكامل للحفاظ على التراث المعماري، جمع بين الدراسة الدقيقة والتوثيق والإشراف الفني، في مرحلة شهدت اهتمامًا متزايدًا بقيمة الآثار التاريخية وضرورة حمايتها.

وُلد ماكس هرتس، واسمه المجري ميكسا هرتس، في 19 مايو عام 1856 بمدينة أوتلاكا بالمجر، وهي منطقة تقع حاليًا داخل رومانيا، ونشأ في بيئة أوروبية أتاحت له دراسة الهندسة المعمارية واكتساب الخبرات الفنية التي أصبحت لاحقًا أساسًا لمسيرته المهنية.

وفي عام 1880، وصل إلى مصر، لتبدأ مرحلة جديدة في حياته، لم يكن يتوقع أن تتحول إلى مسيرة طويلة ترتبط بتاريخ القاهرة وتراثها المعماري.

عمل هرتس في البداية ضمن المؤسسات الفنية المرتبطة بإدارة الأوقاف، وتدرج في المناصب حتى أصبح أحد أهم المتخصصين في ترميم المباني التاريخية بمصر. ولم يمض وقت طويل حتى أثبت قدرته على التعامل مع المنشآت الأثرية ذات التفاصيل الهندسية والزخرفية المعقدة، ليصبح اسمه حاضرًا في المؤسسات المعنية بحماية التراث.

وبمرور السنوات، حصل على لقب «بك» عام 1895، ثم رُقي إلى لقب «باشا» عام 1912، تقديرًا لأعماله ومكانته المهنية داخل مصر.

من المجر إلى القاهرة.. حكاية مهندس استثنائي

كانت نقطة التحول الكبرى في مسيرة المهندس المجري ارتباطه بلجنة حفظ الآثار العربية، التي أنشأها الخديوي توفيق في أواخر عام 1881، بهدف مواجهة التدهور الذي أصاب المباني الإسلامية التاريخية في مصر، ووضع إطار مؤسسي لحمايتها وترميمها.

انضم هرتس إلى المكتب الفني التابع لإدارة الأوقاف عام 1881، وعمل تحت إشراف المهندس يوليوس فرانتس باشا، ثم خلفه في موقعه داخل اللجنة عام 1887، قبل أن يتولى منصب كبير المهندسين المعماريين بها عام 1890، وهو المنصب الذي ظل يشغله حتى عام 1914.

ومن خلال هذا الموقع، أصبح مسؤولًا عن معاينة المباني الأثرية، وإعداد التصورات الفنية لأعمال الصيانة والترميم، ومتابعة التنفيذ والإشراف على الحرفيين والعمال، فضلًا عن المشاركة في تحديد أولويات التدخل وفقًا لحالة كل أثر وإمكانات اللجنة المالية.

ولم يقتصر نطاق عمل اللجنة على القاهرة وحدها، بل امتد إلى عدد من المواقع الأثرية في مصر، وشمل أسوار القاهرة التاريخية وأبوابها، وقناطر صلاح الدين، ومسجد الظاهر بيبرس، إلى جانب مجموعة من المساجد والمباني التاريخية الأخرى.

وفي عام 1896، توسعت مسؤوليات اللجنة لتشمل الآثار ذات الطابع القبطي، لتصبح أعمال هرتس مرتبطة بحماية جانب مهم من التراث الديني والمعماري المصري بمختلف روافده.

من مسجد السلطان حسن إلى كنوز القاهرة

ارتبط اسم ماكس هرتس باشا بعدد من أبرز المشروعات المعمارية في القاهرة، وعلى رأسها أعمال الحفاظ والترميم في مسجد ومدرسة السلطان حسن، أحد أعظم نماذج العمارة الإسلامية في العصر المملوكي.

كان هرتس ينظر إلى المسجد باعتباره تحفة معمارية استثنائية، ورأى أن حالته المتدهورة تستدعي تدخلًا واسعًا لإنقاذ تفاصيله وعناصره الفنية. 

