تتخذ العملية العسكرية الإسرائيلية المتواصلة في مدينة الخليل جنوبي الضفة الغربية أبعادا تتجاوز ملاحقة منفذي الهجمات، في ظل اتساع نطاق التهجير وهدم المنازل وفرض الحصار على الأحياء السكنية. ويرى محللون أن هذه الإجراءات تندرج ضمن مسعى إسرائيلي لإعادة تشكيل الواقع الميداني والسياسي في الضفة.
وتناول مراسل الجزيرة في فلسطين إلياس كرام دلالات تفجير منزلي الشهيدين حمودة وأحمد الجعبة، منفذي عملية فرش الهوى التي قُتل فيها جنديان إسرائيليان، معتبرا أن سرعة تنفيذ الهدم تكشف عن توظيف العقوبات الجماعية وسيلة للردع والترهيب.
قصص مقترحة
وقال كرام إن إسرائيل تستثمر في التهجير والتنكيل بالسكان، ضمن سياسة تستهدف بث الخوف والضغط على الفلسطينيين، مشيرا إلى أن تفجير المنزلين بعد أسبوع واحد من العملية يحمل دلالة تتعلق بسرعة الانتقام، وتحويل الإجراءات العقابية إلى رسالة مباشرة لمحيط المنفذين.
وتتجاوز الرسالة، بحسب مراسل الجزيرة، الفلسطينيين إلى الداخل الإسرائيلي، ولا سيما جمهور اليمين، إذ تسعى الحكومة إلى إبراز مشاهد التهجير والتفجير باعتبارها دليلا على قدرتها على التعامل مع التهديدات الأمنية، وترسيخ صورة بنيامين نتنياهو بوصفه القادر على حماية إسرائيل.
وتأتي هذه التطورات في سياق عدوان بدأ في 23 أكتوبر/تشرين الأول الجاري، عقب عملية فرش الهوى، وامتد إلى أحياء عدة في الخليل، وأعلنت البلدية تهجير 4969 فلسطينيا ينتمون إلى 780 عائلة، فيما وثق نادي الأسير اعتقال 110 فلسطينيين منذ بدء العملية.
رسائل التهجير
وفي قراءة أوسع للتصعيد، وصف المحلل السياسي حسام شاهين ما يجري في الخليل بأنه رسالة إسرائيلية إلى الفلسطينيين، مفادها أن مشاهد الهدم والحصار والتهجير التي شهدها قطاع غزة قد تتكرر في الضفة الغربية، مستحضرا تجارب مخيمات جنين ونور شمس وطولكرم.
ويرى شاهين أن اتساع العمليات العسكرية يعكس تراجعا عمليا للقيود التي يفترض أن تحكم السيطرة الإسرائيلية بموجب اتفاق أوسلو، بعدما أصبحت مناطق مصنفة ضمن المنطقة "أ" عرضة للاقتحام والتهجير. ويكرس ذلك، وفق تقديره، واقعا تتآكل فيه الصلاحيات الفلسطينية على الأرض.
ويشير المحلل إلى أن الحكومة الإسرائيلية تستثمر الهجمات الفلسطينية ذريعة لتسريع مخططاتها، وتحويل التصورات السياسية إلى إجراءات ميدانية تشمل هدم المنازل وإخلاء الأحياء وفرض السيطرة العسكرية. ويعتبر أن ما يجري يعكس انتقال هذه السياسات إلى مرحلة التنفيذ المباشر.
ويمتد أثر هذه الإجراءات، بحسب شاهين، إلى المجتمع الفلسطيني بأكمله، إذ تتحمل العائلات والأحياء السكنية تبعات عمليات ينفذها أفراد، بينما تتسع دائرة العقاب لتشمل السكان وممتلكاتهم وحقهم في البقاء بمنازلهم. ويضع ذلك الفلسطينيين أمام ضغوط متزايدة على وجودهم واستقرارهم.
ويحذر شاهين من أن استمرار هذا المسار يرتبط بغياب الضغط الدولي الفاعل، داعيا إلى تحرك عربي ودولي يستخدم أدوات سياسية واقتصادية ودبلوماسية مؤثرة، بما فيها النفوذ داخل الأمم المتحدة. ويرى أن الاكتفاء بالمواقف الإعلامية يترك إسرائيل قادرة على مواصلة فرض الوقائع.
تكريس السيطرة
من جهته، يرى الأكاديمي والخبير بالشؤون الإسرائيلية رائد نعيرات أن العقاب الجماعي يمثل الهدف الأول من العملية، عبر تحميل الفلسطينيين كلفة جماعية باهظة، ودفعهم إلى حالة من الإنهاك والخوف، بما يضعف قدرتهم على الصمود في مواجهة الإجراءات الإسرائيلية.
ويحدد الخبير هدفا سياسيا آخر يتمثل في تحويل التهجير إلى أداة لإعادة تشكيل الجغرافيا الفلسطينية، مشيرا إلى أن العملية الحالية تحمل طابعا مختلفا، باعتبارها تستهدف سكانا داخل مدن مصنفة ضمن المنطقة "أ"، وتفرض عليهم واقعا من العسكرة والسيطرة المباشرة.
ويستند الخبير إلى تقرير للجيش الإسرائيلي يشير إلى محدودية الجدوى الأمنية للعملية، معتبرا أن نتائجها السياسية تتقدم على مبرراتها العسكرية. ويبرز ذلك، وفق قراءته، من خلال إخلاء المناطق السكنية وتوسيع نطاق السيطرة على حركة السكان.
ويربط تسارع هذه السياسات بالمرحلة التي سبقت الانتخابات الإسرائيلية، حين شكل التصعيد ورقة تخدم اليمين في استقطاب الناخبين، إلى جانب هدف إستراتيجي يتمثل في تثبيت وقائع ميدانية يصعب على أي حكومة لاحقة تغييرها، عبر التحكم بالأرض والموارد والمعابر.
وتنعكس هذه السيطرة، بحسب الخبير، على تفاصيل الحياة اليومية للفلسطينيين، من تعطيل التعليم والتحول إلى التعليم الإلكتروني، إلى تقطيع أوصال المدن وإضعاف النشاط الاقتصادي. ويرى أن تحويل الضفة إلى مساحة خاضعة للسيطرة العسكرية يضيق مقومات الحياة الطبيعية ويقوض فرص قيام دولة فلسطينية مستقلة.
التعليقات 0
كن أول من يعلق على هذا الخبر