القصر
العالم العربي

الجيش الأميركي يتدرّب على دفن 2400 قتيل خلال 24 ساعة.. لأي سيناريو عسكري يستعد؟

محرر العالم العربي 1 5 دقائق قراءة

تفرض الحروب واسعة النطاق تحديات تتجاوز إدارة المعارك وتأمين الإمدادات، لتشمل كيفية التعامل مع أعداد كبيرة من القتلى عندما يتعذر إجلاؤهم وتستمر العمليات القتالية. وفي إطار الاستعداد لهذه الظروف، أجرى الجيش الأميركي تدريبات على الدفن المؤقت في ساحات القتال، اختبر خلالها قدرة وحداته على تجهيز مواقع يمكن أن تستوعب ما يصل إلى 2400 جثمان خلال 24 ساعة.

اعلان
اعلان

وتناولت مجلة "نيوزويك" وموقع "كلاش ريبورت" هذه التدريبات، التي استهدفت اختبار إجراءات الحفاظ على الجثامين وتوثيقها وضمان إمكان تحديد هويات أصحابها واستعادة رفاتهم وإعادتها إلى الولايات المتحدة وذويهم لاحقاً.

تدريبات في فورت براغ ضمن "عهد التنين"

جرت التدريبات خلال أكتوبر بالقرب من قاعدة "فورت براغ" العسكرية في ولاية كارولاينا الشمالية، ضمن المرحلة الثانية من عملية تحمل اسم "عهد التنين"، وفق ما أورده تقرير "كلاش ريبورت".

وشارك فيها جنود من قيادة إسناد الفيلق الثالث ولواء الهندسة العشرين، المتمركزَين في فورت براغ، إلى جانب فرق للدعم اللوجستي، وأفراد من وحدات الطب الوقائي، واختصاصيين في إدارة شؤون قتلى العمليات العسكرية، ورجال دين عسكريين وأفراد مكلّفين بالشؤون الدينية.

واستخدم المشاركون معدات إنشاء ثقيلة، بينها جرافات من طراز "دي 6" وحفارات وآليات لنقل التربة، لاختبار طرق حفر خنادق الدفن وردمها، ومدى تأثير هذه العمليات على سلامة الجثامين وإمكان الحفاظ عليها إلى حين استعادتها.

وركز التدريب على ما يُعرف باسم "الدفن المؤقت في ساحة المعركة"، وهو إجراء يُلجأ إليه عندما يصبح نقل الجثامين من مناطق القتال غير ممكن أو غير آمن، فيما تتواصل عمليات مهاجمة قوات العدو أو الدفاع في مواجهتها.

قدرة تخطيطية لاستيعاب 2400 جثمان

بحسب الجيش الأميركي، يمكن باستخدام ثماني جرافات وأربع حفارات عسكرية تجهيز مواقع لدفن رفات ما يصل إلى 2400 جندي مؤقتاً خلال 24 ساعة.

وأوضح التقرير الذي نقله "كلاش ريبورت" أن هذا الرقم يمثل تقديراً تخطيطياً لقدرة سرية هندسية مجهزة بالمعدات المناسبة على تنفيذ عمليات الحفر والردم بصورة متواصلة، ولا يعكس عدد الجثامين الافتراضية التي استُخدمت فعلياً في التدريب.

وشملت الاختبارات تصميماً قياسياً لموقع دفن مؤقت يضم خمسة خنادق متوازية، يتسع كل منها لنحو 20 جثماناً، بسعة إجمالية تبلغ نحو 100 جثمان.

واستغرقت عمليات ملء مساحة كل موقع دفن، الذي يضم خمسة خنادق بسعة إجمالية تبلغ نحو 100 جثمان، ساعة و15 دقيقة في المتوسط، بحسب ما نقلته "نيوزويك" عن الجيش الأميركي.

واختبر المهندسون أيضاً المسافات الفاصلة بين الخنادق وطرق الحفر المختلفة، لتقييم تأثير حركة المعدات الثقيلة وإجراءات الدفن على سلامة الجثامين وإمكان استعادتها لاحقاً.

نماذج بديلة لاختبار الحفر والردم

لم يستخدم الجيش الأميركي أي جثامين بشرية حقيقية خلال التدريبات، بل استعان بنماذج لهياكل عظمية وعبوات مياه محكمة الإغلاق، وُضعت داخل أكياس مخصصة لنقل الجثامين.

وأتاحت هذه المواد للجنود التدرب على حمل الجثامين الافتراضية ووضعها داخل الخنادق، ثم تقييم تأثير استخدام الآليات الثقيلة خلال الحفر والردم، واختبار وسائل تمنع تعرضها للتلف.