لكن حجم المشروع وتكاليفه المرتفعة شكّلا تحديًا كبيرًا أمام اللجنة، حتى إن التقديرات الأولية قدرت احتياجاته بنحو 40 ألف جنيه مصري، وهو مبلغ ضخم في ذلك الوقت.

ولم يستسلم هرتس أمام صعوبة التمويل، بل أصدر دراسة مصورة وفاخرة عن المسجد بهدف جذب الاهتمام إلى قيمته التاريخية وحشد الدعم اللازم لترميمه.

وبدأت الأعمال بصورة أكثر جدية عام 1902، واستمرت تحت إشرافه حتى عام 1914، عندما غادر مصر، وكانت غالبية الأعمال الأساسية قد أُنجزت، فيما بقيت بعض التفاصيل لاستكمالها بواسطة خلفه أخيل باتريكوولو.

وتشير الوثائق التي تناولها الباحث المجري إستفان أورموس إلى أن الإنفاق على المشروع بلغ نحو 32 ألفًا و623 جنيهًا مصريًا حتى يناير 1914، وهو ما يعكس حجم الجهد الذي بُذل في هذا المشروع.

كما ارتبط اسمه بأعمال في مجموعة السلطان برقوق بشارع النحاسين، حيث شارك في وضع تصميمات لعناصر معمارية وزخرفية داخل المسجد، منها الدكة والفسقية الموجودة في صحنه، مستعينًا بنماذج من مساجد تاريخية أخرى للحفاظ على التناسق الفني مع طبيعة المبنى.

وكانت تلك المشروعات تعكس اهتمامه بالتفاصيل الدقيقة، وعدم التعامل مع المباني الأثرية باعتبارها مجرد منشآت قديمة تحتاج إلى الإصلاح، وإنما باعتبارها وثائق تاريخية وفنية يجب الحفاظ على هويتها.

مشروع الإنقاذ امتد إلى الكنائس التاريخية

لم تتوقف إسهامات هرتس باشا عند المساجد والمنشآت الإسلامية، بل امتدت إلى المباني القبطية بعد إدراجها ضمن اختصاصات لجنة حفظ الآثار العربية عام 1896.

وجاء هذا التوسع ليؤكد أهمية العمل الذي اضطلعت به اللجنة في حماية التراث المعماري المصري بمختلف مكوناته، إذ أصبحت الكنائس والمنشآت القبطية القديمة ضمن المباني التي تخضع للمعاينة الفنية والتوثيق والإشراف على أعمال الصيانة والترميم.

وتشير الدراسات التاريخية إلى أن هذا الدور ارتبط أيضًا بالتعاون مع شخصيات مصرية بارزة اهتمت بالتراث القبطي، وفي مقدمتها مرقس سميكة باشا، الذي أصبح لاحقًا أحد أبرز رواد علم الآثار القبطية ومؤسس المتحف القبطي.

وكانت العلاقة المهنية بين هرتس ومرقس سميكة جزءًا من شبكة التعاون التي أسهمت في توسيع الاهتمام بحماية الآثار القبطية، وإدخالها ضمن منظومة أكثر تنظيمًا للحفاظ على المباني التاريخية.

أول مدير لمتحف الفن الإسلامي.. وجه آخر من إنجازاته

ومن المحطات المهمة في حياة ماكس هرتس باشا علاقته بمتحف الفن العربي، الذي أصبح لاحقًا متحف الفن الإسلامي بالقاهرة.

فقد أُسندت إليه مسؤولية الإشراف على المتحف ومجموعاته عام 1892، ثم تولى إدارته رسميًا عام 1901، ليجمع بين العمل الميداني في ترميم الآثار والاهتمام العلمي بتوثيق الفنون الإسلامية ودراسة مقتنياتها.

واهتم هرتس بتصنيف القطع الأثرية والتعريف بقيمتها الفنية والتاريخية، كما أعد مؤلفات وفهارس متخصصة ساعدت في توثيق مجموعات الفن العربي والإسلامي.

