لم تكن مشاهد نزول طلاب المدارس والجامعات في فرنسا مؤخرا للمطالبة بتحسين ظروف التعليم وتوفير المعلمين، ولا تلك الخيام التي نصبها نظراؤهم في الجامعات الأمريكية والأوروبية تضامنا مع غزة لمطالبة إداراتهم بقطع العلاقات وسحب الاستثمارات من الشركات المرتبطة بإسرائيل، مجرد تحركات عابرة.
وتعكس هذه المظاهرات والاحتجاجات الطلابية واقعا ملموسا يتكرر عالميا، حيث يعد الطلاب هم الفئة الأسرع نزولا إلى الميادين، والأكثر قدرة على هز أركان الحكومات وإسقاط الأنظمة، فما الذي يمنح مقاعد الدراسة هذه الجاهزية الدائمة للاحتجاج؟
أخبار مقترحة
فضاء للتنظيم وقوة "تأثير الأصدقاء"
ووفق تقرير بثته منصات الجزيرة الرقمية، تكمن الإجابة المباشرة في طبيعة البيئة التعليمية ذاتها؛ فالمدارس والجامعات ليست مجرد أماكن للتحصيل، بل شبكات اجتماعية حية تجمع آلاف الطلاب يوميا في حيز واحد، مما يقلل الجهد المطلوب للتواصل ويسهل تعبئتهم مقارنة بأي فئة أخرى في المجتمع.
وتدعم هذه الحقيقة دراسة لمعهد أبحاث السلام في أوسلو، أكدت أن المناطق التي تشهد زيادة في عدد الجامعات تسجل ارتفاعا ملحوظا في وتيرة النشاط الاحتجاجي.
ولا ينفصل المكان عن عامل نفسي واجتماعي آخر يُعرف بـ "تأثير الأصدقاء"، إذ قد يتردد الطالب في التظاهر بمفرده، لكنه يحسم قراره سريعا حين يرى رفاقه يشاركون، مدفوعا بثقته في مجموعته.
وتؤكد دراسة نشرتها دورية اقتصادية أمريكية أن تشجيع الطالب على المشاركة في احتجاج واحد يدفعه للمشاركة في احتجاجات لاحقة، ولا سيما عند انخراط أقرانه في دائرته الاجتماعية.
كما تمثل الجامعات فضاء حرا لمساءلة الأفكار وبناء الوعي السياسي والتفكير النقدي، مما يفسر اتساع المطالب الطلابية من تحسين ظروف التعليم والرسوم إلى قضايا الحريات والديمقراطية ورفض الحروب.
حسابات الكلفة وهاجس المستقبل
على صعيد الحسابات الواقعية، تبدو كلفة الاحتجاج بالنسبة للطالب أقل مقارنة بالموظف؛ فالأخير تكبله التزامات عائلية ومالية ومخاوف من فقدان راتبه تجعل قرار التظاهر مكلفا للغاية. ورغم أن الطلاب يخاطرون أيضا بدراستهم، فإن غياب الأعباء المهنية يمنحهم مرونة أكبر.
يتزامن ذلك مع وقوف الطلاب في مرحلة انتقالية تتطلع للاستقلال الاقتصادي؛ فإذا شعروا بتهديد يمس هذا المستقبل جراء البطالة أو الفساد والإقصاء، يتحول الشارع إلى وسيلتهم المباشرة لرد هذا التهديد.
ويبرز التاريخ شواهد حية على ذلك؛ ففي تايلند، اندلعت انتفاضة جامعة "تاماسات" عام 1973، ثم تجددت بموجة واسعة عام 1976 باحتشاد آلاف الطلاب في حرم العاصمة بانكوك تنديدا بالفساد المالي المستشري وعودة الدكتاتور العسكري الأسبق ثانوم كيتيكاتشورن من المنفى.
ورغم القمع الشديد، أثمر الحراك عن تدخل الملك واستجابته لمطالب الطلاب بنفي الدكتاتور مجددا وتشكيل حكومة مدنية.
سيكولوجيا الهوية والظلم
ولا يرتبط الدافع دوما بضرر شخصي مباشر، إذ ترجع الدراسات النفسية حركة الطلاب إلى مفهومي "الهوية الجماعية" و "الظلم المدرك".
ويفسر ذلك خروج طالب غربي للتنديد بجرائم حرب تدور على بعد آلاف الكيلومترات دون أن تهدد حياته، أو مشاركته في مناهضة التمييز العنصري دون أن يتعرض له؛ فالظلم الواقع على جماعة أخرى يتعارض مع منظومة قيمه وهويته، ليتحول التضامن الإنساني إلى دافع للفعل السياسي.
ويخلص التقرير إلى أن الطلاب لا يبدون بالضرورة أكثر الفئات غضبا، لكنهم يمتلكون البيئة المثالية لتحويل هذا الغضب إلى حراك منظم، إذ تجمع الجامعات أفكارهم وتصهر مخاوفهم في قضية مشتركة، لتكسر أصواتهم جدران القاعات وتنتقل سريعا إلى الشوارع وأحيانا إلى ما هو أبعد.

التعليقات 0
كن أول من يعلق على هذا الخبر