القصر
العالم العربي

الفيتو الروسي على المشروع الأمريكي… الصحراء الغربية خارج سيناريو الإغلاق

محرر العالم العربي 3 7 دقائق قراءة

أعاد تعثر مجلس الأمن الدولي في التوصل إلى قرار جديد بشأن الصحراء الغربية فتح النقاش حول مستقبل بعثة الأمم المتحدة للاستفتاء في الإقليم «المينورسو»، بعدما أخفقت الولايات المتحدة الأمريكية في تمرير مشروعها المتعلق بالنزاع، وسط استمرار الخلاف بشأن الأسس التي ينبغي أن تقوم عليها التسوية السياسية، والمرجعية الأممية التي يفترض أن تؤطر الحل.

بينما تحاول الرباط تقديم التطورات الأخيرة باعتبارها تحولا يفتح الباب أمام إنهاء المتابعة الدولية للقضية الصحراوية، فإن مصير المينورسو لا يزال غير محسوم، في ظل عدم التوصل إلى اتفاق بشأن الخطوة المقبلة. وتبقى عدة احتمالات مطروحة، من بينها استئناف المداولات وعقد جلسة جديدة خلال الأيام المقبلة لبحث صيغة مختلفة، أو اللجوء إلى تمديد تقني لولاية البعثة تقرره الأمم المتحدة، أو عدم التمديد، بما يطرح عندها إشكالية استمرار وجودها دون غطاء قانوني. وقد تمتد المداولات أسبوعا أو أسبوعين إضافيين قبل اتضاح الموقف النهائي، ما يجعل الحديث عن إغلاق الملف أو حسم مستقبل البعثة سابقا لأوانه.

وفي أولى المواقف التي أعقبت هذه التطورات، انتقدت مستشارة الرئيس الصحراوي، النانة لبات الرشيد، محاولة المغرب تقديم ما جرى في مجلس الأمن باعتباره نهاية للمتابعة الدولية للقضية، مستغربة أن يتعامل الاحتلال المغربي مع مداولات المجلس وكأنه الطرف الذي كان ينظمها ويتحكم فيها، رغم أن القضية الصحراوية مدوّلة منذ خمسة عقود، وأن مجلس الأمن أصدر قراره قبل أكثر من ثلاثة عقود بتنظيم استفتاء تقرير المصير للشعب الصحراوي.

وقالت لبات الرشيد: «وكأن الاحتلال المغربي هو من كان ينظم مداولات مجلس الأمن حول الصحراء الغربية! القضية الصحراوية مدوّلة منذ خمسة عقود، ومجلس الأمن أصدر قراره قبل أكثر من ثلاثة عقود بتنظيم استفتاء تقرير المصير للشعب الصحراوي».

وأضافت أن فشل الولايات المتحدة الأمريكية في تمرير مخطط الاحتلال المغربي لم يمنع الملك المغربي من الخروج للقول إن مجلس الأمن رفع يده عن الصحراء الغربية، في محاولة لتقديم التطورات الأخيرة باعتبارها نهاية للمتابعة الأممية، قبل أن ترد بعبارة حاسمة: «رفعت الحماية عن الاحتلال المغربي فقط».

ويضع هذا التصريح مسألة تعثر المساعي الأمريكية في مجلس الأمن في سياقها السياسي، بعيدا عن القراءة التي تحاول الرباط تسويقها، باعتبار أن عدم اعتماد مشروع قرار لا يعني انتقال السيادة على الإقليم إلى المغرب، ولا يشكل حكماً نهائياً على النزاع، الذي ظل مدرجاً ضمن أجندة الأمم المتحدة منذ عقود، ويرتبط أساساً بحق الشعب الصحراوي في تقرير المصير.

عدم تجديد المينورسو لا ينهي مسار تصفية الاستعمار

ومن الناحية القانونية، قدم السفير السابق عمار بلاني قراءة مفصلة للتداعيات المحتملة لعدم تجديد ولاية المينورسو، مؤكدا أن هذه الخطوة، حتى في حال اتخاذها، لا تعني إغلاق ملف الصحراء الغربية داخل الأمم المتحدة، ولا إنهاء مسار تصفية الاستعمار، باعتبار أن الوضع القانوني للإقليم واختصاصات الهيئات الأممية لا يرتبطان حصرا باستمرار وجود البعثة.

