تسللت نسمات الكاريبي عبر نوافذ منزل "جولدن آي"، القابع في بقعة نائية من الساحل الشمالي لجامايكا، وتناهت من بعيد تغريدات طيور استوائية ترددت أصداؤها بين جدران شهدت ميلاد واحدة من أشهر الشخصيات الخيالية في أدب الجاسوسية. ففي هذا المكان نسج الكاتب وضابط الاستخبارات البحرية البريطاني السابق إيان فليمنغ شخصية "جيمس بوند"، حين كتب روايته الأولى "كازينو رويال" في شتاء 1952، ثم توالت روايات العميل السري من البقعة ذاتها عاما بعد عام.

غير أن "جولدن آي" كان في شتاء 1956 في عهدة رجل آخر، هو أنطوني إيدن، رئيس الوزراء البريطاني آنذاك، الذي قبل عرض فليمنغ أن يقضي في منزله فترة نقاهة بعدما انهارت صحته إثر هزيمته السياسية المذلة في السويس. كانت المفارقة قاسية؛ ففي البيت الذي صنع فيه فليمنغ للمخيلة البريطانية مخدرا اسمه "بوند"، كان وريث الإمبراطورية الحقيقي يلعق جراح هزيمة كشفت أن بريطانيا لم تعد تملك من القوة ما يطابق أوهامها.

أخبار مقترحة

  • Fighters from the Saudi-led coalition hold a position during clashes with Iran-backed Houthis in Yemen's northwestern Jawf province on November 2, 2026.
    شهادة ضابط استخبارات أمريكي: لماذا أخطأنا في فهم اليمن؟
  • الناخب ليس مخدوعا.. قراءة في الترمبية وجذور اليمين الأمريكي

هناك، بينما كان إيدن راقدا في سريره يحدق في سقف الغرفة، بينما تتقاذفه الحمى وهلاوس المسكنات القوية التي دأب على تناولها لمداواة آلامه الحادة منذ جراحة فاشلة أضرت بقناته الصفراوية عام 1953. ولعل صورة جمال عبد الناصر قد راودته في تلك اللحظة، وهو يخطب في ميدان المنشية بالإسكندرية معلنا تأميم قناة السويس، قبل أن يستدير الوجه قليلا ويتقلص الشارب وتتدلى خصلة ناعمة على الجبين، فتذكر إيدن بوجه آخر مرعب عرفه في شبابه، وجه أدولف هتلر.

جرح الراين.. عقدة إيدن الأولى

تعود علاقة إيدن بهتلر إلى فبراير/شباط 1934، حين وصل السياسي البريطاني الشاب إلى برلين للقاء الزعيم النازي، في وقت كانت فيه أوروبا تحاول استكشاف نوايا الرجل الذي قبض للتو على ألمانيا. لم يكن إيدن قد بلغ بعد منصب وزير الخارجية، لكنه صعد إلى موقع متقدم في الدبلوماسية البريطانية بعد تعيينه مطلع ذلك العام حاملا للختم الخاص ومكلفا بملفات عصبة الأمم، في منصب جعله أشبه بسفير متجول لبريطانيا بين العواصم الأوروبية. كان في السادسة والثلاثين من عمره، أنيقا وسيما، يمثل الوجه الأرستقراطي الهادئ للدبلوماسية البريطانية.

بدأ اللقاء بما يشبه "طقس ترهيب"، إذ كان على إيدن أن يعبر ممرات طويلة تصطف بها حراسة عسكرية وصولا إلى قاعة فسيحة أقرب في هيئتها إلى قاعات السينما. كانت الأجواء المهيبة توحي بأن الزائر يدخل إلى حضرة سلطة تحرص على استعراض قوتها قبل أن تبدأ المحادثات. لكن المفاجأة أن هتلر بدا في اللقاء الأول أكثر ودا وهدوءا مما توقع ضيفه البريطاني، بل أظهر قدرا غير منتظر من خفة الظل. وامتدت المجاملات إلى حديث عن بافاريا، حتى إن هتلر دعا إيدن إلى زيارته في مقر إقامته الجبلي قرب بيرشتسغادن، على مقربة من الحدود النمساوية.

"في اللقاء الثاني، بدا هتلر أكثر ثقة بسلطته وأشد تصلبا في مطالبه وأقل حرصا على استرضاء محاوريه"

غير أن الصورة التي احتفظ بها إيدن عن الزعيم الألماني لم تصمد طويلا. فعندما عاد إلى برلين في مارس/آذار 1935، مرافقا وزير الخارجية البريطاني جون سايمون، وجد أمامه رجلا مختلفا، أكثر ثقة بسلطته وأشد تصلبا في مطالبه وأقل حرصا على استرضاء محاوريه. كانت ألمانيا قد أعلنت قبل أيام إعادة العمل بالتجنيد الإجباري، متحدية القيود التي فرضتها عليها معاهدة فرساي. وبدا هتلر خلال المباحثات مصمما على فرض مطالبه بوصفها حقائق قائمة لا تنازلات مطروحة للتفاوض. ولاحظ إيدن أن عاما إضافيا في السلطة، مسنودا بقوة عسكرية متنامية، ترك أثره الواضح على شخصية الزعيم الألماني.

