القصر
العالم العربي

الضفة الغربية وسياسات الضم الإسرائيلية.. من إدارة الصراع إلى حسمه

محرر العالم العربي 4 15 دقيقة قراءة

لم تعد السياسة الإسرائيلية في الضفة الغربية تقتصر على إدارة الاحتلال والمحافظة على السيطرة الأمنية والعسكرية، وإنما تتجه تدريجيا إلى إعادة تشكيل الواقع السياسي والجغرافي والقانوني، على نحو يجعل استمرار السيطرة الإسرائيلية أمرا يصعب التراجع عنه، حتى في حال تغير الحكومات أو استئناف المفاوضات السياسية.

هذا هو التحول الرئيسي الذي تتناوله دراسة "الضفة الغربية وسياسات الضم الإسرائيلية.. من إدارة الصراع إلى حسمه"، التي أعدتها عبير ياسين، خبيرة ورئيس برنامج الدراسات الفلسطينية والإسرائيلية بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية.

أخبار مقترحة

  • "لباب" في عددها الثاني والثلاثين تناقش تحولات البيئة الإستراتيجية في الخليج والشرق الأوسط
  • حروب روسيا الخفية.. من جبهات أوكرانيا إلى معركة النفوذ في أفريقيا

وتنطلق الدراسة من أن أخطر ما يجري في الضفة الغربية لا يتمثل بالضرورة في إعلان إسرائيلي  بضم الأراضي المحتلة، وإنما في سلسلة من الإجراءات المتراكمة التي تؤدي عمليا إلى نتائج مشابهة، من خلال توسيع المستوطنات، ونقل الصلاحيات الإدارية، وإعادة تنظيم استخدام الأراضي، وتطوير البنية التحتية، وتقييد حركة الفلسطينيين، وإضعاف قدرتهم على البقاء في مناطقهم.

وتشير إلى أن هذه الإجراءات، التي قد يبدو بعضها إداريا أو تنظيميا، تشكل عند النظر إليها بصورة مترابطة مشروعا سياسيا يسعى إلى تغيير شروط الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، بحيث تصبح إمكانية إقامة دولة فلسطينية مستقلة أكثر صعوبة.

وتولي الدراسة اهتماما خاصا بدور وزير المالية الإسرائيلي بتسلئيل سموتريتش، الذي انتقل بمشروعه الأيديولوجي المعروف باسم "خطة الحسم" من مستوى الأفكار والتصورات السياسية إلى مستوى الصلاحيات الحكومية والمؤسسات والقرارات التنفيذية.

وتبحث كذلك في التوسع الاستيطاني، ومشروع "E1" شرق القدس، وعنف المستوطنين، والتغييرات التي طرأت على إدارة الأراضي والتخطيط والبناء، وما تعنيه هذه التطورات بالنسبة إلى مستقبل الضفة الغربية والتسوية السياسية.

وتتمثل الفكرة المركزية للدراسة في أن إسرائيل تتحرك من إدارة صراع مفتوح على احتمالات التسوية إلى محاولة فرض نتيجة سياسية مسبقة، من خلال تحويل السيطرة المؤقتة إلى واقع مؤسسي وجغرافي طويل الأمد.

من إدارة الصراع إلى محاولة حسمه

تبدأ الدراسة بالتمييز بين مفهومين أساسيين في السياسة الإسرائيلية تجاه الأراضي الفلسطينية المحتلة: "إدارة الصراع" و"حسم الصراع".

فإدارة الصراع تعني المحافظة على السيطرة الأمنية والسياسية، واحتواء التوترات، وتنظيم شؤون السكان والأرض، مع إبقاء إمكانية الوصول إلى تسوية سياسية مستقبلية، حتى إن ظلت هذه التسوية مؤجلة لسنوات طويلة.

أما الحسم، فيعني الانتقال من المحافظة على الوضع القائم إلى تغييره بصورة تجعل نتيجة سياسية محددة أكثر رسوخا، وتضيق معها الخيارات الأخرى.

