في 22 يوليو/تموز 2011، فجّر النرويجي أندرس بريفيك سيارة مفخخة في الحي الحكومي وسط العاصمة أوسلو، فقتل ثمانية أشخاص، وأصاب العشرات، وألحق دمارا بالمباني المحيطة. لكن تلك لم تكن سوى بداية المجزرة.

بعد التفجير، توجه بريفيك إلى جزيرة أوتويا، حيث كان مئات الشباب والشابات يشاركون في مخيم صيفي ينظمه الجناح الشبابي لحزب العمال النرويجي. وصل إلى الجزيرة متنكرا بزي شرطي، ثم بدأ بإطلاق النار على المشاركين. حاول بعضهم الاختباء بين الأشجار والصخور، وقفز آخرون إلى مياه البحيرة هربا من الرصاص. وخلال نحو ساعة، قتل 69 شخصا، معظمهم من الشباب، ليرتفع عدد ضحايا الهجومين إلى 77 قتيلا.

أخبار مقترحة

  • BEIJING, CHINA - MAY 15: U.S. President Donald Trump and Chinese President Xi Jinping tour the Zhongnanhai leadership compound on May 15, 2026 in Beijing, China. Trump and other U.S. officials are finishing up a visit intended to address the Iran conflict, trade imbalances, and the Taiwan situation while establishing new bilateral boards for economic and AI oversight. (Photo by Mark Schiefelbein-Pool/Getty Images)
    هل تفتح حرب إيران أبواب الشرق الأوسط أمام الصين؟
  • من ترمب إلى العالم.. عدوى "سرقة الانتخابات" تهدد الديمقراطيات

كانت النرويج تحت وقع الصدمة. بلد مسالم يجد نفسه أمام واحدة من أبشع الجرائم الإرهابية في تاريخه، وعائلات تنتظر عودة أبنائها من مخيم صيفي، لتكتشف أنهم لن يعودوا أبدا.

بعد يومين، وقف رئيس الوزراء النرويجي آنذاك، ينس ستولتنبرغ، أمام المصلين في كاتدرائية أوسلو، لم يهدد بالانتقام، ولم يدعُ إلى نصب المشانق في الساحات العامة، ولم يحاول أن ينافس القاتل في لغته، بل أعلن أن رد النرويج سيكون بمزيد من الديمقراطية والانفتاح والإنسانية، ولكن دون سذاجة.

لم تكن تلك كلمات رجل ضعيف، ولا تعبيرا عن عجز الدولة عن معاقبة المجرم، بل كانت كلمات رئيس حكومة يعرف الفرق بين الدولة والعصابة، وبين العدالة والانتقام، ويدرك أن قوة الدولة لا تكمن في قدرتها على ممارسة العنف، بل في قدرتها على ضبط هذه القوة بالقانون.

وبالفعل، وقف بريفيك أمام القضاء النرويجي، وحُوكم وأدين وحُكم عليه بالسجن، وفق القانون، لا وفق رغبة الجماهير الغاضبة. لم تتنازل النرويج عن حق ضحاياها في العدالة، لكنها لم تسمح للقاتل بأن يفرض عليها منطقه.

الأردن ليس قبيلة تبحث عن ثأر، ولا جماعة مسلحة تتنافس مع خصومها في استعراض العنف. الأردن دولة لها دستور وقوانين وقضاء ومؤسسات، وهذه ليست تفاصيل شكلية، بل هي الفارق الجوهري بين الدولة والتنظيم الإرهابي

تذكرت تلك المأساة وأنا أتابع ردود الفعل على الجريمة الإرهابية البشعة التي استهدفت كنيسة في قرية حمود بمحافظة الكرك، يوم 23 أكتوبر/تشرين الأول الماضي، وراح ضحيتها تسعة من أبناء وطننا، وأصيب فيها العشرات.

أفهم الغضب الذي اجتاح الأردنيين، وأتفهم المطالبات بإنزال أشد العقوبات بالقتلة. وكيف لا نفهمها ونحن أمام جريمة استهدفت أبرياء اجتمعوا في كنيسة للمشاركة في جنازة، فإذا بهم يصبحون ضحايا إرهاب لا يعرف حرمة للموت ولا قدسية للحياة؟

لقد شاهدنا عائلات فقدت أحباءها، وأمهات وآباء يودعون أبناءهم، ومجتمعا بأكمله يتألم لجريمة كان يمكن أن يكون ضحيتها أي واحد منا. فالرصاص الذي أُطلق على المصلين لم يستهدف المسيحيين وحدهم، بل استهدف الأردن كله، بتاريخه ونسيجه الاجتماعي وقيم العيش المشترك التي تشكل جزءا أصيلا من هويته.