ومع ذلك، شهدت هذه الزيارة الأكثر توترا مفارقة إنسانية غريبة. ففي مأدبة أقيمت بالسفارة البريطانية في برلين يوم 26 مارس/آذار، استعاد الرجلان ذكريات الحرب العالمية الأولى، ليكتشفا أنهما كانا في موقعين متقابلين على الجبهة الغربية، في منطقة نهر الواز بشمال فرنسا؛ حيث خدم إيدن ضابطا بريطانيا، بينما كان هتلر عريفا في الجيش الألماني.

وفي مشهد بدا كأنه استراحة قصيرة من صراعات أوروبا المتصاعدة، قلب إيدن بطاقة قائمة الطعام ورسم عليها مواقع القوات البريطانية التي يتذكرها من الحرب، ثم تناول هتلر البطاقة وأضاف مواقع القوات الألمانية المقابلة. كانت الذاكرة العسكرية المشتركة، على اختلاف موقعي الرجلين في الحرب، كافية لصنع لحظة نادرة من الألفة. واحتفظ إيدن بالبطاقة تذكارا للقاء.

لكن تلك اللحظة لم تبدد الانطباع الذي خرج به الدبلوماسي البريطاني من المباحثات. فخلف المجاملات الشخصية رأى إيدن زعيما صار أكثر ثقة بقدرته على انتزاع ما يريد، وأقل استعدادا للإنصات إلى اعتراضات الآخرين. ثم جاءت أزمة الراين عام 1936 لتكسر ما تبقى من أوهام إيدن تجاه هتلر، وتخلف لديه جرحا سياسيا ونفسيا لم يندمل. فبموجب معاهدة فرساي ثم معاهدات لوكارنو، كان على ألمانيا أن تبقي منطقة الراينلاند منزوعة السلاح. والمنطقة شريط يمتد غربي نهر الراين على حدود فرنسا وبلجيكا وهولندا، يضاف إليه نطاق عازل بعرض 50 كيلومترا شرق النهر. كانت المنطقة في عيون الألمان رمزا لإذلال فرساي، وفي عيون الفرنسيين صمام الأمان الأخير في وجه أي هجوم ألماني مباغت.

لكن هتلر أمر قواته في السابع من مارس/آذار من ذلك العام بعبور الراين وإعادة عسكرة المنطقة، منتهكا فرساي ولوكارنو معا، ومراهنا على أن بريطانيا وفرنسا لن تفعلا شيئا. وقد ربح رهانه؛ إذ اكتفى الغرب بالإدانة رغم محدودية القوات الألمانية وضعفها في ذلك الوقت، حتى إن روايات كثيرة تذكر أنها تلقت أوامر بالانسحاب فورا إذا واجهت مقاومة حقيقية. لكن المقاومة لم تأت. ومن تلك اللحظة، فهم هتلر أن الطريق إلى التوسع مفتوح أكثر مما ظن.

"عبر هتلر الراين ولم يواجه مقاومة، ففهم أن الطريق إلى التوسع مفتوح أكثر مما ظن"

كان إيدن، الذي تولى وزارة الخارجية قبل ذلك بأقل من ثلاثة أشهر، جزءا من لحظة العجز تلك؛ فقد اقترح على الحكومة مسارا دبلوماسيا لا عسكريا، وأبدى أمله في "تسوية سلمية". وظلت أزمة الراين تطارده لاحقا بوصفها الخطيئة الأصلية للاسترضاء الأوروبي، فلو أوقف الديكتاتور عند خطوته الأولى لما تمدد خطره بهذه السرعة. ومن هنا تبلور في داخله درس صارم يكاد يكون عقدة سياسية، فقد تعلم أن التساهل لا يمنع الحرب، وإنما يؤجلها حتى تصبح أفدح كلفة.