وتوضح الباحثة أن الاحتلال الإسرائيلي للضفة الغربية، الذي بدأ عام 1967، قام من الناحية القانونية على سلطة عسكرية لا تمنح إسرائيل السيادة على الأرض المحتلة، ولا تحول الاحتلال إلى وضع دائم لمجرد استمراره.

ثم جاءت اتفاقيات أوسلو، ولا سيما الاتفاق المرحلي الموقع في سبتمبر 1995، لتعيد تنظيم الصلاحيات الإدارية والأمنية في الضفة الغربية، من خلال تقسيمها إلى المناطق "أ" و"ب" و"ج"، مع إبقاء قضايا الوضع النهائي للتفاوض.

لكن تعثر التسوية السياسية أدى إلى استمرار الترتيبات المؤقتة، وتحولها بمرور الوقت إلى نظام طويل الأمد لإدارة الاحتلال.

وترى الدراسة أن التحول الأكثر أهمية خلال السنوات الأخيرة يتمثل في تغير وظيفة أدوات السيطرة الإسرائيلية.

فالمستوطنات والطرق والتخطيط وإدارة الأراضي ليست أدوات جديدة، لكن استخدامها بصورة مترابطة لتغيير الجغرافيا والمؤسسات والواقع السكاني يمنحها وظيفة مختلفة.

وبدلا من أن تكون وسائل لإدارة وضع مؤقت، تتحول إلى أدوات لإنتاج واقع يصعب تغييره.

وتحدد الباحثة ثلاث وظائف مترابطة للحكم في الأراضي المحتلة: السيطرة على الأمن والأرض والحركة، وإدارة الحياة اليومية والخدمات والتخطيط والتراخيص، ثم إعادة تشكيل الواقع بما يؤثر في شروط أي تفاوض مستقبلي.

والفارق الجوهري أن إدارة الصراع تسعى إلى استمرار السيطرة دون حسم نهائي معلن، بينما يسعى مشروع الحسم إلى جعل استمرار السيطرة الإسرائيلية هو النتيجة الأكثر قابلية للتحقق.

الضم دون إعلان رسمي

تلفت الدراسة إلى أن الضم لا يشترط بالضرورة صدور قرار إسرائيلي رسمي يعلن فرض السيادة على الضفة الغربية.

فقد يتحقق بصورة تدريجية من خلال نقل الصلاحيات، وتوسيع المستوطنات، وتغيير القواعد الإدارية، وإقامة بنية تحتية تربط الأراضي المحتلة بالمؤسسات الإسرائيلية.

وتستخدم الباحثة مفهومَي "الضم الفعلي" و"الضم الزاحف" لتفسير هذه العملية.

فالضم الفعلي يعني ممارسة سلطات تشبه السيادة الدائمة على الأرض، حتى في غياب إعلان قانوني رسمي.

أما الضم الزاحف، فيشير إلى تراكم إجراءات صغيرة ومتتابعة، تؤدي بمرور الوقت إلى تغيير طبيعة السيطرة على الإقليم.

وتستند الدراسة في هذا السياق إلى الرأي الاستشاري الصادر عن محكمة العدل الدولية في 19 يوليو 2024، الذي تناول الآثار القانونية للسياسات والممارسات الإسرائيلية في الأراضي الفلسطينية المحتلة، بما فيها الاستيطان واستغلال الموارد والتدابير الرامية إلى تكريس السيطرة.

وتبرز أهمية هذا الرأي في أنه لا ينظر إلى الاستيطان باعتباره مجرد توسع عمراني، وإنما يتناول علاقته بالطبيعة المؤقتة للاحتلال، وبالإجراءات التي تفضي إلى فرض سيطرة دائمة على الأرض.

ومن هنا، تطرح الدراسة أن التغير الأساسي لا يتعلق فقط بمساحة الأراضي التي تسيطر عليها إسرائيل، وإنما بالطريقة التي تعيد بها تنظيم تلك السيطرة، وتحويلها إلى ترتيبات مؤسسية يصعب تفكيكها.

