القصر
العالم العربي

التين المجفف .. موسم رزق لنساء إدلب في مواجهة أعباء الحرب وقسوة الحياة

محرر العالم العربي 2 6 دقائق قراءة

يشكّل موسم التين المجفف لكثير من النساء السورياتفرصة لتخفيف الأعباء المعيشية التي أثقلت كاهل أسرهن بعد سنوات طويلة من الحرب وتداعياتها الاقتصادية. فخلف كل ثمرة تين مجفف قصة كفاح لامرأة تحاول تأمين مصدر دخل يساعد أسرتها على مواجهة متطلبات الحياة.

وبين صفاء العلوان، التي تسعى إلى دعم زوجها المصاب وإعالة أطفالها الستة، وعلية الديري، التي تولّت مسؤولية تربية أطفالها الأربعة بعد فقدان زوجها، تتكرر معاناة النساء وتختلف تفاصيلها. لكن ما يجمعهن هو الإصرار على تحويل هذا العمل الموسمي إلى مورد رزق يساند الأسرة ويمنحها قدرة أكبر على الصمود في ظل الظروف الصعبة.

بعد إصابة زوجها.. صفاء تبحث عن الرزق بين أشجار التين

منذ إصابة زوجها بشظية قذيفة خلال الحرب، وجدت صفاء العلوان، البالغة من العمر 39 عاماً من مدينة كفرنبل، نفسها أمام مسؤوليات أسرية مضاعفة، في ظل تراجع قدرة زوجها على العمل، وحاجتها إلى تأمين متطلبات الحياة اليومية لأطفالها الستة. 

تعمل صفاء في تجفيف التين وتغليفه، ولا يشكل هذا العمل بالنسبة لها مجرد فرصة عمل موسمية، بل وسيلة للمساهمة في إعالة أسرتها ومواجهة الظروف الاقتصادية الصعبة. ومن خلال مراحل إعداد الثمار وتجهيزها، تحاول الاستفادة من الموسم لتوفير دخل يساعدها على تلبية احتياجات أطفالها. 

تقول صفاء: "أعمل في تجفيف التين وبيعه لكسب لقمة العيش، حيث أبدأ خلال فصل الصيف بشراء ثمار التين أو قطافها من الكروم، ثم تجهيزها وإعدادها وتغليفها، ضمن مراحل تتطلب وقتاً وجهداً ومتابعة دقيقة". 

وتوضح أن عملية التجفيف تبدأ بترك الثمار على أغصانها حتى تذبل وتسقط على الأرض، قبل جمعها ونشرها في أماكن مخصصة حتى تجف تماماً، لتنتقل بعد ذلك إلى مراحل التجهيز والتعبئة. 

بين العمل ورعاية الأطفال

وبين ساعات العمل الطويلة ومتطلبات رعاية الأطفال وتدبير شؤون المنزل، تحاول صفاء الموازنة بين مسؤولياتها الأسرية وسعيها إلى توفير مصدر دخل. فاحتياجات أطفالها لا تتوقف عند حدود الموسم، ما يجعل استمرارها في العمل بالورش الزراعية ضرورة لمواجهة الأعباء اليومية. 

بين أشجار التين وورش التجفيف والتعبئة في ريف إدلب، تواصل نساء سوريات العمل لتأمين احتياجات أسرهن، مستفيدات من موسم زراعي يوفر لهن فرصة محدودة للدخل وسط ظروف اقتصادية صعبة. 

وبينما تمثل هذه الفرصة سنداً مهماً للنساء اللواتي يتحملن مسؤولية إعالة أطفالهن، تبقى قدرتها على تلبية الاحتياجات الأسرية مرتبطة بحجم الدخل واستمرار العمل وتوافر فرص التسويق. 

بعد التّرمّل.. التين المجفف مورد رزق لعلية وأطفالها 

وإذا كانت إصابة زوج صفاء قد دفعتها إلى البحث عن مصدر دخل إضافي، فإن علية الديري (41 عاماً) واجهت تحدياً مختلفاً بعد فقدان زوجها، لتجد هي الأخرى في موسم التين المجفف فرصة لتأمين احتياجات أسرتها. فمنذ فقدان زوجها قبل نحو عشر سنوات، أصبحت وحيدة في مواجهة مسؤولية تربية أطفالها الأربعة وتأمين احتياجاتهم المعيشية.

ومع تزايد الأعباء وصعوبة الظروف الاقتصادية، لجأت علية إلى البحث عن فرص عمل توفر لها دخلاً يساعدها على إعالة أسرتها. وكانت ورشة تجفيف التين في قرية نحليا بريف إدلبإحدى المحطات التي اعتمدت عليها لكسب الرزق ومواجهة متطلبات الحياة اليومية.

وتشارك علية في مختلف مراحل إعداد التين المجفف، بدءاً من فرز الثمار وتجهيزها، وصولاً إلى تعبئتها وتغليفها. ويحتاج هذا العمل إلى صبر ودقة وجهد متواصل، إذ تمضي العاملات ساعات طويلة لإنجاز المهام المطلوبة، أملاً في تأمين دخل يساهم في سد احتياجات أسرهن.