درسان في عام واحد

على أن العام نفسه حمل لإيدن في الجنوب، عند ضفاف النيل، درسا دبلوماسيا من نوع آخر. فبينما كانت بريطانيا وفرنسا تتراجعان أمام مغامرة هتلر عند الراين، كان إيدن يفاوض على إعادة ترتيب الوجود البريطاني في مصر عبر المعاهدة الأنجلو-مصرية، في محاولة ذكية لإعادة صياغة النفوذ البريطاني، تنهي الاحتلال بصورته القديمة، وتبقي الوجود العسكري قائما حول قناة السويس، وتضمن استخدام مصر قاعدة إستراتيجية عند الحرب. ففي عالم تتصاعد فيه فاشية موسوليني في المتوسط، ويتمدد هتلر في أوروبا، وتشتعل فلسطين بالثورة، بدت مصر لإيدن أكثر من ملف استعماري، فقد كانت عقدة في أمن الإمبراطورية كلها. وهكذا جاءت المعاهدة لتعيد صياغة السيطرة البريطانية على مصر، لا لتتخلى عنها.

بدأ اهتمام إيدن بمصر مبكرا، منذ تابع في أواخر العشرينيات، حين كان سكرتيرا برلمانيا لوزير الخارجية أوستن تشامبرلين، المفاوضات الشاقة مع رئيس الوزراء المصري عبد الخالق ثروت، في أعقاب تصريح 28 فبراير/شباط 1922، الذي اعترف باستقلال مصر وأسس لملكية فؤاد، مع إبقاء أربعة ملفات حيوية في يد بريطانيا، هي تأمين مواصلات الإمبراطورية والدفاع عن مصر وحماية المصالح الأجنبية والأقليات ثم السودان. ومن تلك التجربة كون إيدن فهما خاصا لتعقيدات السياسة المصرية، التي اعتاد المسؤولون البريطانيون في عهد المندوب السامي مايلز لامبسون تشبيهها بـ"الكرسي ذي الأرجل الثلاث" (القصر والوفد والسفارة البريطانية). ولذا أدرك أن الاستقرار في مصر لا يقوم على طرف واحد، بل على توازن هش بين هذه القوى الثلاث.

كان إيدن عام 1936 يدير مسار المفاوضات من مكتبه في لندن بصفته وزيرا للخارجية. ولم تكتف لندن باتفاق بين الحكومتين، فقد اشترطت أن تفاوض الأحزاب المصرية كلها، فتشكلت هيئة مفاوضة ضمت ممثليها جميعا عدا الحزب الوطني، الذي رفع شعار "لا مفاوضة إلا بعد الجلاء". هكذا لن تستطيع أي جهة لاحقا أن تتنصل من المعاهدة. وفي 26 أغسطس/آب 1936، وقعت المعاهدة في غرفة لوكارنو بوزارة الخارجية البريطانية، وسط أجواء احتفالية استقبل فيها الوفد المصري بحفاوة لإضفاء طابع ودي على العلاقة الرسمية. وبهذه المناسبة أصدرت مصر في 22 ديسمبر/كانون الأول 1936 مجموعة من الطوابع البريدية التذكارية، حملت صورة من مراسم التوقيع ظهر فيها إيدن إلى جانب رئيس الوزراء المصري مصطفى النحاس باشا.

ورغم أن المادة الأولى من المعاهدة نصت على إنهاء الاحتلال العسكري البريطاني لمصر، فإن المادة الثامنة أبقت على جوهر الوجود العسكري، إذ سمحت ببقاء قوات بريطانية لحماية قناة السويس، التي وصفتها المعاهدة بأنها وسيلة اتصال عالمية وجزء حيوي من مواصلات الإمبراطورية البريطانية. وبالأرقام، حدد الوجود البريطاني في وقت السلم بعشرة آلاف جندي و400 طيار، على أن يتمركزوا في منطقة القناة بعيدا عن القاهرة والإسكندرية، وإن أجازت المعاهدة بقاءهم في المدن إلى أن تبنى لهم الثكنات كما ألزمت المادة السابعة مصر، في حال نشوب حرب أو خطر حرب وشيك، بأن تضع موانئها ومطاراتها وطرق مواصلاتها ووسائل اتصالها تحت تصرف بريطانيا، مع ما يستتبع ذلك من أحكام عرفية ورقابة عسكرية.

"منحت المعاهدة مصر اعترافا أوسع باستقلالها وموقعا دوليا أوضح، لكنها أبقت لبريطانيا مفاتيح القوة الحقيقية"

بهذا المعنى، منحت المعاهدة مصر اعترافا أوسع باستقلالها وموقعا دوليا أوضح، لكنها أبقت لبريطانيا مفاتيح القوة الحقيقية، من القناة والجيش إلى حق العودة عند الخطر. ورأى إيدن في ذلك حلا وسطا معقولا، يرفع كلفة الاحتلال المباشر دون التفريط في جوهر السيطرة البريطانية. وبحسب المؤرخ البريطاني نايجل أشتون، نظر إلى المعاهدة يومها بوصفها إنجازا كبيرا لسياسي شاب صاعد، استطاع الوصول إلى تسوية لها وزنها مع القوى الوطنية المصرية، في علاقة ظلت تهيمن عليها منذ القرن التاسع عشر رغبة المصريين في التخلص من التبعية الإمبراطورية.