سموتريتش.. من "خطة الحسم" إلى مؤسسات الدولة

تخصص الدراسة جزءا رئيسيا لدور بتسلئيل سموتريتش، وزير المالية الإسرائيلي، الذي تولى كذلك صلاحيات مدنية واسعة تتعلق بالضفة الغربية داخل وزارة الدفاع.

وتعتبره الباحثة أحد أبرز الفاعلين في الانتقال من إدارة الصراع إلى محاولة حسمه، لأنه يجمع بين تصور أيديولوجي واضح بشأن مستقبل الأراضي الفلسطينية، وبين قدرة حكومية على تحويل هذا التصور إلى إجراءات تنفيذية.

وتعود الدراسة إلى عام 2017، عندما طرح سموتريتش ما عرف باسم "خطة الحسم".

وتقوم الخطة على رفض استمرار التعامل مع الصراع الفلسطيني الإسرائيلي باعتباره نزاعا ينبغي إدارته أو تسويته من خلال التفاوض، والدفع بدلا من ذلك نحو تثبيت السيطرة الإسرائيلية على الأرض، وتوسيع الاستيطان، وتقليص فرص إقامة دولة فلسطينية مستقلة.

لكن أهمية سموتريتش، كما توضح الباحثة، لا تكمن في طرحه هذه الرؤية وحدها، وإنما في انتقاله لاحقا إلى موقع حكومي يسمح له بالمشاركة في تنفيذها.

فمع تشكيل حكومة بنيامين نتنياهو السادسة في ديسمبر 2022، ثم ترتيبات توزيع الصلاحيات في فبراير 2023، حصل سموتريتش على مسؤوليات واسعة تتعلق بالشؤون المدنية في الضفة الغربية.

وشملت هذه المسؤوليات ملفات الأراضي والمستوطنات والتخطيط والبناء والبنية التحتية، إلى جانب إجراءات تنظيم البؤر الاستيطانية.

وترى الدراسة أن هذه الخطوة شكلت تحولا مهما في طريقة إدارة الاحتلال، لأن بعض الصلاحيات التي كانت تمارس داخل الإطار العسكري أصبحت خاضعة لتأثير سياسي مدني متزايد.
نقل الصلاحيات من الجيش إلى الإدارة المدنية
توضح الدراسة أن الاحتلال الإسرائيلي للضفة الغربية ظل مرتبطا، من الناحية المؤسسية، بالإدارة العسكرية.

لكن نقل صلاحيات تتعلق بالأراضي والتخطيط والاستيطان إلى مسؤولين مدنيين داخل وزارة الدفاع أدى إلى تغيير تدريجي في توزيع المسؤوليات.

وتشير إلى إنشاء "إدارة الاستيطان" داخل وزارة الدفاع، بوصفها إطارا يتولى إدارة جوانب متعددة من الملفات المدنية المتعلقة بالمستوطنات.

كما تتناول إنشاء منصب نائب مدني لرئيس الإدارة المدنية، وتعيين هيلل روت في هذا المنصب في مايو 2024.

وقد ارتبطت هذه الخطوة بنقل مجموعة من الصلاحيات المتعلقة بإدارة الأراضي، والتخطيط والبناء، والتراخيص، والرقابة، والنشاط الاقتصادي، وقضايا البيئة والمحميات والآثار.

وفي المقابل، ظلت صلاحيات أخرى، خاصة المرتبطة بالأمن وبعض جوانب إدارة حياة الفلسطينيين، ضمن الإطار العسكري.

وتلفت الباحثة إلى أن أهمية هذه التغييرات لا تتمثل في أسماء المسؤولين أو إعادة توزيع الوظائف وحدها، وإنما في إعادة تنظيم السلطة نفسها.

فحين تصبح القرارات المتعلقة بالمستوطنات والأراضي جزءا من عمل مؤسسات مدنية ذات صلاحيات مستقرة، تزداد قدرة الدولة على مواصلة تنفيذ هذه السياسات بصورة منتظمة.

وتشرح الدراسة العلاقة بين الصلاحية والمؤسسة والقرار التنفيذي.

