القصر
العالم العربي

ألفريد موسى... بدخان سيجاره رسم ملامح المرأة وحرّر الصورة من حدودها الفوتوغرافية

محرر العالم العربي 2 3 دقائق قراءة

نبيل إسماعيل

لا حدود ثابتة للتصوير الفوتوغرافي. فهذا الفن، الذي ارتبط طويلاً بتوثيق الواقع والتقاط اللحظة، يواصل اكتشاف إمكانات جديدة للصورة، ويمنح المصوّر مساحة أوسع للتجريب والابتكار. وقد تتحوّل أبسط العناصر وأكثرها عابريّة إلى مادة فنية تفتح أمام العين احتمالات لم تكن تتوقّعها.

من هذه المساحة، اختار المصوّر المخضرم ألفريد موسى أن يأخذ الصورة الفوتوغرافية إلى تجربة مختلفة، حيث تتحوّل خيوط دخان سيجاره إلى خطوط وأشكال تستحضر جسد المرأة، من دون أن ترسم ملامحه بصورة مباشرة.

حين يصبح الدخان جسداً

في مجموعته الفوتوغرافية "نساء متّقدات" (Femmes en Flamme)، لا يبدو الزميل موسى معنيّاً بتقديم المرأة في صورتها الجسدية المألوفة، إذ يسعى إلى استحضار جمالها عبر التكوين والتجريد. فقد تعامل مع انحناءات الدخان وتداخلاته، مستعيناً بالمعالجة الرقمية، ليمنح تلك الخطوط أشكالاً تقترب أحياناً من الجسد الأنثوي، وتبتعد عنه أحياناً أخرى نحو تكوينات هندسية وتجريدية.

زائرة تتأمّل إحدى لوحات ألفريد موسى، حيث ترسم خيوط الدخان المتداخلة انحناءات توحي بالجسد الأنثوي. (تصوير نبيل إسماعيل)

يتحوّل الدخان، بطبيعته المتحرّكة والزائلة، إلى عنصر أساسي في بناء الصورة. وما يتشكّل للحظة في الهواء، يمنحه موسى حياة أخرى داخل العمل الفوتوغرافي، حيث تتداخل الخطوط الشفافة مع الضوء والظل، وتظهر أشكال يصعب حصرها في قراءة واحدة.

صورة تترك للمخيّلة أن تكملها

أمام هذه الأعمال، وجدتُ أن الفنان لا يقدّم صورة مكتملة بقدر ما يدعو المشاهد إلى المشاركة في تشكيلها بخياله. فكل انحناءة قد توحي بجسد، وكل التفافة قد تتحوّل إلى حركة، فيما تترك المساحات البيضاء للعين حرية البحث عمّا تخبّئه تلك الخطوط الشفافة.

وأرى أن خصوصية تجربة ألفريد موسى تكمن في قدرته على انتزاع الصورة من ارتباطها التقليدي بالزمان والمكان. فهو يتخلّى عن كثير من عناصرها الواقعية، محتفظاً بالخط والضوء والظل والحركة. هكذا، يتحوّل جسد المرأة إلى إيحاء بصري تتشكّل ملامحه من انحناءات الدخان، ويصبح ما يتخيّله المشاهد جزءاً من العمل نفسه.

ويضمّ معرض "نساء متّقدات" 35 لوحة فوتوغرافية، وقد امتدّت عروض هذه التجربة، وفق المعلومات المتوافرة عن المعرض، إلى سبع دول، من بينها لبنان وفرنسا والإمارات العربية المتحدة وألمانيا، لتصل إلى جمهور متنوّع في ثقافاته وقراءاته للفن البصري.

زائرتان تتأمّلان الأعمال الفوتوغرافية في معرض نساء متّقدات، الذي يستكشف جماليات الدخان وعلاقته بتكوين الجسد. (تصوير نبيل إسماعيل)

من الفن إلى دعم المرضى

تحمل هذه التجربة أيضاً جانباً إنسانياً، إذ ترتبط بحملة لجمع التبرّعات والتوعية بسرطان الثدي، وتُخصّص عائدات بيع الصور لدعم جمعية "سند" (SANAD) اللبنانية، المعنيّة بتوفير الرعاية التلطيفية للمرضى ومساندة عائلاتهم.

وألفريد موسى، الفنان الفوتوغرافي والمحاضر والمدرّب والمستشار، اختار في هذه التجربة أن يجمع خبرته في التصوير بحريّة الخيال، وأن يختبر قدرة الصورة على التعبير بما يتجاوز العناصر الظاهرة فيها.

خرجتُ من مشاهدة أعماله بانطباع أن الدخان لم يكن موضوع الصورة وحده، وإنما وسيلة لرسم ما لا تستطيع الكاميرا التقاطه مباشرة. ففي هذه اللوحات، لا نرى جسد المرأة واضحاً أمامنا؛ نبحث عنه في الخطوط والانحناءات، وقد نجده في صورة تختلف من عين إلى أخرى. ولعلّ أجمل ما في هذه التجربة أن كلّ مشاهد يستطيع أن يرى فيها امرأة مختلفة، رسمتها مخيّلته بنفسه.

اقرأ النسخة الكاملة