وفي تحليل حمل عنوان «الصحراء الغربية: عدم تجديد ولاية بعثة المينورسو لا يعني إغلاق الملف في الأمم المتحدة ولا إنهاء مسار تصفية الاستعمار»، توقف بلاني عند بلاغ الديوان الملكي المغربي الصادر في 30 أكتوبر، معتبراً أنه يعكس إرادة الرباط لإنهاء الإطار الأممي الذي ظل يؤطر النزاع، وأن المغرب يحاول توظيف عدم تجديد ولاية البعثة باعتباره مقدمة لسحب الوجود الدولي من الإقليم، وإنهاء النظر الدوري في القضية داخل مجلس الأمن، بما يشمل تقارير الأمين العام للأمم المتحدة وإحاطات مبعوثه الشخصي.

وأوضح الدبلوماسي أن موقف المغرب من المينورسو يعود إلى طبيعة المهمة التي أنشئت من أجلها سنة 1991، إذ ينظر إليها باعتبارها قيداً على محاولات فرض الأمر الواقع، خصوصاً أن اسمها يرتبط صراحة بالاستفتاء، وهو ما يعكس أن الوضع النهائي للإقليم لم يحسم، وأن المهمة الأممية ظلت مرتبطة بالبحث عن تسوية تضمن ممارسة الشعب الصحراوي حقه في تقرير المصير.

وفي تفنيده للقراءة المغربية، استند بلاني إلى الفقرة السادسة من قرار مجلس الأمن رقم 2797 لسنة 2025، التي تنص صراحة على احتفاظ المجلس بنظر قضية الصحراء الغربية، موضحاً أن عدم تجديد ولاية المينورسو لا يعني انتهاء اختصاص مجلس الأمن، ولا يلغي صلاحياته المستمدة من ميثاق الأمم المتحدة، ولاسيما المادتين 24 و34، فضلاً عن القواعد الإجرائية للمجلس، وهي القواعد 7 و10 و11.

وبحسب هذا التحليل، فإن إخفاق مجلس الأمن في اعتماد مشروعي القرار خلال جلسة 30 أكتوبر لا يمكن تفسيره باعتباره إغلاقاً للملف أو إقراراً بالموقف المغربي، لأن عدم التوصل إلى توافق بشأن مشروع قرار لا يعني حسم النزاع، ولا يمنح أي طرف سنداً قانونياً لتغيير الوضع القائم. كما أن تعثر المساعي الأمريكية يعكس استمرار الخلاف بشأن أسس التسوية السياسية وشروطها، وليس انتهاء الحاجة إلى معالجة القضية ضمن الإطار الأممي.

ولا يتوقف استمرار الطابع الدولي للقضية، وفق بلاني، عند مجلس الأمن وحده، إذ تظل الصحراء الغربية مدرجة منذ سنة 1963 ضمن قائمة الأقاليم غير المتمتعة بالحكم الذاتي، التي تتابعها الجمعية العامة للأمم المتحدة ولجنة الأربعة والعشرين المعنية بتصفية الاستعمار، في مسار مستقل عن ولاية المينورسو والقرارات المتعلقة بتمديدها.

وتكتسي هذه النقطة أهمية قانونية خاصة، بالنظر إلى أن إدراج الإقليم ضمن القائمة يستند إلى الفصل الحادي عشر من ميثاق الأمم المتحدة والقرار 1514 المتعلق بمنح الاستقلال للبلدان والشعوب المستعمرة، بما يفرض أن تكون عملية تصفية الاستعمار قائمة على تمكين الإقليم من بلوغ الحكم الذاتي الكامل وفق الإرادة الحرة لسكانه.

حديث القصر فارغ

وإلى جانب الأبعاد القانونية والسياسية، حذر بلاني من التداعيات الميدانية المحتملة لإنهاء مهمة المينورسو دون توفير آلية بديلة، خاصة أن البعثة تضطلع بمهام تتصل بمراقبة الوضع العسكري والتحقق من الحوادث ومتابعة التطورات الميدانية، والمساهمة في منع الحوادث واحتواء التصعيد.