فالصلاحيات الحكومية تتيح إنشاء مؤسسات، والمؤسسات تصدر قرارات، والقرارات تتحول إلى خطط وميزانيات ومشروعات، ثم تصبح هذه المشروعات واقعا ماديا على الأرض.

وبذلك ينتقل مشروع الحسم من مستوى الخطاب السياسي إلى مستوى البنية الإدارية للدولة.

وتكمن خطورة هذا التحول، وفقا للدراسة، في أن تغيير الحكومة لا يعني بالضرورة إلغاء المؤسسات والإجراءات والوقائع التي نشأت خلال فترة حكمها.

الاستيطان.. إعادة رسم الجغرافيا السياسية

تنتقل الدراسة من التغييرات المؤسسية إلى الأرض، باعتبارها المجال الذي تظهر فيه النتائج العملية للسياسات الإسرائيلية.

وتوضح أن الاستيطان لا يمكن تقييمه بعدد الوحدات السكنية الجديدة أو مساحة المستوطنات وحدهما، وإنما يجب النظر إلى شبكة الطرق والبنية التحتية، وعلاقة المستوطنات بالتجمعات الفلسطينية، ومدى تأثير ذلك في إمكان قيام دولة فلسطينية متصلة جغرافيا.

فالتوسع الاستيطاني، وفق تحليل الباحثة، يعيد تنظيم استخدام الأرض، ويغير القدرة على الوصول إليها، ويؤثر في توزيع السكان وحرية حركتهم.

وتشير الدراسة إلى إعلان إسرائيل في مارس 2024 تصنيف نحو 800 هكتار في غور الأردن باعتبارها "أراضي دولة"، إلى جانب إجراءات مماثلة في مناطق أخرى.

وتوضح أن مثل هذه القرارات لا تقف عند حدود تغيير التصنيف الإداري للأرض، وإنما تفتح المجال أمام استخدامها في مشروعات استيطانية أو بنية تحتية تخضع للتخطيط الإسرائيلي.

ومن ثم، تصبح عملية تخصيص الأرض خطوة في سلسلة أطول من الإجراءات التي تؤدي إلى تغيير طبيعة السيطرة عليها.

من يملك الأرض إلى من يستطيع استخدامها

تطرح الدراسة تمييزا مهما بين الملكية القانونية للأرض والقدرة الفعلية على استخدامها.

فقد يظل الفلسطيني مالكا لأرضه، لكنه يواجه قيودا تمنعه من الوصول إليها أو البناء عليها أو الاستفادة من مواردها.

وقد تتعلق هذه القيود بالطرق، أو تراخيص البناء، أو الوصول إلى المياه، أو مناطق الرعي، أو الإجراءات الأمنية.

وفي المقابل، يؤدي تطوير البنية التحتية المرتبطة بالمستوطنات إلى تسهيل حركة المستوطنين وربط تجمعاتهم بشبكات الطرق والخدمات الإسرائيلية.

وتوضح الباحثة أن هذه العملية تؤثر في الواقع الديموغرافي والجغرافي معا.

فكلما توسعت المستوطنات، وتعزز ارتباطها بالمؤسسات والبنية التحتية الإسرائيلية، أصبحت إعادة الفصل الجغرافي بين الأراضي الفلسطينية والمستوطنات أكثر تعقيدا.

وفي الوقت نفسه، يؤدي تقييد البناء والتنمية الفلسطينية إلى إضعاف قدرة بعض التجمعات على النمو والاستمرار.

وبذلك لا يعود الاستيطان مجرد وجود سكاني إسرائيلي في الأراضي المحتلة، وإنما يصبح جزءا من عملية إعادة تشكيل المجال السياسي الذي ستقوم عليه أي تسوية مستقبلية.

مشروع "E1".. تهديد التواصل الجغرافي للدولة الفلسطينية

تولي الدراسة اهتماما خاصا بمشروع "E1" الاستيطاني، الواقع بين القدس الشرقية ومستوطنة معاليه أدوميم.

وتعتبره مثالا واضحا على العلاقة بين التخطيط العمراني وإعادة تشكيل مستقبل الصراع.

