تكبدت أسعار النفط العالمية خسائر أسبوعية حادة، هي الأكبر منذ سنة 2022، وسط تزايد التوقعات بإمكانية التوصل إلى اتفاق ينهي الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، عقب الهزيمة التي مني بها الحزب الجمهوري في انتخابات التجديد النصفي للكونغرس الأمريكي، وما رافقها من ضغوط سياسية على إدارة الرئيس دونالد ترامب لتسريع إنهاء النزاع.

وفقدت العقود الآجلة للنفط الأقرب استحقاقا نحو 13,2 في المائة من قيمتها خلال الأسبوع الجاري، في وقت شهدت فيه الأسواق تقلبات حادة بفعل المستجدات المتعلقة بالمفاوضات الأمريكية الإيرانية ومستقبل الإمدادات النفطية القادمة من منطقة الخليج.

واستقر خام برنت، المعيار العالمي لتسعير النفط، قرب 98 دولارا للبرميل عند إغلاق تعاملات الجمعة، دون تغير يذكر مقارنة بالجلسة السابقة، فيما أنهى خام غرب تكساس الوسيط الأمريكي التداولات على ارتفاع طفيف بنسبة 0,3 في المائة.

وشهدت جلسة الجمعة تراجعا مؤقتا للأسعار، بعدما كشفت “بلومبرغ” عن اقتراب واشنطن وطهران من تحقيق اختراق في الجهود الرامية إلى إنهاء الحرب، مع إبداء الجانب الإيراني مرونة بشأن مناقشة جوانب من برنامجه النووي كانت مستبعدة سابقا من المفاوضات.

آمال التهدئة تضغط على أسعار النفط

جاء التحول في توقعات المستثمرين بعد أشهر من المفاوضات المتقطعة التي لم تفض إلى تسوية، خصوصا منذ انهيار وقف إطلاق النار في يونيو الماضي، قبل أن تعيد نتائج الانتخابات الأمريكية الأخيرة طرح احتمال تسريع المسار الدبلوماسي.

وتعرض الحزب الجمهوري لخسارة كبيرة في انتخابات منتصف الولاية، التي جرت الثلاثاء الماضي، في ظل استياء الناخبين من تداعيات الحرب على إيران وارتفاع أسعار الطاقة والتضخم، ما عزز تقديرات الأسواق بشأن احتمال سعي البيت الأبيض إلى إنهاء المواجهة العسكرية.

وكان ترامب قد أقر بأن الحرب أسهمت في الخسارة الانتخابية لحزبه، بينما اعتبر نائبه جي دي فانس أن النزاع كان السبب المباشر وراء الهزيمة، في تصريحات زادت اهتمام المتعاملين باحتمال حدوث تغيير في السياسة الأمريكية تجاه طهران.

وقالت ريبيكا بابين، كبيرة متداولي الطاقة لدى مجموعة “سي آي بي سي برايفت ويلث”، إن الأسواق تمر بمرحلة انتظار وترقب، بعدما تعافت الأسعار من أدنى مستوياتها خلال الأسبوع، لكنها تفتقر إلى مؤشرات كافية لتحديد اتجاه مستقر.

وأضافت أن التدفق المتواصل للأخبار المتعلقة بالمفاوضات لم يترافق حتى الآن مع أدلة ملموسة على إحراز تقدم دبلوماسي حاسم، وهو ما يفسر استمرار التقلبات في الأسعار رغم تنامي الآمال بشأن التهدئة.

وبلغ نطاق تحركات أسعار النفط منذ بداية الأسبوع نحو 19 دولارا للبرميل، في انعكاس لحساسية السوق تجاه التطورات السياسية والعسكرية، بعد أشهر من ارتفاع الأسعار بفعل المخاوف المتعلقة بإمدادات الشرق الأوسط.

عودة إمدادات الخليج تعزز ضغوط البيع

وساهم تحسن تدفقات النفط الخام من منطقة الخليج في زيادة الضغوط على الأسعار، بعدما بدأت السعودية والإمارات استعادة مستويات التصدير التي كانت تسجلها قبل اندلاع الحرب، رغم استمرار الهجمات على السفن العابرة لمضيق هرمز.

وأظهرت تطورات السوق الفورية تراجع أسعار خامات النفط في مناطق إنتاج متعددة، من الشرق الأوسط إلى بحر الشمال وغرب إفريقيا، مع تحول بعض العلاوات السعرية إلى خصومات نتيجة ارتفاع المعروض وتجدد المنافسة بين المنتجين على حصصهم السوقية.

