طور باحثون في جامعة كولومبيا الأميركية تقنية غير جراحية تربط الدماغ بالكمبيوتر، مكّنت نحو ثلث المرضى الذين بدوا فاقدي الوعي وغير قادرين على الاستجابة للأطباء من التحكم في أصوات إلكترونية باستخدام إشارات أدمغتهم وحدها، في إنجاز قد يفتح المجال أمام تطوير وسائل للتواصل مع المصابين بإصابات دماغية حادة.

وأظهرت الدراسة، المنشورة في 22 أكتوبر/ تشرين الأول 2026 في دورية "برين" المتخصصة في علوم الأعصاب، أن 13 من أصل 41 مريضًا غير مستجيب سريريًا تمكنوا من التحكم في تردد نغمات صوتية بعد تدريب قصير، من دون الحاجة إلى زرع شرائح إلكترونية أو الخضوع لتدخلات جراحية.

وأجرى الباحثون التجارب على مرضى في وحدات العناية المركزة، بعد أيام قليلة من دخولهم المستشفى نتيجة إصابات دماغية حادة، باستخدام أقطاب كهربائية توضع على فروة الرأس لتسجيل النشاط الكهربائي للدماغ.

وتعتمد التقنية على برنامج حاسوبي يحلل الإشارات الدماغية لحظيًا ويحولها إلى أوامر تتحكم في سرعة النغمات وترددها، ما يتيح رصد محاولات المرضى تنفيذ التعليمات، حتى عندما لا تظهر عليهم أي استجابة جسدية يمكن للأطباء ملاحظتها.

وقال الباحث الرئيسي في الدراسة، يان كلاسن، أستاذ علم الأعصاب في كلية فاجيلوس للأطباء والجراحين بجامعة كولومبيا، إن أبحاث العقد الماضي أظهرت أن عددًا من المرضى الذين يبدون في حالة غيبوبة بعد إصابات دماغية حادة يحتفظون بدرجات من الوعي، رغم عجزهم عن الكلام أو تحريك أطرافهم وأعينهم للتواصل مع الآخرين.

وأوضح أن التقنية الجديدة لا تزال في مراحلها البحثية الأولى، لكنها تقدم دليلًا على إمكان تطوير وسائل تمنح بعض هؤلاء المرضى القدرة على التعبير عن أنفسهم مستقبلًا.

وتستند الدراسة إلى أبحاث سابقة أجراها فريق كلاسن عام 2019، استخدم فيها تخطيط كهربائية الدماغ وتقنيات الذكاء الاصطناعي لتحليل النشاط العصبي لدى مرضى غير مستجيبين بعد إصابات دماغية.

وكشفت تلك الأبحاث عن مؤشرات لوجود وعي خفي لدى 15% من المرضى، رغم عدم قدرتهم على تنفيذ تعليمات بسيطة بصورة ظاهرة، مثل إغلاق اليد أو تحريك أصابع القدم.

ويُعرف هذا الاضطراب باسم "الانفصال المعرفي الحركي"، وهي حالة يحتفظ فيها المريض بالقدرة على فهم التعليمات ومحاولة تنفيذها، لكن خللًا في الاتصال بين مناطق الدماغ المسؤولة عن الإدراك وتلك المتحكمة في الحركة يمنع ظهور الاستجابة الجسدية.

ويعني ذلك أن غياب الحركة أو الكلام لا يمثل بالضرورة دليلًا قاطعًا على غياب الوعي، وهو ما يطرح تحديات أمام الأطباء عند تقييم حالات المرضى المصابين بإصابات دماغية شديدة.

وكانت دراسات سابقة للفريق البحثي قد أظهرت أن المرضى الذين لديهم انفصال معرفي حركي يتمتعون بفرص أعلى لاستعادة الوعي واسترجاع قدر مهم من قدرتهم على ممارسة الأنشطة اليومية.

وفي التجربة الجديدة، وضع الباحثون سماعات على آذان المرضى وشغّلوا نغمات إلكترونية مصحوبة بتعليمات صوتية تطلب منهم محاولة فتح اليد اليمنى وإغلاقها بصورة متكررة لزيادة سرعة النغمات، والتوقف عن محاولة الحركة لإبطائها.

وأثناء محاولة المرضى تنفيذ التعليمات، كانت الأقطاب الكهربائية تسجل النشاط الدماغي وتنقله إلى كمبيوتر بجانب السرير، يتولى تحليل الإشارات وتعديل الأصوات وفقًا لها.

كما تضمن النظام رسائل صوتية تشجع المرضى عند اقترابهم من تحقيق الهدف، وتهنئهم عند نجاحهم في التحكم بالنغمات.

وأظهرت النتائج أن 13 مريضًا، أي 32% من المشاركين غير المستجيبين، استطاعوا التحكم في الأصوات من خلال نشاط أدمغتهم، بمن فيهم جميع المرضى الثمانية الذين كُشفت لديهم علامات الانفصال المعرفي الحركي باستخدام اختبار مستقل.

ولاحظ الباحثون أن بعض المرضى تمكنوا من استخدام النظام بعد أيام قليلة فقط من تعرضهم للإصابات الدماغية، وهو ما يشير إلى إمكانية رصد قدرات ذهنية محفوظة في مرحلة مبكرة من العلاج.

وأظهرت متابعة المشاركين أيضًا ارتباط القدرة على التحكم بالنظام بفرص أفضل للتعافي، إذ استعاد 4 من أصل 13 مريضًا نجحوا في استخدامه وعيهم قبل مغادرة المستشفى، مقارنة بمريض واحد من أصل 28 لم يتمكنوا من التحكم فيه.