فالمشروع لا تقتصر أهميته على الوحدات السكنية التي يمكن إقامتها، وإنما ترتبط بموقعه الجغرافي وتأثيره المحتمل في الاتصال بين شمال الضفة الغربية وجنوبها والقدس الشرقية.

وتشير الدراسة إلى نشر مناقصة إسرائيلية في 18 أغسطس 2026 لبناء 1234 وحدة سكنية في المنطقة، وما أثاره ذلك من اعتراضات وتحذيرات دولية.

وتوضح أن تطوير المشروع قد يزيد صعوبة الحفاظ على التواصل الجغرافي اللازم لإقامة دولة فلسطينية قابلة للحياة.

وتقدم الباحثة المشروع باعتباره نموذجا للفارق بين الاستيطان بوصفه زيادة في عدد المستوطنين، والاستيطان بوصفه وسيلة لإعادة هندسة المجال السياسي.

فحين تؤدي المشروعات الاستيطانية إلى تغيير شبكات الطرق والاتصال بين المناطق الفلسطينية، فإن آثارها تتجاوز البناء إلى التأثير في شروط أي تسوية مستقبلية.

ولا تذهب الدراسة إلى أن مشروع "E1" يحسم بمفرده مستقبل الدولة الفلسطينية، لكنها ترى أنه يجعل الوصول إلى تسوية أكثر تعقيدا، ويرفع تكلفة التراجع عن الوقائع التي يجري إنشاؤها.

وتربط الباحثة كذلك بين توقيت بعض الإجراءات الاستيطانية والحسابات السياسية الداخلية، بما فيها المرحلة الانتخابية التي تناولتها الدراسة عند إعدادها.

غير أن أهمية المشروع، في التحليل العام، لا تتوقف على ذلك التوقيت، وإنما على ما يمكن أن يترتب عليه من تغييرات جغرافية طويلة الأمد.

عنف المستوطنين.. أداة لتغيير الواقع السكاني

لا تقتصر الدراسة على الإجراءات الحكومية المباشرة، بل تتناول أيضا دور عنف المستوطنين في إعادة تشكيل الواقع الفلسطيني.

وترى الباحثة أن العلاقة بين الاستيطان والعنف والقيود المفروضة على الفلسطينيين تمثل عنصرا أساسيا في فهم سياسات الضم التدريجي.

فالتوسع الاستيطاني لا يعتمد فقط على بناء وحدات سكنية جديدة، وإنما يرتبط كذلك بقدرة الفلسطينيين على البقاء في أراضيهم ومنازلهم، والمحافظة على مصادر رزقهم.

ومن هنا، تصبح الاعتداءات على السكان والممتلكات، وتقييد الحركة، ومنع الوصول إلى الأراضي الزراعية ومناطق الرعي، عوامل تؤثر في استقرار التجمعات الفلسطينية.

وتستند الدراسة إلى بيانات مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية، التي وثقت أكثر من 1800 حادثة عنف استيطاني خلال عام 2025، أدت إلى إصابات وأضرار في الممتلكات في نحو 280 تجمعا فلسطينيا.

وتشير كذلك إلى تسجيل أكثر من 1190 إصابة فلسطينية في سياق هذه الحوادث، من بينها مئات الإصابات المنسوبة إلى المستوطنين.

وتستخدم الباحثة هذه البيانات لتوضيح أن العنف الاستيطاني لا يمثل مجرد حوادث منفصلة، وإنما قد تكون له آثار تراكمية في قدرة الفلسطينيين على الاستمرار في مناطقهم.

قرية قصرة نموذجا

تتناول الدراسة أحداث قرية قصرة في أغسطس 2026، عندما حاصر مستوطنون عددا من المنازل الفلسطينية، وفرضوا قيودا على حركة السكان.

وتشير إلى أن تدخل الجيش الإسرائيلي لم ينه المشكلة بصورة نهائية، مع استمرار عودة المستوطنين وتقييد حركة الفلسطينيين.