وتولى اختصاصيو إدارة شؤون القتلى تقييم الإجراءات اللازمة لتتبع كل جثمان وضبط عملية نقله والتعامل معه في مختلف مراحل الدفن المؤقت، مع الحفاظ على البيانات الضرورية لتحديد هوية صاحبه في المستقبل.

وأكد الجيش أن هذه الإجراءات تهدف إلى توثيق الجثامين والعناية بها باحترام، وأن الدفن المؤقت إجراء استثنائي إلى حين توافر الظروف المناسبة لاستعادة الرفات وإعادتها إلى البلاد، وليس بديلاً عن ذلك.

وتنص القواعد العسكرية الأميركية على مسؤولية القادة، على جميع المستويات، عن العناية برفات الجنود والعسكريين المتوفين وضمان إمكان تحديد هوياتهم لاحقاً.

استمرار المعارك يقيّد التعامل الفردي مع القتلى

وفق ما أوردته "نيوزويك"، قد يحول سقوط أعداد كبيرة من القتلى دون قدرة الفرق المتخصصة على دفن كل فرد على حدة أو أداء شعائر دينية محددة لكل شخص، خصوصاً عندما تكون العمليات القتالية لا تزال مستمرة.

وفي هذا السياق، قال الرقيب أول ديلبرت رويدي، من قيادة إسناد الفيلق الثالث،: "أتاح لنا هذا التمرين إلقاء نظرة نقدية على كيفية احترام قتلانا وتكريمهم والتعامل معهم بصورة منهجية في نزاع عالي الحدة".

وأضاف: "لو خضنا حرباً غداً، لكنا نرتجل ذلك مع تقدّمنا. ما نقوم به هنا هو اعتماد نهج علمي خضع للاختبار الميداني، حتى نتمكن من الحفاظ على سيطرة مؤكدة والعناية بقتلانا باحترام".

وقال الجيش إن تدريبات فورت براغ شكّلت المرة الأولى منذ أكثر من 20 عاماً التي يتلقى فيها رجال الدين العسكريون وأفراد الشؤون الدينية تدريباً على كيفية المساهمة في حفر قبور مؤقتة في ساحة المعركة.

من تجربة كوريا إلى الإجلاء في العراق وأفغانستان

لم يحتج الجيش الأميركي إلى تنفيذ عمليات دفن مؤقت على نطاق واسع منذ الحرب الكورية التي دارت بين عامَي 1950 و1953. وخلال الحروب اللاحقة، ولا سيما في العراق وأفغانستان، كانت القوات الأميركية تُجلي جثامين قتلاها سريعاً إلى الولايات المتحدة.

ودارت الحرب الكورية بين عامَي 1950 و1953، وقُتل خلالها نحو 37 ألفاً من أفراد القوات الأميركية، ولا تزال شبه الجزيرة الكورية منقسمة حتى اليوم.

أما خلال ربع القرن الماضي، ولا سيما في حربَي العراق وأفغانستان، فقد عمدت القوات الأميركية إلى إجلاء جثامين قتلاها سريعاً إلى الولايات المتحدة، بدلاً من حفر مواقع دفن مؤقتة كبيرة.

وساعدها في ذلك تفوق جوي أتاح عموماً نقل الجثامين بسرعة نسبية، ما قلّل الحاجة إلى إنشاء مواقع دفن بالقرب من مناطق الاشتباكات.

سيناريوهات لتعذّر الإجلاء في الحروب المقبلة

يدرس الجيش الأميركي حالياً ظروفاً قد تتأخر فيها عمليات الإجلاء الجوي أو البري أو تصبح مستحيلة، خصوصاً في مواجهة قوة تمتلك قدرات قتالية مماثلة، حيث قد تتعرض شبكات النقل والإمداد والعمليات اللوجستية لضغوط شديدة.

وقد تؤدي هذه الظروف إلى بقاء الجثامين في مناطق القتال لفترات أطول، بما يستدعي تجهيز مواقع مؤقتة لدفنها والحفاظ عليها إلى حين إمكان نقلها.

ومن هنا، صُممت التدريبات لمحاكاة المتطلبات اللوجستية المعقدة للعمليات القتالية واسعة النطاق، واختبار فاعلية الإجراءات ميدانياً، بما يحدّ من اضطرار القوات إلى ابتكار حلول مرتجلة أثناء الطوارئ.

وبحسب ما أورده "كلاش ريبورت"، أكد الجيش الأميركي أن الهدف هو اختبار إجراءات التعامل مع قتلى المعارك والتحقق من فاعليتها استعداداً لصراعات محتملة مستقبلاً، من دون تحديد أي عملية عسكرية بعينها يجري تجهيز مواقع الدفن من أجلها.

اقرأ النسخة الكاملة