كشفت مقالتان نشرتهما صحيفتا إندبندنت وتلغراف البريطانيتان تباينا واضحا في المواقف بشأن مسؤولية بريطانيا التاريخية عن تجارة الرقيق، وذلك بالتزامن مع انعقاد قمة رؤساء حكومات دول الكومنولث في أنتيغوا بحضور الملك تشارلز الثالث.
وبينما تدعو الأولى إلى تجاوز الجدل التقليدي حول الاعتذار والتعويضات المالية المباشرة، عبر إطلاق مبادرات تنموية لصالح الدول المتضررة من الإرث الاستعماري، ترى الثانية أن بريطانيا دفعت بالفعل ثمنا باهظا لإنهاء العبودية، وأن المطالبة بتعويضات جديدة تتجاهل دورها التاريخي في مكافحة هذه التجارة.
أخبار مقترحة
وفي مقالها، تطرح إندبندنت تصورا يقوم على تحويل الاعتراف بالماضي إلى شراكة تنموية عملية مع دول الكاريبي، معتبرة أن الملك تشارلز -بحكم موقعه الدستوري- لن يقدم اعتذارا رسميا عن مسؤولية العائلة المالكة التاريخية، ولن يعرض التنازل عن جزء من ثروته الشخصية، لكن بإمكانه الدفع نحو مبادرات تعيد صياغة العلاقة بين بريطانيا ومستعمراتها السابقة.
وتستند الصحيفة إلى موقف رئيس غيانا عرفان علي الذي يرى أن آثار العبودية لا تمكن معالجتها بمجرد تحديد تعويضات مالية، وإنما من خلال معالجة الفجوات التنموية والتفاوت الاقتصادي الذي خلفته تلك المرحلة، ويقترح -في هذا السياق- تمويلا تنمويا تفضيليا لدول الكاريبي، وتخفيف الديون، والاستثمار في التعليم والصحة ومشروعات التكيف مع التغير المناخي.
تشابك الإرث الاستعماري مع العبودية
وتستحضر الصحيفة تجربة غيانا باعتبارها نموذجا لتشابك الإرث الاستعماري مع العبودية والعمل القسري؛ فبعد إلغاء العبودية عام 1834، استُقدمت أعداد من العمال الهنود للعمل في مزارع قصب السكر، فيما قدّمت عائلة جون غلادستون اعتذارا عام 2023 عن الانتهاكات التي ارتكبها أحد أسلافها بحق الأفارقة المستعبدين.
كما تدعو إندبندنت إلى إطلاق ما يشبه "مشروع مارشال" بريطاني لدول الكاريبي، يركز على تطوير البنية التحتية وحماية السكان من آثار التغير المناخي، ولا سيما الأعاصير المتزايدة الشدة.
وترى الصحيفة أن مثل هذه المبادرات يمكن أن تمنح الكومنولث هدفا جديدا، ينقل علاقاته من مجرد الارتباط بالماضي الإمبراطوري إلى التعاون في مواجهة تحديات المستقبل.
في المقابل، تتبنى صحيفة تلغراف -في مقال للكاتب توم توغندهات نُشر في 1 نوفمبر/تشرين الثاني الجاري- موقفا رافضا لمطالب التعويضات، تحت عنوان "بريطانيا دفعت بالفعل تعويضات عن العبودية".
ويؤكد الكاتب أن تجارة الرقيق كانت ظاهرة عرفتها حضارات ومجتمعات متعددة، لكنه يشدد على أن بريطانيا كانت من أوائل الدول التي اتخذت خطوات تشريعية وعسكرية لإنهائها، مستعرضا محطات تاريخية بدأت بقرارات دينية وقضائية في القرون الوسطى، وصولا إلى حظر تجارة الرقيق عام 1807 وإلغاء العبودية عام 1833.
ثمن تاريخي دفعته بريطانيا
ويركز المقال على دور البحرية الملكية البريطانية في ملاحقة سفن نقل المستعبدين، مشيرا إلى أنها اعترضت نحو 1600 سفينة وساهمت في تحرير 150 ألف أفريقي، مقابل مقتل نحو 17 ألفا من أفرادها، معظمهم بسبب الأمراض في السواحل الأفريقية.
إنهاء العبودية لا يمحو آثارها الاقتصادية والاجتماعية، والاعتراف بالماضي ينبغي أن يترجم إلى استثمارات ومساعدات تنموية
ويعتبر توغندهات أن هذه التضحيات البشرية والمالية تمثل ثمنا تاريخيا دفعته بريطانيا في سبيل إنهاء التجارة.
كما يستحضر الكاتب أدوار ممالك أفريقية شاركت في تجارة الرقيق مثل الأشانتي وداهومي، ليؤكد أن المسؤولية التاريخية لا ينبغي أن تحمّل لطرف واحد، محذرا من أن التركيز على التعويضات قد يحوّل النقاش إلى مواجهة جديدة بدلا من التوجه نحو المستقبل.
ويدعو الكاتب -بدلا من ذلك- إلى إعطاء الأولوية لمكافحة العبودية الحديثة والعمل القسري، مستشهدا بأوضاع العمال المهاجرين ومعسكرات العمل في إقليم شينجيانغ الصيني.
ويكشف التباين بين الصحيفتين خلافا يتجاوز مسألة الأموال إلى طبيعة المسؤولية التاريخية وحدودها، فإندبندنت ترى أن إنهاء العبودية لا يمحو آثارها الاقتصادية والاجتماعية، وأن الاعتراف بالماضي ينبغي أن يترجَم إلى استثمارات ومساعدات تنموية، بينما تعتبر تلغراف أن الدور البريطاني في إلغاء تجارة الرقيق والتضحيات المرتبطة به يجب أن يكون جزءا أساسيا من تقييم التاريخ، وترفض تحميل الأجيال الحالية أعباء مالية عن جرائم الماضي.
اختبار يتعلق بمستقبل العلاقة
وتضع هذه المواقف الملك تشارلز والكومنولث أمام اختبار يتعلق بمستقبل العلاقة بين بريطانيا ومستعمراتها السابقة، في ظل تنامي مطالب الاعتراف بالمظالم التاريخية، وتزايد التحديات الاقتصادية والبيئية التي تواجه دول الكاريبي.
ومع ذلك، تتفق الصحيفتان -رغم اختلاف منطلقاتهما- على أهمية النظر إلى مستقبل الكومنولث ومكافحة أشكال العبودية والاستغلال، لكنهما تختلفان بشأن الطريق إلى ذلك.
فبينما تراهن إندبندنت على التنمية بوصفها مدخلا لمعالجة إرث الماضي، تدعو تلغراف إلى تجاوز المطالبات بالتعويضات والتركيز على حماية الحرية في الحاضر.
ويبقى السؤال الأساسي هو ما إن كانت بريطانيا قادرة على تحويل تاريخها الاستعماري المثير للجدل إلى أساس لشراكة أكثر توازنا مع الدول التي كانت خاضعة لإمبراطوريتها.

التعليقات 0
كن أول من يعلق على هذا الخبر