وتعتبر الباحثة هذه الحالة مثالا على تعقيد العلاقة بين المستوطنين والمؤسسات الأمنية والإدارية الإسرائيلية.

فالمسألة لا تتعلق فقط بوقوع الاعتداء، وإنما تمتد إلى مسؤولية إنفاذ القانون، والجهة التي تملك القرار، ومدى قدرة السلطات على حماية السكان.

وتزداد أهمية هذه القضية مع التوجه نحو إعادة توزيع بعض المسؤوليات بين الجيش والشرطة والسلطات المدنية.

وتشير الدراسة إلى مطالبة وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس، في أغسطس 2026، بإعداد خطة لنقل مسؤولية إنفاذ القانون المدني في الضفة الغربية إلى الشرطة الإسرائيلية، مع تركيز الجيش على المهام الأمنية.

وترى الباحثة أن هذه الخطوة المحتملة تندرج ضمن إعادة تعريف طبيعة الإدارة الإسرائيلية للضفة.

وتبرز هنا العلاقة بين التغييرات المؤسسية والعنف الاستيطاني، إذ يمكن أن تؤثر طريقة توزيع المسؤوليات في قدرة المؤسسات على منع الاعتداءات أو التعامل معها.

مشروع الضم وتفكيك الوجود الفلسطيني

تستعين الدراسة بتقرير أصدره مركز المعلومات الإسرائيلي لحقوق الإنسان في الأراضي المحتلة "بتسيلم" في سبتمبر 2026، بعنوان "مشروع المحو: إلغاء إسرائيل للوجود الفلسطيني في الضفة الغربية".

وتشير إلى أن التقرير استند إلى أكثر من ألفي شهادة جمعت منذ أكتوبر 2023، إلى جانب سنوات من التوثيق.

ويرصد التقرير خمسة مسارات مترابطة تؤثر في الوجود الفلسطيني بالضفة الغربية.

وتتمثل هذه المسارات في العنف والترهيب، وتقييد حركة الفلسطينيين ووصولهم إلى أراضيهم، والضغط الاقتصادي، وتفكيك البنى الاجتماعية والسياسية، والتهجير وإعادة تشكيل السيطرة على الأرض.

وتوظف الباحثة هذه المسارات في تفسير العلاقة بين الإجراءات الإسرائيلية المختلفة.

فالعنف قد يؤدي إلى إضعاف قدرة السكان على البقاء، وتقييد الحركة يؤثر في النشاط الاقتصادي، بينما تسهم القيود المفروضة على البناء والتنمية في تقليص فرص استمرار التجمعات الفلسطينية وتوسعها.

وعندما تتزامن هذه الإجراءات مع التوسع الاستيطاني وإعادة تنظيم الصلاحيات الإدارية، فإنها تؤدي إلى تغيير الواقع الجغرافي والسكاني بصورة تدريجية.

وتوضح الدراسة أن خطورة هذه العملية تكمن في ترابط عناصرها.

فكل إجراء قد يبدو محدودا عند النظر إليه منفردا، لكن جمع الإجراءات في سياق واحد يكشف عن مسار أوسع لإعادة تشكيل شروط الحياة الفلسطينية ومستقبل الأرض المحتلة.

وبذلك يصبح الضم، في التحليل الذي تقدمه الباحثة، عملية تتجاوز نقل الأرض إلى السيادة الإسرائيلية، لتشمل تغيير قدرة الفلسطينيين على استخدامها والبقاء فيها.

الضم والحسابات السياسية الإسرائيلية

تتناول الدراسة تأثير التنافس السياسي الداخلي الإسرائيلي في سياسات الضفة الغربية، ولا سيما خلال المرحلة التي سبقت الانتخابات الإسرائيلية التي انتهت بالفعل.

لكن الباحثة لا تختزل مشروع الضم في الحسابات الانتخابية.

فهي ترى أن التغييرات المؤسسية والجغرافية التي تجري في الضفة الغربية تتجاوز عمر الحكومة التي تنفذها.