لكن "التسوية" لم تعش طويلا. فقد حولت الحرب العالمية الثانية مصر، بموجب المادة السابعة نفسها، إلى قاعدة لجيوش الحلفاء، وفي 4 فبراير/شباط 1942 حاصرت الدبابات البريطانية قصر عابدين لتفرض على الملك فاروق حكومة يرأسها النحاس نفسه، وكان إيدن يومها وزيرا للخارجية من جديد. ومع نهاية الحرب صارت المعاهدة في عيون المصريين عنوانا لاحتلال لم ينته. وفي 8 أكتوبر/تشرين الأول 1951 وقف النحاس أمام مجلسي النواب والشيوخ ليعلن إلغاءها من طرف واحد، قائلا: "من أجل مصر وقعت معاهدة 1936، ومن أجل مصر أطالبكم اليوم بإلغائها".

هنا تكمن مفارقة 1936 في حياة إيدن. ففي الشمال علمه الراين أن التراجع أمام القوة الطامعة يفتح أبواب جهنم. وفي الجنوب أقنعته معاهدة مصر بأن الإمبراطورية لا تزال قادرة على تحويل التراجع إلى ترتيب مريح يناسب زمنه. وبعد عشرين عاما، وهي المدة نفسها التي حددتها المعاهدة لمراجعة الوجود العسكري البريطاني، ستصطدم الذاكرتان في السويس، ذكرى الراين التي تقول له لا تتهاون مع القوى الصاعدة، وذكرى مصر التي تقول له إن بريطانيا ما زالت تملك حق إدارة القناة وتقرير مصيرها.

1954.. آخر انتصارات الواقعية

لا يستقيم القفز إلى إيدن 1956 دون المرور بمحطتين حاسمتين في تكوين صورته السياسية، عام 1938 ثم عام 1954. ففي الأولى، استقال في 20 فبراير/شباط 1938 من وزارة الخارجية احتجاجا على قرار رئيس الوزراء نيفيل تشامبرلين فتح مفاوضات مع موسوليني في ذروة عدوانه. وحين ضم هتلر النمسا بعد ثلاثة أسابيع، ترسخت في الذاكرة الجمعية صورة إيدن بوصفه "الرجل الذي رأى الشر مبكرا"، والنقيض النبيل لمهادنة تشامبرلين.

ويشير المؤرخ البريطاني ديفيد ريتشارد ثورب، كاتب سيرة إيدن الرسمية، إلى أن الصدام بين الرجلين عبر عن اختلاف كلي بين جيلين ومنهجين في رؤية العالم. فقد أدار تشامبرلين، الستيني القادم من عالم الأعمال، السياسة بعقلية تاجر يؤمن بأن كلمة المرء ميثاقه، ومن ثم يمكن التفاهم مع الخصم ما دام يعد ويوقع، بينما تعلم إيدن، الأربعيني الذي خرج من جحيم خنادق الحرب العالمية الأولى، أن يقرأ ما وراء الكلمات فلا يثق بمجرد الوعود. كان الأول يرى في موسوليني شريك تفاوض محتملا، والثاني يكتب إلى تشامبرلين نفسه، في 9 يناير/كانون الثاني 1938، أنه يخشى أن يكون موسوليني "رجل عصابات تاما لا تعني كلمته المعطاة شيئا".

منح هذا الموقف إيدن رأس مال أخلاقيا هائلا؛ فقد خرج من الحكومة رجلا رفض أن يضع توقيعه على سياسة رآها تنازلا أمام الفاشية، لا سياسيا فشل في فرض رأيه. ومن هنا بدأت أسطورة السياسي الذي فضل المبدأ على المنصب، وآمن بأن أخطر ما يمكن فعله مع الديكتاتور هو منحه وقتا إضافيا كي يزداد قوة. ويورد المؤرخ البريطاني ديفيد كارلتون، المتخصص في تاريخ الدبلوماسية والعلاقات الدولية، ما كتبه تشرشل لاحقا في مذكراته عن تلك الليلة، إذ وصف إيدن بأنه "شخصية شابة قوية" وحيدة وقفت في وجه تيارات الانجراف والاستسلام الطويلة الكئيبة. ويرى كارلتون أن هذه التزكية منحت إيدن مكانة خاصة في الأوساط السياسية البريطانية، فلم يعد مجرد وزير مستقيل، وإنما بدا الوريث الشرعي الذي سيقود بريطانيا.

