الروائية السودانية آن الصافي: كيف نحفظ بصمة الكاتب في عصر الخوارزميات؟
تعرف الروائية آن الصافي ما تستطيع الآلة أن تفعله، ويشغلها ما يضعه الإنسان من نفسه في الكتابة. بين هندسة الكمبيوتر والرواية، تكوّنت علاقتها بعالم تتبدّل أدواته، فيما تبقى أسئلته الأكثر إلحاحاً متّصلة بالإنسان: كيف يعيش؟ كيف يتواصل؟ وأيّ أثر يتركه في الآخرين؟
الكاتبة السودانية، خريجة أكاديمية الشعر في أبوظبي، بدأت مسارها الروائي مع "فُلك الغواية" عام 2014، وتوالت رواياتها: "جميل نادوند"، و"توالي"، و"قافية الراوي"، و"كما روح"، و"إنه هو"، و"مِرهاة"، و"خبز الغجر". وإلى جانب نتاجها الروائي، أصدرت كتاب "الكتابة للمستقبل" في جزأين، عامَي 2016 و2017.
التقتها "النهار" على هامش فعاليات معرض الشارقة الدولي للكتاب، بدعوة من جمعية الإمارات للإبداع، في حديث عن حدود الاستعانة بالذكاء الاصطناعي، وما يحدث للصوت الشخصي حين تدخل الخوارزميات إلى الجملة. حديث تتقدّم فيه مسألة المسؤولية: مَن يوقّع النص؟ وماذا يعرف عن المادة التي يضع اسمه عليها؟
تضع الصافي تجربتها على الطاولة. استعانت بـ"شات جي بي تي" في إعادة صياغة بعض فقرات أحد كتبها، وذكرت ذلك في المقدمة. تفصيل يكشف جانباً من علاقتها بالكتابة: استعداد للتجريب، يقابله إصرار على أن يعرف القارئ حدود هذه الاستعانة.
كاتبة تفكّر في الغد
يحمل مشروع "الكتابة للمستقبل" سؤالاً يتجاوز توقّع ما سيأتي إلى الاستعداد لفهمه. وفي كلام الصافي، تبدو الثقافة العلمية جزءاً من عدّة الكاتب، تساعده على قراءة التحوّلات التي تدخل إلى حياة شخصياته وقرّائه، وإلى حياته أيضاً.
تستعيد انتقال الإنسان بين وسائل التعبير: من الرسم والنقش إلى الحرف والطباعة، ثم البيئة الرقمية والتوليد الآلي للنصوص. تتغيّر الوسيلة، وترافق كلّ انتقال مخاوف وأسئلة عن أثره في البشر. لذلك، تدعو إلى فهم التقنيات الجديدة وتعلّم استخدامها، وإلى مساءلتها بالمعرفة.
تستحضر، في هذا السياق، بدايات التعامل مع مواقع التواصل الاجتماعي، حين قوبلت بالارتياب والرفض، قبل أن تصبح جزءاً من الحياة اليومية. بالنسبة إليها، يقتضي حضور الذكاء الاصطناعي وقفة مماثلة: ماذا نعرف عنه؟ وكيف نطوّعه لحاجاتنا؟ وأين نضع الحدود؟
ولعلّ المثال الذي تختاره، من عالم الجراحة، يوضح طريقة تفكيرها. تتطوّر أدوات الطبيب، وتساعده التقنية على بلوغ مواضع أكثر دقّة، فيما تبقى خبرته ومسؤوليته حاضرتين. وتنظر إلى الكاتب من الزاوية نفسها: يستطيع أن يوسّع أدواته، وعليه أن يعرف ما يطلبه منها وما يقبله من نتائجها.
استعانت بالأداة وذكرت ذلك
حين تتحدّث الصافي عن استخدامها الذكاء الاصطناعي، تحدّد مهمّته: المساعدة في إعادة صياغة بعض الفقرات. وتروي أنّها أرادت شكر التطبيق على هذه المساعدة، ثم أثبتت الإشارة إليه في مقدمة الكتاب.
تضع هذه الواقعة في صلب حديثها عن المصداقية. فالاستعانة بأداة تفتح سؤالاً عن حجم تدخّلها، وعن المساحة التي اشتغل فيها المؤلف بنفسه. هل اقترحت عنواناً؟ هل أعادت ترتيب جملة؟ أم ولّدت نصّاً كاملاً اكتفى صاحبه بوضع اسمه عليه؟
عند هذه الحدود، يصبح الإفصاح جزءاً من العلاقة مع القارئ. تريد الصافي أن يكون الكاتب قادراً على شرح طريقته في العمل، وعلى تحمّل مسؤولية ما ينشره. وينسحب ذلك على النصوص النقدية أيضاً، إذ يمكن الاستعانة بالتطبيقات لاستكشاف قراءة أو مقاربة، ثم يأتي دور الناقد في الفحص والمناقشة وبناء حكمه.