ولم يكن دوره مقتصرًا على الإدارة، بل امتلك معرفة متخصصة بالزخارف الجصية والنوافذ الزجاجية المعشقة، واهتم بدراسة التقنيات المستخدمة في صناعتها، وهو ما جعله واحدًا من الباحثين الأوروبيين البارزين في مجال الفنون الإسلامية خلال تلك المرحلة.

فلسفة الترميم.. لماذا لم يفضل إعادة بناء كل شيء؟

من أبرز ما يميز تجربة هرتس باشا فلسفته في التعامل مع المباني الأثرية؛ فقد كان يميل إلى الحفاظ على العناصر الأصلية أكثر من اللجوء إلى إعادة البناء الشاملة.

وكان يفضل إجراء التدخلات الضرورية فقط، مع محاولة الاستناد إلى الأدلة التاريخية والمعمارية المتاحة قبل استكمال الأجزاء المفقودة، حتى لا تتحول عملية الترميم إلى إعادة تشكيل للمبنى وفق تصورات حديثة لا تعكس تاريخه الحقيقي.

ومع ذلك، لم تكن طريقته مطابقة تمامًا لمعايير الترميم المعاصرة، فقد تأثر بالمدارس المعمارية السائدة في عصره، والتي كانت تسمح أحيانًا باستكمال بعض العناصر اعتمادًا على نماذج مشابهة من الحقبة التاريخية نفسها.

لكن المؤرخين يرون أن حرصه على تقليل التدخلات، مقارنة بالاتجاهات التي كانت تميل إلى إعادة بناء المباني القديمة بالكامل، أسهم في إنقاذ عدد كبير من الآثار من الاختفاء.

نهاية الرحلة.. الحرب العالمية الأولى تُبعده عن القاهرة

رغم ارتباطه الوثيق بمصر واستمراره فيها لأكثر من ثلاثة عقود، لم تكن نهاية مسيرته في القاهرة هادئة، فمع اندلاع الحرب العالمية الأولى عام 1914، وبسبب جنسيته المجرية التابعة آنذاك للإمبراطورية النمساوية المجرية، صنفته السلطات البريطانية ضمن رعايا الدول المعادية، وأُجبر على مغادرة مصر في نهاية العام نفسه.

وبذلك انتهت فترة امتدت لنحو 25 عامًا قضاها في موقع كبير المهندسين المعماريين للجنة حفظ الآثار العربية، وهي الفترة الأكثر تأثيرًا في مسيرته المهنية.

انتقل هرتس إلى أوروبا، وتوفي في مدينة زيورخ السويسرية يوم 5 مايو عام 1919، عن عمر ناهز 62 عامًا، تاركًا وراءه مسيرة استثنائية ارتبطت بتاريخ القاهرة المعماري.

إرث ماكس هرتس باشا.. مهندس أوروبي أصبح جزءًا من تاريخ القاهرة

لم تكن قيمة ماكس هرتس باشا في عدد المباني التي أشرف على ترميمها فحسب، بل في إسهامه في ترسيخ فكرة أن الآثار ليست مجرد مبانٍ قديمة، وإنما ذاكرة حضارية يجب توثيقها وحمايتها ونقلها إلى الأجيال التالية.

وإلى جانب عمله في لجنة حفظ الآثار، تشير الدراسات إلى أنه كان مهندسًا معماريًا نشطًا في القطاع الخاص، ونُسب إليه تصميم أكثر من 150 مبنى في القاهرة، كما كان من أبرز الأسماء المرتبطة بإحياء الطراز المملوكي في العمارة الحديثة.

وتظل تجربة هرتس باشا، واحدة من المحطات المهمة في تاريخ الحفاظ على التراث المصري، خاصة أنها جمعت بين العمارة والبحث العلمي والعمل المؤسسي، وأسهمت في صون معالم إسلامية وقبطية تمثل جزءًا أصيلًا من هوية القاهرة التاريخية.

اقرأ النسخة الكاملة