غير أن صورة البطل الرافض للمهادنة لا ينبغي أن تحجب وجه إيدن البراغماتي، الذي برز في مصر عام 1936 واتضح أكثر في اتفاق الجلاء عام 1954. فثمة إيدن آخر كان يعرف متى يكون التراجع حكمة؛ فالرجل الذي رفض المساومة مع هتلر كان قادرا على التفاوض الواقعي حين تقتضيه موازين القوى، وهو ما يجعل انفجاره اللاحق في وجه عبد الناصر لغزا يحتاج إلى تفسير، لا نتيجة حتمية لطبع متصلب. فحين دافع إيدن عن الاتفاق أمام مجلس العموم في 29 يوليو/تموز 1954، لم يتكلم بلسان رجل تهزه النوستالجيا الإمبراطورية، بل بلسان رجل دولة واقعي. قال يومها إنه لم يجد "بديلا عمليا" لهذا المسار، وإن بريطانيا تحتاج "قاعدة عاملة، لا حامية محاصرة"، فلا أمل في العمل مع المصريين بوضع 20 ألفا أو 30 ألفا أو 80 ألف رجل على أرضهم. وتلك ليست لغة من لا يعرف إلا التشبث بالقوة، بل لغة سياسي يدرك أن الإمساك بالقوة وحدها قد يصبح وهما مكلفا.

"الرجل الذي رفض المساومة مع هتلر كان قادرا على التفاوض الواقعي حين تقتضيه موازين القوى"

ولعل خلفيته العسكرية تفسر جانبا من هذه المرونة؛ فقد خاض الحرب العالمية الأولى ضابطا في فيلق البنادق الملكي، ونال وسام الصليب العسكري عام 1917، وفقد فيها شقيقين. والرجل الذي خبر الحرب كان يعرف أن القوة المتمركزة في موقع معاد بلا غاية واضحة تتحول إلى عبء لا رصيد. ويحسب له في تلك اللحظة أنه وظف خبرته العسكرية في خدمة حسه السياسي، بعكس خصمه القديم هتلر، الذي وقع ضحية العناد العسكري في لحظات تطلبت مرونة سياسية. لكن المفارقة أن إيدن نفسه سيرتكب خطأ مشابها بعد عامين فقط، حين رأى في تأميم عبد الناصر لقناة السويس اختبار إرادة لا نزاعا سياسيا قابلا للتسوية، فلجأ إلى منطق القوة العارية وأنهى به حياته السياسية.

الدرس الصحيح في المكان الخاطئ

يشير ألكسندر شيلبي، المؤرخ الأمريكي المتخصص في العلاقات الأمريكية مع الشرق الأوسط خلال الحرب الباردة، إلى أن إيدن رأى في إزاحة عبد الناصر مدخلا لحل معظم مشكلات بريطانيا في الشرق الأوسط، على غرار الاحتلال البريطاني لمصر عام 1882، الذي ثبت النفوذ الإمبراطوري في المنطقة سبعة عقود. وقد لعب إرث الماضي الإمبراطوري دورا حاسما في هذا التصور، إذ تعامى إيدن هذه المرة عن حقيقة أن بريطانيا لم تعد القوة التي كانت عليها في القرن التاسع عشر.

في المقابل، يرى كارلتون أن ما فجر غضب إيدن في وجه عبد الناصر لم يكن طبعا متصلبا في الأساس، وإنما شعور عميق بالخيانة الشخصية. فالرجل الذي خاطر بمستقبله السياسي لإقناع حزبه وبلده بقبول الانسحاب من مصر عام 1954، شعر بأن عبد الناصر رد على تلك المخاطرة بمحاولة تقويض النفوذ البريطاني في المنطقة بأسرها، فاندفع في الرد. وبحسب كارلتون، كان إيدن يخشى أن يقارن خلال هذه الأزمة برجل الاسترضاء نيفيل تشامبرلين بدلا من تشرشل، فقرر ألا يسمح لنفسه بأن يكون "تشامبرلين ثانيا" يتنازل أمام "ديكتاتور" جديد.

ويتسق ذلك مع رسالة بعث بها إيدن إلى الرئيس الأمريكي دوايت أيزنهاور في 5 أغسطس/آب 1956، كتب فيها أنه لم يعد عبد الناصر قط هتلر آخر، لأنه لا يملك شعبا محاربا خلفه، "لكنه قريب الشبه بموسوليني". ثم أضاف أن "إزالة عبد الناصر، وتنصيب نظام في مصر أقل عداء للغرب" يجب أن يحتلا مرتبة عالية بين أهداف بريطانيا. هذه الصيغة تكشف لب المشكلة؛ فإيدن لم يقرأ عبد الناصر في سياق ما بعد الاستعمار والعالم العربي والحرب الباردة، بل قرأه من أرشيف أوروبا في الثلاثينيات. وهو قياس تاريخي لا يعين على الفهم، بل يملي نتيجة مسبقة. فإذا كان عبد الناصر موسوليني جديدا، وإيدن يأبى أن يكون تشامبرلين، فكل تسوية معه استرضاء لا دبلوماسية. وهكذا أراد إيدن، مثل بريطانيا الغارقة في أوهام قوتها القديمة، أن يثبت للعالم من جديد أنه لا يزال الرجل الذي لا يهادن الشر.

