اعتبر السفير السابق في مدريد، عبد العزيز رحابي، أن استخدام روسيا حق النقض (الفيتو) في مجلس الأمن الدولي، بعد امتناعها عن التصويت خلال السنوات الثماني الماضية، يعكس حدود صبر موسكو إزاء استمرار الانفرادية الأمريكية، ويكشف عن انزعاجها من محاولات واشنطن فرض إرادتها بالقوة وتحويل دور "حامل القلم" إلى مجرد امتياز من دون تحمل المسؤولية المترتبة عليه.

وأوضح رحابي أن مسؤولية إعداد مشاريع القرارات الأممية تقتضي كسب ثقة الأطراف المعنية، وفي مقدمتها جبهة البوليساريو والدولتان الجارتان المراقبتان، الجزائر وموريتانيا، وهو ما أشار إليه، كما قال، السفير عمار بن جامع.

وأضاف أن روسيا، التي تمتلك تاريخا طويلا في دعم حركات التحرر ومناهضة الاستعمار في إفريقيا، تنطلق في هذه القضايا من رؤية استراتيجية تتجاوز الحسابات الضيقة داخل مجلس الأمن، مذكرا بأن مكانتها كعضو دائم في المجلس ترتبط أيضا بالتضحيات البشرية الهائلة التي قدمتها خلال الحرب العالمية الثانية، والتي أسهمت في تحرير أوروبا الوسطى وتسريع انهيار النازية.

وفي هذا السياق، يرى رحابي أن العقيدة الدبلوماسية للدول تستمد قوتها من تاريخها وتجاربها، وليس فقط من مصالحها المادية الراهنة، منتقدا ما وصفه بمحاولة إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب فرض مقاربة مماثلة في الصحراء الغربية، بعد تجربتها في قطاع غزة.

وفي قراءته لمضامين مشاريع القرارات الغربية، حدد رحابي ثلاثة مطالب أساسية، تتمثل أولا في جعل مقترح الحكم الذاتي المغربي الأساس الوحيد للتفاوض، وثانيا في حذف الحرف "R"، الذي يشير إلى الاستفتاء، من التسمية المختصرة لبعثة الأمم المتحدة للاستفتاء في الصحراء الغربية "المينورسو"، وثالثا في التعامل مع الصحراويين باعتبارهم لاجئين يتعيّن إيواؤهم بدلا من الاعتراف بهم كشعب له حق تقرير المصير.

واعتبر المتحدث أن التوجه الأمريكي والفرنسي، يرمي إلى تحويل مجلس الأمن إلى هيئة لإضفاء الصفة القانونية الدولية على اعتبار الصحراء الغربية جزء لا يتجزأ من المغرب، بما يتيح إخراج هذا التوجه من عزلته وتكريس منطقة نفوذ غربية تمتد من الحدود الليبية النيجرية إلى الساحل الأطلسي للصحراء الغربية.

وربط رحابي بين هذه التطورات والتحولات الأمنية في المنطقة، معتبرا أن إطار التعاون العسكري الجديد بين الجزائر والنيجر يمكن قراءته باعتباره إجراء وقائيا أوليا في مواجهة استراتيجية يرى أنها تشكل تهديدا مباشرا للامتداد البشري والعمق الاستراتيجي للجزائر.

وفي السياق ذاته، طرح رحابي قراءة لدور القوى الإقليمية والدولية في رسم ملامح الترتيبات المستقبلية بالمنطقة، حيث اعتبر أن الولايات المتحدة تستخدم مجلس الأمن أداة لتمرير توجهاتها، بينما تتولى إسرائيل رسم البنية الأمنية المستقبلية للمنطقة، وتضطلع الإمارات العربية المتحدة بتمويل هذا المسار، حسب تقديره.

أما بخصوص الموقف الصيني، فرأى رحابي أن امتناع بكين عن التصويت، مع تأكيدها مبدأ تقرير المصير والتنبيه إلى اختلال التوازن في النص الأمريكي، ينسجم مع نهجها الدبلوماسي ويعكس حرصها على عدم الظهور بمظهر القوة الاقتصادية الكبرى التي تفتقر إلى رؤية استراتيجية في إفريقيا. ولم يستبعد أن تكون الصين قد تعرضت لضغوط من حلفاء المغرب العرب، لكنه شدد على أنها تظل، من حيث المبدأ، دولة ملتزمة بقضايا تحرر الشعوب.

وأبدى رحابي أسفه لما اعتبره محدودية اهتمام دول مجموعة "بريكس" بهذه القيم، رغم ما يجمعها من تاريخ وتجارب مرتبطة بمناهضة الاستعمار والتحرر، مشيرا إلى أن تركيزها على المصالح التجارية والاقتصادية يعطي انطباعا بأن مفهوم "الجنوب" لا يعكس دائما وحدة المواقف بشأن القضايا الدولية الكبرى.

وبخصوص المواقف الأوروبية داخل مجلس الأمن، انتقد رحابي تصويت فرنسا وبريطانيا واليونان والدنمارك ولاتفيا، معتبرا أنه لا ينسجم مع الخطاب الذي تتبناه هذه الدول، وأنها واصلت تقليد الانحياز إلى الموقف الأمريكي عند حضور روسيا واعتراضها على مشاريع القرارات المطروحة.

وحمّل رحابي هذه الدول مسؤولية التداعيات المترتبة على الوضع الجديد لبعثة المينورسو، محذرا من انعكاسات ذلك على الأراضي الصحراوية المحتلة، ومعتبرا أن عدم تجديد ولاية البعثة في الظروف التي شهدها مجلس الأمن، لا يمثل تقدما في مسار تصفية الاستعمار، بل يعكس، على العكس من ذلك، إخفاق المجلس في أداء المهام المرتبطة بحفظ السلام التي أوكلت إليه.

وشدد السفير السابق على أنه لا يمكن اختزال بعثة الأمم المتحدة للاستفتاء في الصحراء الغربية "المينورسو" في هيئة مؤقتة، أو اعتبارها مجرد آلية للإشراف على نقل السيادة من الشعب الصحراوي إلى القوة المحتلة، مؤكدا أن البعثة لا ينبغي أن تغادر الصحراء الغربية أو أن يتم إخراجها منها من قبل المغرب، الذي ينفي رحابي امتلاكه أي سيادة على الإقليم.

كما دعا إلى استمرار البعثة في أداء مهامها، لا سيما الإشراف على احترام اتفاق وقف إطلاق النار لعام 1991 وحماية المدنيين الصحراويين.

وختم رحابي قراءته بالإشارة إلى احتمال انتقال النقاش بشأن القضية الصحراوية إلى الجمعية العامة للأمم المتحدة، استنادا إلى الممارسة الأممية التي تتيح مناقشة القضايا التي يستخدم بشأنها حق النقض في مجلس الأمن، حيث تتساوى الدول الأعضاء، معتبرا أن ذلك من شأنه أن يمنح القضية بعدا أوسع ويعيد إبراز تمسك المجتمع الدولي بمبادئ السلام والعدالة وتقرير المصير.