القصر
العالم العربي

المغرب يوازن بين مكاسب الوحدة الترابية واتفاقيات التعاون مع روسيا

محرر العالم العربي 2 4 دقائق قراءة

وضع الفيتو الروسي ضد مشروع القرار الأمريكي حول الصحراء في مجلس الأمن الدولي المغرب أمام أسئلة دقيقة حول الكيفية التي سيدبر بها علاقاته مع موسكو، التي تربطه بها اتفاقية شراكة متينة وعدد من اتفاقيات التعاون، دون فتح جبهة عداء معها، مع مواصلة تحصين مكاسبه الدبلوماسية والحفاظ على سياسته الخارجية التي يحاول من خلالها النأي بالنفس عن سياسة المحاور والاصطفافات الدولية، لتجنب تحويل مصالحه إلى ورقة ضغط في صراعات الأقطاب المتنافسة.

وتتقاطع قراءات مهتمين بالشؤون السياسية والعلاقات الدولية حول كون الموقف الروسي الأخير لم ينبع بالضرورة من عداء مباشر للرباط، ولا يعبر عن قطيعة بنيوية معها أو تهديد لمصالحها الاستراتيجية، بل جاء استجابة لحسابات تكتيكية مدفوعة بإلحاح من الجزائر، التي تربطها بروسيا مصالح مشتركة.

وأجمعت القراءات على أن روسيا تحركت وفق منطق البراغماتية والتدافع الجيوسياسي، ما يجعل الرهان الحقيقي للرباط قائما على مواصلة نسج التفاهمات الدبلوماسية الرصينة مع القوى الدائمة العضوية، دون السقوط في فخ الانفعال السياسي.

اعتراض على أمريكا

عبد الله أبو عوض، أستاذ العلوم السياسية بجامعة عبد المالك السعدي، يرى أن الرباط لن تتعامل على الأرجح مع الفيتو الروسي بوصفه «قطيعة مع موسكو»، لكنها لن تتوقع أيضا أن تغيّر روسيا موقفها سريعا لمصلحة الطرح المغربي.

وأضاف أبو عوض، في حديث مع هسبريس، أن ما يمكن السعي إليه في المدى القريب هو «احتواء الخلاف، وتفادي تكرار الفيتو، ثم محاولة دفع موسكو إلى موقف أقل تعطيلا، مثل الامتناع عن التصويت أو قبول صياغة توافقية».

وتابع الأكاديمي ذاته موضحا أن الفيتو الروسي هو اعتراض على «مضمون المشروع الأمريكي وطريقة صياغته، وليس إعلانا عن خصومة روسية مع الرباط، التي من المرجح أن تحافظ على قنوات التعاون مع موسكو في التجارة والطاقة والأسمدة والزراعة والتنسيق الدولي، مع توضيح أن هذا التعاون لا يعني قبولها بموقف روسيا في ملف الصحراء المغربية».

وزاد أبو عوض مبينا أن موسكو من الصعب أن تتراجع قريبا عن تأكيدها العلني على تقرير المصير، أو أن تصوت لصالح نص يقدم السيادة المغربية باعتبارها محسومة؛ «لكن الرباط قد تحاول إقناعها بأن الحكم الذاتي يمكن أن يكون أساسا عمليا للتفاوض، لا نتيجة يفرضها مجلس الأمن مسبقا؛ وقد تسعى إلى نصوص تحفظ لغة التسوية المتوافق عليها وتقرير المصير، مع إبراز خطة الحكم الذاتي، وتجنب الإيحاء بأن المجلس حسم السيادة أو أغلق الملف من طرف واحد».

وأوضح المتحدث ذاته أن المغرب قد يربط استمرار الشراكة الاقتصادية والسياسية بحوار «صريح حول مواقف البلدين، لا بتهديد العلاقة أو معاقبة موسكو. فالتصعيد العلني قد يدفع روسيا إلى التشدد، بينما يمنحها الحفاظ على القنوات الثنائية فرصة لتعديل موقفها تدريجيا، ولو اقتصر ذلك على قبول تسوية إجرائية أو عدم تعطيل قرار توافقي».

وتوقع المتحدث ذاته «استمرار العلاقات المغربية الروسية بالتوازي مع بقاء الخلاف حول الصحراء المغربية قائما»، مرجحا أن تنجح الرباط في الحد من «حدة الاعتراض الروسي أو تفادي فيتو جديد إذا جرى التفاوض على ما هو مرضٍ للطرفين. أما تحول موسكو إلى تأييد صريح للسيادة المغربية أو تبني الحكم الذاتي وحده، فيحتاج إلى حوار هادئ بين البلدين».

تدخلات جزائرية

اعتبر خالد الشيات، أستاذ العلاقات الدولية بجامعة محمد الأول بوجدة، أن الموقف الروسي ضد مشروع القرار الأمريكي حول الصحراء المغربية يبقى «موقفا استثنائيا في تاريخ تعاطي موسكو مع القرارات المتعلقة بالوضع في الصحراء»، مبرزا أن مشروع القرار الذي تقدمت به واشنطن كان هو الآخر «استثنائيا بكل المقاييس، إذ تقوم مقاربته على أساس يعني بناء منظومة واحدة في إطار الحكم الذاتي، بعيدا عن أي تشويش أو منطقة رمادية يمكن استغلالها من أجل الدخول في تعويم الأزمة وتمطيطها».

وفي تفكيكه لمحددات الموقف الروسي، سجل الشيات، في حديث مع هسبريس، أن الأقرب إلى الصواب في تفسير هذا الموقف هو أنه «مدفوع من الجزائر التي ترى في صدور قرار بهذه الصيغة الأمريكية وإنهاء المشكل بطريقة شاملة في غضون سنة تقريبا أو سنتين على أقصى تقدير، ضربا لكل المقومات التي قامت عليها في إطار هذه الإشكالية، والتي بنت عليها أيضا مسألة وجودية مرتبطة بوجودها كنظام سياسي، بل أكثر من ذلك، وجودها كدولة».

وسجل الشيات أن الجزائر رمت بكل ثقلها على روسيا من أجل التوصل إلى توقيف «مشروع القرار الأمريكي، أي أن الفيتو الروسي كان ذا طبيعة سياسية محضة، بهدف خدمة أجندة دولة أخرى تعتبرها حليفة وتربطهما مصالح معينة، خاصة على المستوى العسكري».

وحول طبيعة رد الفعل المغربي المتوقع إزاء هذا التطور، ذكر الشيات أنه في العلاقات الدولية، هذه الأمور «مقبولة في إطار التدافع بين القوى، والجزائر يمكن أن تكون قد قدمت الكثير من القرابين لروسيا من أجل هذا الموقف، وبالتالي فإن الخصم الحقيقي للمغرب هنا ليست روسيا الاتحادية، بل الجزائر».

وشدد الخبير عينه على أهمية إيجاد بدائل على المستوى الدبلوماسي بالنسبة للمغرب للتعامل مع المواقف الروسية، بدل الانجرار إلى استعمال أدوات تصعيدية ضد روسيا التي صوتت لصالح مواقف حليفتها الجزائر، وعلى الأرجح مقابل امتيازات وصفقات، وأمام هذا المعطى «يجب على الرباط ألا تقف في مواجهة أحادية ضد موسكو، بل يجب أن تعبر عن عدم رضاها بطبيعة الحال، مع الاستمرار في النهج الذي يمكن من خلاله تحقيق التوازن على المستوى الدولي».

اقرأ النسخة الكاملة