والمفارقة أن إيدن لم يكن غريبا عن الشرق. فبعد عودته من الخنادق التحق بكلية كرايست تشيرش في أكسفورد في أكتوبر/تشرين الأول 1919، ودرس اللغات الشرقية، الفارسية لغة أولى والعربية لغة ثانية، وتخرج عام 1922 بمرتبة الشرف الأولى. ولعله كان أكثر رؤساء حكومات بريطانيا في القرن العشرين معرفة بلغات المنطقة وآدابها. غير أن اللغة لم تحمه من القياس الخاطئ. فقد عرف إيدن كيف يتكلم بلسان القاهرة، وظل مع ذلك يقرؤها بعين تجربته في برلين.

"عرف إيدن كيف يتكلم بلسان القاهرة، وظل مع ذلك يقرؤها بعين تجربته في برلين"

هنا يلفت كارلتون الانتباه إلى ما يسميه الثمن الباهظ لتزكية تشرشل، فقد كانت تلك التزكية في رأيه سلاحا ذا حدين. فمن جهة، مهدت لإيدن الطريق إلى رئاسة الحكومة، ورسخت صورته بوصفه الوريث الأخلاقي والسياسي لتشرشل. ومن جهة أخرى، وضعت أداءه تحت سقف توقعات عالية وغير واقعية، إذ بدا مطلوبا منه أن يكون تشرشل ثانيا في لحظة لم تعد بريطانيا تملك فيها رصيد تشرشل المادي، ولا موقع الإمبراطورية الذي عرفته في الحرب العالمية الثانية.

ولم يلتق الرجلان، إيدن وعبد الناصر، إلا مرة واحدة. ففي 20 فبراير/شباط 1955، وكان إيدن لا يزال وزيرا للخارجية في طريقه إلى مؤتمر حلف جنوب شرق آسيا في بانكوك، توقف في القاهرة ليلتقي رئيس الوزراء الشاب الذي وقع معه اتفاق الجلاء قبل أشهر. وبحسب برقية بعث بها وزير الخارجية الأمريكي جون فوستر دالاس إلى واشنطن، روى له إيدن أنه فوجئ بحرارة الاستقبال، وأن المحادثات مضت بسلاسة حتى جاء ذكر الحلف التركي العراقي الذي كانت لندن تدفع إليه. عندها وجد عبد الناصر "منغلقا تماما أمام كل الحجج"، مقتنعا بأن المصريين لن يقبلوا الحلف أبدا. وخرج إيدن بخلاصة لم تفارقه بعد ذلك، وهي أن الخلاف في جوهره صراع على زعامة العالم العربي، وأن عبد الناصر "يريد بوضوح أن يتولاها". وبعد أربعة أيام وقعت بغداد وأنقرة الحلف الذي سيعرف بـحلف بغداد. من هناك بدأ الطريق إلى السويس.

الطريق إلى سيفر

غير أن الرجل الذي أراد استعادة أسطورته بوصفه الحارس النبيل الذي لا يهادن الشر، انتهى في السويس إلى سياسة لا تقل التواء عن السياسات التي طالما ادعى احتقارها. فإيدن الذي بنى صورته العامة على الاستقامة الأخلاقية ورفض ممارسات الديكتاتورية، لم يواجه عبد الناصر في العلن بسياسة واضحة، بل اختار طريقا خلفيا قوامه الترتيب السري والخداع الدبلوماسي وصناعة ذريعة للحرب. ففي الفترة بين 22 و24 أكتوبر/تشرين الأول 1956، لجأ إلى ترتيب سري مع فرنسا وإسرائيل عرف ببروتوكول سيفر، يقضي بأن تهاجم إسرائيل سيناء، ثم تتدخل بريطانيا وفرنسا بإنذار تعرفان مسبقا أن مصر سترفضه، لتصبح الحرب معدة سلفا تحت غطاء الفصل بين المتحاربين وحماية الملاحة.

وتذكر المصادر أن إيدن تصور أن التفاهم سيبقى شفهيا ولن يترك أثرا ماديا يمكن أن يدينه لاحقا. ولم يكن يعلم أن مبعوثيه إلى ضاحية سيفر الفرنسية، باتريك دين ودونالد لوغان، سيعودان بوثيقة مكتوبة وقعها دين، بعدما رفض ديفيد بن غوريون الاكتفاء بالوعود الشفهية وأصر على ضمانات موقعة شرطا لمشاركة إسرائيل. فقد كان يخشى أن تتركه بريطانيا وحيدا في ساحة المعركة، ثم تصفه بالمعتدي لاسترضاء العرب.