وفي هذا السياق، خفضت السعودية أسعار النفط الموجه إلى المشترين الآسيويين إلى أدنى مستوياتها خلال ست سنوات، في مؤشر إلى اشتداد المنافسة على الأسواق بعد تحسن الإمدادات.

وتواصل إدارة ترامب البحث عن وسائل لخفض أسعار الطاقة، إذ كشفت بلومبرغ أن متعاملين في تجارة النفط يسعون للحصول على موافقة السلطات الأمريكية لإعادة استخدام ناقلات سبق أن فرضت عليها عقوبات بسبب مشاركتها في نقل شحنات نفطية غير مشروعة.

وتكتسب هذه التحركات أهمية في ظل القيود التي ما تزال تواجه النقل البحري، خصوصا في مضيق هرمز، الذي يشكل ممرا أساسيا لصادرات الطاقة من منطقة الخليج.

وتطالب إيران، قبل إعادة فتح المضيق بصورة كاملة، برفع الحصار البحري الأمريكي وتخفيف العقوبات والإفراج عن أصولها المجمدة، وهي ملفات تندرج ضمن القضايا المطروحة في الاتصالات الرامية إلى إنهاء الحرب.

ورغم التحسن المسجل في صادرات النفط الخام، لا تزال صادرات المنتجات النفطية المكررة من الخليج تواجه اضطرابات أكبر، بالتزامن مع تصاعد الهجمات الأوكرانية على المصافي الروسية، وهو ما ساهم في استمرار الضغوط الصعودية على أسعار بعض المشتقات.

كما تجددت المخاوف بشأن سلامة الملاحة البحرية بعد إعلان شركة يونانية لإدارة السفن، الجمعة، مقتل بحار إثر انفجار وقع الخميس على متن ناقلة لمنتجات نفطية في الخليج، وسط ترجيحات بأن يكون ناجما عن هجوم صاروخي.

الأسواق المالية تترقب تطورات الحرب

وتزامنت تقلبات النفط مع تراجع الأسهم الأوروبية وارتفاع قيمة الدولار الأمريكي، في وقت اتجه فيه المستثمرون إلى تقليص انكشافهم على الأصول المحفوفة بالمخاطر.

وقال ساشا فوس، محلل الطاقة لدى مجموعة “ماريكس”، إن انخفاض أسهم شركات التكنولوجيا أثر سلبا على العقود الآجلة للنفط، بعدما عمد مستثمرون إلى بيع بعض مراكزهم في أسواق السلع لتغطية التزامات مالية أخرى.

وكان خام برنت قد بلغ أعلى مستوياته خلال ستة أشهر في أكتوبر الماضي، مع تصاعد التهديدات الأمريكية بتوجيه ضربات جديدة لإيران، غير أن الإدارة الأمريكية أبدت خلال الأيام الأخيرة قدرا أكبر من ضبط النفس، بالتزامن مع انتقال السيطرة على مجلسي الكونغرس إلى الديمقراطيين.

ويترقب المستثمرون مدى تأثير الأغلبية الديمقراطية الجديدة في قدرة الإدارة الأمريكية على مواصلة العمليات العسكرية، إلى جانب تطورات المفاوضات المتعلقة بالبرنامج النووي الإيراني والعقوبات الاقتصادية وأمن الملاحة البحرية.

وفي الولايات المتحدة، ساهم ارتفاع تكاليف الطاقة خلال الأشهر الماضية في تعزيز المخاوف المرتبطة بالتضخم، بينما يتوقع المستثمرون أن يرفع مجلس الاحتياطي الفيدرالي أسعار الفائدة خلال اجتماعه المقبل في دجنبر.

وأظهرت بيانات مكتب إحصاءات العمل الأمريكي، الصادرة الجمعة، تسارع نمو الوظائف خلال أكتوبر الماضي، مع انخفاض طفيف في معدل البطالة، وهو ما يعكس استمرار قوة سوق العمل رغم الضغوط التي خلفتها الحرب وارتفاع تكاليف الطاقة.

وتتجه أنظار المتعاملين في أسواق النفط إلى نتائج الاتصالات بين واشنطن وطهران، بعدما أصبحت احتمالات التهدئة وعودة الإمدادات إلى مستوياتها السابقة من أبرز العوامل المؤثرة في الأسعار، مقابل استمرار المخاطر المرتبطة بمضيق هرمز والهجمات على المنشآت والسفن النفطية.