وتبدو هنا أقرب إلى مساءلة صاحب الاسم على الغلاف. فالأداة قد تقدّم اقتراحات كثيرة، لكنّ المؤلف هو الذي يختار ويحرّر وينشر، وهو الذي سيواجه الأسئلة عن عمله.
خمس دقائق لا تختصر تجربة
تتوقّف الصافي عند قدرة التطبيقات على إنتاج نصوص طويلة في وقت قصير. يستطيع المستخدم أن يحدّد شخصيات وحبكة وسمات عامة، ثم يتلقّى مادة روائية خلال دقائق. غير أنّ سرعة الحصول على المادة تفتح، في رأيها، امتحاناً آخر: ماذا سيفعل الكاتب بها؟
قد تبدأ بعدها إعادة كتابة تمتدّ أشهراً أو سنوات. يراجع المؤلف المشاهد، ويغيّر زوايا النظر، ويستبعد ما يراه زائداً، ويضيف من معرفته وتجربته. وفي هذه العملية تتّضح مساهمته، وتظهر قدرته على تحويل المقترح إلى عمل يحمل رؤيته.
تهتمّ الصافي بما يحذفه الكاتب بقدر اهتمامها بما يضيفه. فالاختيار موقف جمالي أيضاً: أيّ تفصيل يستحقّ البقاء؟ وأيّ عبارة جميلة تثقل المشهد؟ وأين ينبغي أن يصمت النصّ؟
هنا، تنتقل المناقشة من وفرة الإنتاج إلى قيمته. كثرة الكتب وسرعة إنجازها تستدعيان أسئلة عن الجديد الذي تقدّمه، وعن المعايير التي نقرأها بها، وعن قدرتها على البقاء في الذاكرة بعد إغلاق الصفحة.
الذاكرة التي تدخل إلى الجملة
في تصوّر الصافي، تستند خصوصية الكتابة إلى حياة صاحبها: ذاكرته، وألمه، ووعيه، وقراءاته، والبيئة التي كوّنت نظرته. تستطيع الأداة أن تنتج لغة وتحاكي أنماطاً أسلوبية، بينما يحمل الكاتب إلى اللغة خبرة عاشها ومعنى يريد التعبير عنه.
ولتقريب الفكرة، تستحضر مشهداً يمكن أن يراه الجميع، كقطار يغادر محطّة. قد يكتب عنه كلّ شخص في القاعة، لكنّ النصوص ستختلف. لكلّ واحد معرفة وذاكرة وعلاقة بالفقد أو الانتظار، ولكلّ واحد تفصيل يستوقفه ويستدعي فيه شيئاً خاصاً.
من هنا، تتحدّث عن البصمة التي تسمح بالتعرّف إلى بعض الكتّاب من نصوصهم: طريقة بناء المشهد، والإيقاع، والموضوع، والمفردة المختارة. وتتكوّن هذه البصمة عبر تراكم التجربة والقراءة والعمل على اللغة.
وتعيد المسألة إلى ما يبحث عنه القارئ في النهاية: ذلك التواصل الوجداني مع شخص قد لا يعرفه، وقد تفصله عنه لغة وبلاد وزمن، لكنّه يجد في نصّه ما يمسّه.
مَن يتحمّل مسؤولية الخطأ؟
انفتاح الصافي على الذكاء الاصطناعي يرافقه تشديد على التحقّق. وتروي أنّها طلبت، في إحدى تجاربها مع التطبيق، قصة تدور في بيئة محدّدة، ثم تبيّن لها، أنّ المادة المقدّمة تعود إلى كاتب آخر، وقد ظهرت بلغة مختلفة.
تستحضر الواقعة لتسأل عن تبعات نشر النصّ باسم مستخدم التطبيق. فالاطمئنان إلى الإجابة لا يعفي المؤلف من فحص مصدرها، ولا من التحقّق من المعلومات والتحيّزات واحتمالات التعدّي على أعمال الآخرين.
لهذا، تدعو إلى مواكبة التحوّل التقني بنقاش حول الملكية الفكرية والأصالة والشفافية. كما ترى أنّ معرفة الكاتب بأدوات العصر تساعده على إدراك حدودها، وتمنحه قدرة أكبر على مساءلة ما تنتجه.
تصل الصافي إلى العالم الرقمي حاملةً خبرتين تتجاوران في مسارها: خبرة تتيح لها الاقتراب من التقنية، وتجربة أدبية تجعلها تسأل عمّا تضيفه إلى الإنسان. ويبقى السؤال الذي تتركه مفتوحاً متّصلاً بالقارئ: إذا بات إنتاج النصّ ممكناً في دقائق، فما الذي يدفعنا إلى التوقّف عند نصّ بعينه، والعودة إليه، وحمله معنا في الذاكرة؟