"إيدن تصور أن التفاهم مع إسرائيل سيبقى شفهيا ولن يترك أثرا ماديا يمكن أن يدينه لاحقا"

وبحسب المؤرخ والكاتب البريطاني كيث كايل، أصيب إيدن بالرعب حين علم بوجود بروتوكول مكتوب، وأمر فورا بإتلاف النسخة البريطانية، وهو ما حدث بالفعل، حتى إنها لم تظهر في الأرشيف الرسمي البريطاني. وفي اليوم التالي، 25 أكتوبر/تشرين الأول، أرسل مبعوثيه مرة أخرى إلى باريس في محاولة يائسة لإقناع الفرنسيين بإتلاف النسخ الأخرى. لكن المهمة فشلت؛ فقد احتجز المبعوثان لساعات في غرفة انتظار داخل مقر الخارجية الفرنسية، قبل أن يعودا بخفي حنين، بعدما رفض وزير الخارجية كريستيان بينو التخلي عن الضمانات المكتوبة، وكانت النسخة الإسرائيلية قد غادرت فرنسا مع الوفد الإسرائيلي. وظلت تلك النسخة محفوظة في أرشيف بن غوريون، إلى أن نشرت صورتها في الذكرى الأربعين للأزمة عام 1996.

ودفعت غزة جزءا من ثمن سيفر. فالبروتوكول الذي أراد إيدن إخفاءه منح إسرائيل غطاء لاحتلال سيناء وقطاع غزة. وفي 3 نوفمبر/تشرين الثاني 1956، بعد قتال مع حاميتها الفلسطينية والمصرية، سقطت خان يونس في يد القوات الإسرائيلية، فجمعت الرجال من البيوت والشوارع وأطلقت عليهم النار، بحسب شهادات الناجين. وأحصى مدير وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (أونروا) في تقريره إلى الأمم المتحدة 275 شهيدًا وفق قوائم بالأسماء، بينما تقدر المصادر الفلسطينية العدد بأكثر من 400 شهيد. وبعد تسعة أيام تكرر المشهد في رفح، واستشهد فيها 111 فلسطينيا بحسب الصحفي الأمريكي دونالد نيف. وظل الاحتلال جاثما على القطاع حتى مارس/آذار 1957، حين انسحبت إسرائيل تحت الضغط الأمريكي.

ومع إحكام الدائرة حوله بعد تخلي الحليف الأمريكي عنه، وفشل العدوان سياسيا، وتدهور صحته، اعتمد إيدن على مزيج دوائي خطير أشبه بـ"كوكتيل" كيميائي، كي يواصل أداء مهامه تحت الضغط الهائل لأزمة السويس. فقد وصف له أطباؤه عقار "درينامِل"، الذي يجمع الأمفيتامين المنبه إلى الباربيتورات المهدئة، ليبقى يقظا ويواجه القلق والأرق في آن، كما زادت جرعات المسكنات القوية التي يتناولها ليبقى قادرا على العمل رغم الآلام المبرحة ونوبات الحمى التي لازمته منذ جراحة المرارة الفاشلة.

ويرى جوناثان بيرسون، الباحث البريطاني ومؤلف كتاب "السير أنطوني إيدن وأزمة السويس: مقامرة مترددة"، أن المنبهات أحدثت في عقل إيدن أثرا مزدوجا ومدمرا. ففي البداية منحته حالة من النشوة وإحساسا كاذبا بالصحة والقدرة الجسدية، فدفعته إلى الاستهانة بخطورة مرضه ومواصلة العمل لساعات طويلة تحت ضغط هائل. لكن هذا الإحساس كان فخا؛ فمع استمرار الجرعات العالية بدأت الآثار الجانبية في الظهور، لا بوصفها اضطرابا عابرا في السلوك، بل تضخيما لسمات كامنة فيه من الأصل، مثل انعدام الأمان والغرور.

وبحسب بيرسون، كان شعور إيدن بالهشاشة يتغذى أصلا من تراجع مكانة بريطانيا الدولية، ومن سنوات انتظاره الطويلة لخلافة تشرشل، ثم جاء المرض والدواء ليضاعفا هذا الإحساس. فصار أكثر حساسية تجاه النقد الصحفي وأكثر ارتيابا في زملائه، بينما منحه الغرور المتضخم ميلا إلى الاستعلاء وتجاهل الآراء المخالفة. وبعد العودة من نقاهة جامايكا، كان أمام إيدن اختبار أخلاقي أخير فشل فيه. ففي 20 ديسمبر/كانون الأول 1956، وقف في مجلس العموم لينفي علم حكومته المسبق بالهجوم الإسرائيلي على مصر، قائلا إنه "لم يكن هناك علم مسبق بأن إسرائيل ستهاجم مصر، لم يكن هناك".

