أيقونة استثنائية، رفعت الغناء البدوي والأوراسي، من المداشر والقرى المنسية، إلى كبرى المسارح الأوروبية. أول مغنية جزائرية من الأعماق، تعتلي مسارح عالمية، وتُبهر الجمهور الغربي، لا بآلات موسيقية معقدة أو تقنيات صوتية حديثة، بل بحنجرة طبيعية خارقة، تترجم آلام جبال الأوراس. هي الخالدة بقار حدة، الصوت الذي رغم أنين الحياة تحدى الصعاب، كي يصل إلى مسامع العالم.
كانت بقار حدة من أوائل الفنانات اللاتي تجرأن على الغناء، أمام جمهور يضم النساء والرجال، على حد سواء، بخلاف المطربات في الحواضر والمدن قبل الاستقلال، اللاتي كنّ يقتصرن على قيادة جوقات نسائية خفيفة.
عرفت في الشرق الجزائري بلقب يعكس مدى جودة صوتها ونقائه، كانت تدعى “الخاثرة”، نسبة أيضا إلى ركوز أدائها.
عرفت حدة بقار بلقب آخر، هو حدة الخنشة. ويعود هذا اللقب المحلي إلى النبرة الخنفاء المميزة لصوتها، والتغير الظاهري في شكل أنفها، الذي كان مشوها بسبب مرض في الطفولة. ولم تكن هذه السمة الفيزيولوجية عائقاً أمام جمهورها، بل تحولت هذه البصمة الصوتية الفريدة إلى علامة فارقة، وأيقونية في أسلوبها الغنائي، ضمن التراث البدوي والشاوية بشرق الجزائر.
وُلدت حدة في 21 جانفي 1920، في عرش بني بربار، بالنواحي المتاخمة لسوق أهراس.
نشأت في بيئة بدوية قاسية، وعاشت طفولة وشباباً مريرين، بين الفقر والترحال ومآسي الاستعمار الفرنسي. لكن هذه البيئة القاسية هي التي صقلت صوتها الجبلي الحاد والقوي، فبدأت تشدو في الأعراس والمناسبات المحلية منذ صغرها، متمردة على العادات والتقاليد التي كانت تحظر على المرأة الغناء آنذاك.
طافت مختلف الأرياف والمدن الجزائرية، وخاضت مساراً حياتياً استثنائياً، فعانت من عدم الإنجاب، وخاضت تجربة الطلاق مرتين. وكانت قد أُجبرت في سن الثانية عشرة على الزواج من رجل مسن، دون موافقتها بدفع من والدتها، التي كانت هي الأخرى مغنية، لتقرر الفرار من بيت الزوجية، وتخوض رحلة عصامية في إحياء الأفراح العائلية، إلى أن التقت في سن العشرين بالرجل الذي أحدث تحولاً مفصلياً في حياتها: عازف القصبة، زوجها المستقبلي، إبراهيم بن دابش، الذي التقت به لأول مرة عقب حفل زفاف بالقرب من منطقة المشروحة. وظلت حدة لغزاً متوارياً لفترة طويلة، نظراً إلى رفضها القاطع لوضع صورتها على أغلفة أسطواناتها، علماً أنها سجلت بداياتها الفنية رفقة قصابي بوكبش.
الأولمبيا تنحني لصوت الخنشة
في ستينيات وسبعينيات القرن الماضي، امتدت شهرة بقار حدة لتتجاوز الحدود الجزائرية. وبتوجيه من باحثين ومخرجين انبهروا بأصالتها، دُعيت بقار حدة إلى تمثيل الفلكلور الجزائري في الخارج.
كانت المفاجأة الكبرى، حين اعتلت خشبة مسرح “الأولمبيا” الشهير في باريس، وقاعات العرض الكبرى في برلين وبلدان أوروبية أخرى. وقف الجمهور الغربي، الذي لا يفقه من لغتها البدوية شيئاً، مذهولاً أمام امرأة ترتدي الملحفة الشاوية وتتزين بالحلي الفضية التراثية والوشم الأصيل على وجهها. كان صوتها يخترق الأجساد بقوته التعبيرية، ترافقها قصبة الشيخ إبراهيم، لتقدم للعالم فصلاً حياً من تاريخ الجزائر غير المشوه.
بعد مسيرة فنية حافلة، امتدت لأكثر من خمسين عاماً، استقرت الراحلة بصفة نهائية في مدينة عنابة، وذلك عقب فترة طويلة من التهميش الإعلامي والتلفزيوني، استمرت حتى عام 1990. وتُعد الفنانة امتداداً وحافظة لتركة الفنان القدير عيسى الجرموني، وكان آخر ظهور إعلامي لها عام 1992 خلال برنامج “مساء الخير ثقافة” الذي قدمه عبد الكريم سكار.
روائع منسية
تحولت حدة إلى لسان حال المقهورين والمجاهدين؛ فغنت للوطن، وللثورة التحريرية، وصارت حكايات الفراق واللجوء على الحدود التونسية- الجزائرية وقوداً لأغانيها التي كانت تلامس القلوب.
تغنت حدة أيضا بالحياة، والحب، واللوعة، ولا تزال روائعها خالدة، في الذاكرة الفنية. ومن أجمل أغانيها: يا جبال بوخضرة، يا بابا سيدي، لسمر نشكيلو، طيري لخضر، فرخ لحمام، الجندي خويا، مدينة عنابة.
في جانفي من عام 2000، رحلت حدة بقار في ظروف مؤلمة بعنابة، حيث وافتها المنية وسط الفقر والمعاناة الصحية.
التعليقات 0
كن أول من يعلق على هذا الخبر