وحين تصبح المستوطنات أكثر ارتباطا بمؤسسات الدولة، وتتوسع شبكات الطرق والبنية التحتية، وتنتقل الصلاحيات إلى أطر إدارية مستقرة، فإن الحكومة التالية تتعامل مع واقع مختلف عن ذلك الذي كان قائما قبل هذه الإجراءات.

ومن ثم، فإن تغير التوازنات السياسية قد يؤدي إلى إبطاء بعض السياسات، لكنه لا يضمن إلغاء نتائجها.

وتلفت الدراسة كذلك إلى أن الحكومة الإسرائيلية تتحرك بين اتجاهين متعارضين نسبيا.

الأول يتمثل في توسيع السيطرة وتعزيز الاستيطان ونقل الصلاحيات إلى المؤسسات المدنية.

أما الثاني فيرتبط بمحاولة احتواء الضغوط الدولية وتخفيف التكاليف السياسية لبعض الإجراءات.

وتستشهد الباحثة بما أوردته عن تحركات نتنياهو في سبتمبر 2026 لإزالة نحو مئة بؤرة استيطانية غير مرخصة، في ظل ضغوط أمريكية.

وتعتبر ذلك مؤشرا إلى أن التوسع الاستيطاني لا يجري بمعزل عن القيود السياسية والدبلوماسية، وأن الحكومة قد تتراجع عن بعض الخطوات عندما ترتفع تكلفتها.

لكن هذا التراجع الجزئي لا يعني، بالضرورة، التخلي عن المسار الأوسع الذي يسعى إلى تثبيت السيطرة الإسرائيلية على الضفة الغربية.

الضم الزاحف ومستقبل التسوية السياسية

تبحث الدراسة في النتائج المحتملة لاستمرار سياسات الضم التدريجي، وما تعنيه بالنسبة إلى فرص إقامة دولة فلسطينية مستقلة.

وتوضح أن التوسع الاستيطاني لا يؤثر فقط في المساحة المتاحة للدولة الفلسطينية، وإنما في قدرتها على تحقيق التواصل الجغرافي، وإدارة مواردها، وتنظيم حركة سكانها.

فوجود مستوطنات مترابطة بشبكات طرق وبنية تحتية إسرائيلية، إلى جانب تقييد البناء والتنمية الفلسطينية، يجعل إعادة تنظيم الأرض على أساس حدود سياسية جديدة أكثر تعقيدا.

كما أن نقل الصلاحيات المتعلقة بالأراضي والاستيطان إلى مؤسسات مدنية يزيد صعوبة التعامل مع هذه الترتيبات باعتبارها مجرد إجراءات مؤقتة مرتبطة بالاحتلال العسكري.

وترى الباحثة أن تراكم هذه التغييرات قد يؤدي إلى تضييق نطاق الخيارات السياسية المستقبلية، بحيث يصبح استمرار السيطرة الإسرائيلية أكثر رسوخا، بينما تتراجع قابلية تنفيذ التسوية القائمة على تقسيم الأرض.

وتلفت إلى أن هذه العملية لا تحتاج بالضرورة إلى إعلان رسمي شامل بالضم.

فقد تتحقق نتائجها تدريجيا، عندما تصبح الخطوة التالية أسهل من سابقتها، بينما تزداد تكلفة التراجع عن الإجراءات التي اتخذت بالفعل.

ومن هنا، فإن خطورة الضم الزاحف تكمن في أنه لا يقدم نفسه دائما بوصفه قرارا نهائيا، بل يتشكل عبر سلسلة من القرارات التي تؤدي في مجموعها إلى نتائج بعيدة المدى.

مفارقة الحسم.. استمرار الصراع بصورة أخرى

تنتهي الدراسة إلى مفارقة أساسية تتعلق بمستقبل الصراع الفلسطيني الإسرائيلي.

فإذا كان مشروع الحسم يسعى إلى إنهاء فرص التسوية القائمة على تقسيم الأرض، فإن نجاحه في تحقيق هذا الهدف لا يعني بالضرورة انتهاء الصراع نفسه.