كان في القاعة يومها رجل يعرف الحقيقة. فدونالد لوغان، مساعد السكرتير الخاص لوزير الخارجية سلوين لويد، الذي رافق دين إلى سيفر، كان يتابع الجلسة يومها من مقصورة الموظفين في القاعة. وقال بعد عقود، بحسب صحيفة "تايمز" البريطانية عام 1996، إنه كان الوحيد في المكان الذي يعلم أن رئيس الوزراء يكذب على المجلس.

هنا تكتمل المفارقة القاسية؛ فالرجل الذي بنى مجده السياسي على رفض الخداع، وفضل الخروج من السلطة على أن يكون شريكا في تضليل شعبه، انتهى في السويس إلى الموقع الذي طالما عابه على غيره. صار يخفي ويناور، ويقدم للبرلمان والرأي العام رواية منقوصة عن الترتيب السري مع فرنسا وإسرائيل. وبعد ذلك الخطاب بعشرين يوما، في 9 يناير/كانون الثاني 1957، استقال إيدن من رئاسة الحكومة متذرعا بصحته، بعد أقل من عامين على وصوله إلى المنصب الذي انتظره أكثر من عقد.

"خرج إيدن من مجلس العموم مع خروجه من رئاسة الحكومة، ولم يعد إلى العمل السياسي"

خرج إيدن من مجلس العموم مع خروجه من رئاسة الحكومة، ولم يعد إلى العمل السياسي. وفي عام 1960 نشر الجزء الأول من مذكراته بعنوان "دائرة كاملة"، بعدما دفعت له صحيفة "تايمز" مقدما قدره 100 ألف جنيه إسترليني، فدافع فيه عن قراره في السويس دون أن يعترف بالتواطؤ مع فرنسا وإسرائيل. وفي العام التالي منح لقب إيرل أفون، فانتقل إلى مجلس اللوردات. وقال لاحقا إنه "لا يملك اعتذارا يقدمه".

عاش إيدن بعد عبد الناصر ست سنوات. وفي ديسمبر/كانون الأول 1976 سافر إلى فلوريدا ليقضي عطلة رأس السنة في ضيافة الدبلوماسي الأمريكي أفريل هاريمان، فانهارت صحته هناك، وأرسل رئيس الوزراء العمالي جيمس كالاهان طائرة من سلاح الجو الملكي لتعيده من ميامي إلى بيته في قرية ألفيدستون بمقاطعة ويلتشير. ووافقت عودته، كما لاحظت صحف ذلك الأسبوع، الذكرى العشرين لاستقالته. وبعد أيام، في 14 يناير/كانون الثاني 1977، توفي إيدن عن 79 عاما متأثرا بالسرطان، ودفن في مقبرة كنيسة القرية.

بعد سبعين عاما، سيعود شبح إيدن إلى التداول، وفي واشنطن هذه المرة. ففي تحليل نشرته مجلة "نيوزويك" الأمريكية مطلع نوفمبر/تشرين الثاني 2026، رأى الكاتب ديفيد أفير أن درس السويس صار درسا أمريكيا. فقد خاض الرئيس دونالد ترمب حربه على إيران دون أن يشاور حلفاءه الأوروبيين، ولما دعاهم إلى إرسال سفنهم إلى مضيق هرمز تجاهلت عواصمهم الدعوة. وصمدت طهران، واحتفظت بقدرتها على تعطيل ممر يعبره نحو خمس نفط العالم، فاضطربت الملاحة فيه لأشهر. ودفع الأمريكيون الثمن في الاقتصاد والطاقة قبل أن يدفعه الحزب الجمهوري في انتخابات التجديد النصفي. خسر حزب ترمب مجلسي الكونغرس بسبب تلك الحرب، أكثر من أي سبب آخر.

والمفارقة أن الأدوات التي أسقطت إيدن كانت أمريكية. فقد رفض الرئيس أيزنهاور إنقاذ الجنيه الإسترليني ولوح ببيع ما تملكه بلاده منه، وحين استخدمت لندن وباريس حق النقض في مجلس الأمن نقل القضية إلى الجمعية العامة للأمم المتحدة. بعد أيام توقف العدوان، وبعد شهرين استقال إيدن. كسب أيزنهاور بالمال والمؤسسات الدولية ما عجزت عنه جيوش حلفائه. أما ترمب فقد أضعف هذه الأدوات بيده، بعد أن أمر بانسحاب بلاده من 66 منظمة دولية. وفي سبتمبر/أيلول الماضي، كتب الباحث البريطاني داني ستيد في مجلة المعهد الملكي للخدمات المتحدة (روسي) أن الولايات المتحدة تواجه اليوم في حربها مع إيران ما واجهته بريطانيا عام 1956.