لكنني توقفت عند الدعوات إلى تنفيذ أحكام الإعدام علنا، وتحويل العقوبة إلى مشهد جماهيري، وكأن هيبة الدولة تقاس بعدد المتفرجين على المشنقة، أو بمقدار الرعب الذي تستطيع أن تبثه في نفوس الناس.

وهنا لا بد من طرح سؤال يتجاوز الجريمة ومرتكبيها: هل نريد أن نعاقب الإرهابيين بقوة الدولة، أم نواجههم بالمنطق نفسه الذي يحكم أفعالهم؟

الأردن ليس قبيلة تبحث عن ثأر، ولا جماعة مسلحة تتنافس مع خصومها في استعراض العنف. الأردن دولة لها دستور وقوانين وقضاء ومؤسسات، وهذه ليست تفاصيل شكلية، بل هي الفارق الجوهري بين الدولة والتنظيم الإرهابي.

لعل أخطر ما يمكن أن يفعله الإرهاب هو أن يدفع المجتمعات إلى التخلي عن المبادئ التي يسعى إلى تدميرها. فالإرهابي يريد نشر الخوف، وإثارة الكراهية، ودفع الناس إلى الانقسام. وحين يستجيب المجتمع لهذه الدعوة، فإنه يمنح القاتل انتصارا لم يكن ليستطيع تحقيقه بالرصاص وحده

فالإرهابي لا يعترف بالقانون، أما الدولة فتستمد شرعيتها منه. والإرهابي يلجأ إلى العنف لأنه لا يمتلك حجة ولا شرعية، أما الدولة فتمتلك مؤسسات وأجهزة أمن وقضاء وسجونا، وتمارس سلطاتها باسم المجتمع ووفق القانون.

ولا يعني ذلك التساهل مع القتلة، أو التنازل عن حق الضحايا في العدالة، أو المطالبة بإلغاء عقوبة الإعدام، فهذه مسألة أخرى تستحق نقاشا مستقلا. ما أتحدث عنه هنا هو الفرق بين تنفيذ العقوبة بوصفها حكما قضائيا، وتحويلها إلى عرض علني لإشباع الرغبة في الانتقام.

ولا يجوز أن نخلط بين الحزم والقسوة، أو بين العدالة والثأر. فالعدالة لا تصبح أكثر عدلا حين تُمارس أمام جمهور، والعقوبة لا تكتسب شرعيتها من التصفيق لها، وإنما من سلامة الإجراءات التي سبقتها، واستقلال القضاء الذي أصدرها، واحترام القانون الذي يحكم تنفيذها.

بل إن الدولة تكون في أمسّ الحاجة إلى التمسك بهذه المبادئ حين يشتد الغضب الشعبي. فمن السهل الالتزام بالقانون في الأيام العادية، لكن الاختبار الحقيقي يأتي حين ترتفع الأصوات مطالبة بتجاوزه.

وهذا لا ينتقص من أهمية الرد الأمني الحازم. فمن واجب الدولة أن تلاحق القتلة، وأن تحمي مواطنيها، وأن تمنع تكرار مثل هذه الجرائم، وأن تحاسب كل من يثبت تورطه فيها أو مساعدته لمرتكبيها. غير أن الحزم الأمني وسيادة القانون ليسا نقيضين، بل يكمل أحدهما الآخر.

ولعل أخطر ما يمكن أن يفعله الإرهاب هو أن يدفع المجتمعات إلى التخلي عن المبادئ التي يسعى إلى تدميرها. فالإرهابي يريد نشر الخوف، وإثارة الكراهية، ودفع الناس إلى الانقسام. وحين يستجيب المجتمع لهذه الدعوة، فإنه يمنح القاتل انتصارا لم يكن ليستطيع تحقيقه بالرصاص وحده.

في النرويج، لم يكن رد رئيس الوزراء مجرد خطاب للمواساة، بل كان تأكيدا لهوية الدولة التي أراد الإرهابي ضربها. أما في الأردن، فإن الرد الذي يليق بنا هو أن نظل دولة قانون، لا دولة انتقام، وأن نثبت أن دماء الضحايا لا تُصان بالتخلي عن قيمنا، وإنما بالتمسك بها.

فهيبة الدولة ليست في قدرتها على تقليد الإرهابي، بل في رفضها أن تصبح مثله. وليست في قدرتها على الانتقام، بل في قدرتها على تحقيق العدالة، حتى حين يكون الغضب في ذروته.

الدولة القوية لا تحتاج إلى أن تتصرف كالإرهابي كي تهزمه. فهي تنتصر عليه، قبل كل شيء، حين ترفض أن تصبح صورته الأخرى.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.