بل قد يؤدي إلى انتقاله إلى مستوى مختلف، يتعلق بطبيعة النظام السياسي والقانوني الذي يحكم الأرض والسكان، وبالحقوق التي يتمتع بها الفلسطينيون في ظل استمرار السيطرة الإسرائيلية.

وتوضح الباحثة أن فرض واقع جغرافي ومؤسسي يصعب التراجع عنه قد يغلق بعض مسارات التسوية، لكنه لا يلغي القضايا التي أنتجت الصراع.

فالقضية الفلسطينية لا تتعلق بالأرض وحدها، وإنما تشمل حقوق السكان، والسيادة، والتمثيل السياسي، وطبيعة الحكم، والعلاقة بين المجتمعات التي تعيش في المجال الجغرافي نفسه.

ومن ثم، فإن محاولة حسم الصراع من خلال تثبيت السيطرة قد تؤدي إلى إنتاج مشكلات جديدة، بدلا من الوصول إلى تسوية نهائية.

وتشير الدراسة إلى أن الضغوط الدولية قد تدفع الحكومة الإسرائيلية إلى التراجع عن بعض الإجراءات أو تعديلها، لكنها لا تحول بالضرورة دون استمرار التغييرات التدريجية على الأرض.

وتعتبر أن هذه التغييرات، عندما تتحول إلى مؤسسات ومستوطنات وبنية تحتية، تصبح أكثر صعوبة في التفكيك، حتى إذا تغيرت الظروف السياسية.

وتخلص إلى أن إسرائيل لم تحسم الصراع في الضفة الغربية بصورة نهائية، لكنها طورت خلال السنوات الأخيرة أدوات تجعل فرض السيطرة الدائمة أكثر قابلية للتحقق.

وفي المقابل، فإن استمرار هذه السيطرة لا يقدم حلا للقضية الفلسطينية، وإنما قد يعيد صياغة الصراع في صورة جديدة تتعلق بالحقوق والسيادة وطبيعة النظام السياسي والقانوني.

الخلاصة

تكشف دراسة مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية أن سياسات الضم الإسرائيلية في الضفة الغربية لم تعد تعتمد فقط على التوسع الاستيطاني التقليدي، وإنما أصبحت ترتبط بإعادة تنظيم مؤسسات الحكم وتوزيع الصلاحيات وإدارة الأراضي والتخطيط والبنية التحتية.

وتبرز الدراسة دور بتسلئيل سموتريتش في تحويل "خطة الحسم" من مشروع أيديولوجي إلى إجراءات حكومية، من خلال نقل صلاحيات مدنية واسعة تتعلق بالمستوطنات والأراضي إلى أطر مؤسسية داخل وزارة الدفاع.

كما توضح أن الاستيطان، ومشروعات مثل "E1″، والقيود المفروضة على الفلسطينيين، وعنف المستوطنين، لا يمكن فهمها بصورة منفصلة عن بعضها، لأن آثارها المتراكمة تسهم في إعادة تشكيل الجغرافيا والواقع السكاني والخيارات السياسية المستقبلية.

وتتمثل النتيجة الرئيسية التي تنتهي إليها الباحثة في أن الضم لا يحتاج إلى إعلان رسمي حتى يصبح واقعا؛ فقد يتحقق تدريجيا عندما تتحول السيطرة على الأرض إلى مؤسسات وقوانين وإجراءات وبنية تحتية تجعل التراجع عنها أكثر صعوبة.

لكن الدراسة تؤكد، في الوقت نفسه، أن محاولة فرض نتيجة نهائية للصراع لا تعني إنهاءه.

فقد تنجح إسرائيل في تضييق فرص إقامة دولة فلسطينية مستقلة، لكنها ستظل تواجه القضايا السياسية والقانونية المرتبطة بحقوق الفلسطينيين ومستقبلهم.

وهنا تكمن المفارقة التي تطرحها الدراسة: أن مشروع الحسم الإسرائيلي قد ينجح في إغلاق الطريق أمام تسوية سياسية، لكنه لا يملك بالضرورة القدرة على إنهاء الصراع الذي يسعى إلى حسمه.

اقرأ النسخة الكاملة