كما نبه بلاني إلى أن تداعيات انسحاب البعثة دون بديل لا تقتصر على الإقليم وحده، بل قد تمتد إلى المحيط الإقليمي، بما في ذلك احتمال انتقال التصعيد إلى الحدود الجزائرية، مؤكدا أن انتهاء مهمة المينورسو لا يمكن أن يفهم باعتباره ترخيصا لأي طرف بتغيير الوضع العسكري من جانب واحد.

ويخلص بلاني إلى أن بلاغ الديوان الملكي المغربي، مهما كانت دلالاته السياسية، لا يرتب أثرا قانونيا على اختصاص مجلس الأمن أو الجمعية العامة أو لجنة الأربعة والعشرين، ولا يغير الوضع القانوني للإقليم، مشددا على أن انتهاء ولاية البعثة، إن تقرر، لا يعني انتهاء مسار تصفية الاستعمار، ولا إغلاق ملف الصحراء الغربية داخل الأمم المتحدة.

مغربي ينتقد تسويق الرباط للتعثر الدبلوماسي باعتباره انتصارا

ومن داخل المغرب، وجه الناشط محمد قنديل انتقادات للخطاب الرسمي الذي أعقب تطورات مجلس الأمن، واصفا ما سماه «إفلاس المخزن… وبهلوانية الانتصار» بمحاولة لتحويل تعثر دبلوماسي إلى مناسبة للاحتفال السياسي، وتقديم نتائج المداولات باعتبارها مكسبا للمغرب، رغم أن القضية الصحراوية لم تحسم، وأن حق الشعب الصحراوي في تقرير المصير لا يسقط بفعل تعثر مشروع قرار أو انتهاء ولاية بعثة أممية.

واعتبر قنديل أن بلاغ الديوان الملكي يعكس، بحسب تقديره، ارتباكاً سياسياً ومحاولة لإخفاء إخفاق الرهانات التي بنيت على تمرير مشروع أمريكي يتجاوز مسألة الاستفتاء ويكرس الأمر الواقع، مشيراً إلى أن تسويق التطورات باعتبارها انتصاراً لا يغير حقيقة أن مجلس الأمن لم يمنح المغرب ما كان يسعى إليه من غطاء دولي لمزاعمه بشأن الصحراء الغربية.

وذهب الناشط المغربي إلى ربط طريقة إدارة ملف الصحراء الغربية بالأوضاع الداخلية في المغرب، منتقداً توظيف القضية في الخطاب الرسمي لتعبئة المغاربة وصرف انتباههم عن الأزمات الاجتماعية والاقتصادية، وفي مقدمتها الفقر والبطالة وتراجع القدرة الشرائية، إلى جانب ما وصفه بالاستبداد والقمع ونهب الثروات.

وفي هذا السياق، اعتبر قنديل أن تحويل قضية الصحراء الغربية إلى محور دائم للتعبئة السياسية يخدم، وفق طرحه، مصالح السلطة في مواجهة الانتقادات الداخلية، بينما تتواصل التحديات المرتبطة بالوضع المعيشي للمواطنين، وهو ما يجعل الاحتفاء بالتعثر الدبلوماسي، في نظره، محاولة لتقديم انتصار سياسي لا ينعكس على واقع المغاربة.

كما خصص حيزا من انتقاداته للتحالفات الخارجية التي تعتمد عليها الرباط، مركزاً على التطبيع مع إسرائيل والتعاون الأمني والعسكري معها، وما اعتبره اختراقاً للمؤسسات المغربية، إلى جانب الدور الإماراتي الذي وصفه بأنه رافعة مالية وسياسية وعسكرية لمحاور تتقاطع مع المشروع الإسرائيلي في المنطقة.

وأكد الناشط المغربي أن تعثر مجلس الأمن أو احتمال انتهاء ولاية المينورسو لا يعنيان نهاية القضية الصحراوية، ولا يمنحان المغرب حق التصرف في مستقبل الإقليم، داعيا إلى حل عادل يستند إلى حق الشعب الصحراوي في تقرير المصير، بعيداً عن محاولات فرض الأمر الواقع أو تقديم التطورات الدبلوماسية باعتبارها حسمت نزاعاً ما زال قائماً.

اقرأ النسخة الكاملة