وتشير علية إلى أن النساء يشكلن النسبة الأكبر من العاملين في ورشات تجفيف التين في المنطقة، حيث يوفر هذا النشاط الزراعي فرصة لكسب الدخل، ولا سيما للنساء اللواتي يتحملن مسؤولية إعالة أسرهن. 

وبالنسبة إلى علية، يمثل العمل وسيلة لتوفير ما تستطيع من احتياجات أطفالها الأربعة، في ظل ظروف معيشية صعبة تفرض عليها البحث باستمرار عن مصادر دخل تساعدها على الاستمرار في تحمل مسؤولياتها. 

تراجع الإنتاج يزيد الضغوط على المزارعين

لا تخلو رحلة التين المجفف من تحديات اقتصادية تبدأ من تكاليف شراء المحصول وتجهيزه، وتمتد إلى مستلزمات التعبئة والتغليف والنقل، وصولاً إلى صعوبة تسويقه في أسواق تتيح تحقيق عائد مناسب. 

ويوضح وحيد شنبو، رئيس دائرة الإحصاء بمديرية زراعة إدلب، لـDW أن إنتاج التين في محافظة إدلب للموسم الحالي يبلغ نحو 10,934 طناً، مقارنة بنحو 13,274 طناً في الموسم الماضي، أي بانخفاض يُقدّر بنحو 2,340 طناً، وبنسبة تقارب 17.6%. ويُعزى هذا التراجع بصورة رئيسية إلى تأثير العوامل الجوية والظروف المناخية في الإنتاج لهذا الموسم. 

ويلفت شنبو إلى أن أبرزالصعوبات التي تواجه مزارعي التين في محافظة إدلب هي التقلبات الجوية وتأثيرها في نمو الثمار وعقدها ونضجها، إضافة إلى اضطراب عملية التلقيح في بعض البساتين، وما يرافق ذلك من تساقط الثمار وانخفاض الإنتاجية. كما يواجه المزارعون ارتفاع تكاليف الخدمة الزراعية، فضلاً عن صعوبات التسويق، والحاجة إلى تحسين عمليات الفرز والتجفيف والتوضيب، بما يضمن الحفاظ على جودة المحصول وزيادة العائد الاقتصادي للمزارع. 

ويضيف شنبو: "تتعرض أشجار التين لعدد من الآفات والأمراض التي تؤثر في نمو الأشجار وجودة الثمار وكميات الإنتاج، ومن أبرزها ذبابة التين، وبعض الحشرات التي تصيب الثمار الناضجة وحفار الساق". 

تحديات التسويق وجهود لتحسين الإنتاج

أما أبرز تحديات تسويق التين، فهي سرعة تلف الثمار الطازجة، والحاجة إلى تسويق المحصول خلال فترة زمنية قصيرة، إضافة إلى محدودية إمكانات التخزين والتوضيب والتصنيع لدى بعض المنتجين، وتفاوت الأسعار تبعاً للجودة وحجم المعروض والطلب في الأسواق . 

ويشير شنبو إلى أن مديرية الزراعة تعمل على تعزيز الاهتمام بمحصول التين بوصفه من المحاصيل الزراعية المهمة في محافظة إدلب، من خلال التركيز على التوعية والإرشاد الزراعي، وتحسين الممارسات المتبعة في خدمة البساتين، والحد من الآفات والأمراض، وتشجيع المزارعين على اتباع الأساليب الزراعية السليمة التي تسهم في رفع الإنتاجية وتحسين جودة الثمار. 

ورشات تجفيف التين.. من تجهيز الثمار إلى الأسواق 

تشتهر مناطق في ريف إدلب بزراعة التين، ولا سيما مناطق جبل الزاوية، حيث تنتشر ورشات متخصصة في تجفيف الثمار وكبسها وتجهيزها للتسويق، بما يوفر فرص عمل في مراحل الإنتاج المختلفة. 

ويقول كمال العلاوي، البالغ (50 عاماً)، وهو تاجر وصاحب ورشة لتجفيف التين، "إن هذا النشاط يشكل فرصة عمل للنساء في ريف إدلب، خصوصاً اللواتي يتحملن مسؤولية إعالة أسرهن". 

ويوضح العلاوي أن الورشة التي يعمل فيها تضم عشر نساء، تتوزع المهام بينهن وفق مراحل تجهيز التين المجفف، بدءاً من فرز الثمار بحسب الحجم والجودة، ثم غسلها لإزالة الشوائب، وصولاً إلى تجفيفها وتعقيمها. 

ويضيف أن التين يوضع في غرف خاصة لمدة 24 ساعة ضمن مراحل التجهيز، قبل أن تبدأ عملية ضم الثمار في قلائد أو كبسها داخل قوالب بأشكال وأوزان مختلفة، لتنتهي العملية بالتغليف والتعبئة في صناديق مخصصة، تمهيداً لطرح المنتج في الأسواق أو تصديره إلى الخارج. 

خلف كل مرحلة من مراحل تجهيز التين، من جمع الثمار إلى تعبئتها في الصناديق، تقف نساء يحاولن تحويل ساعات العمل والجهد إلى مورد يساعدهن على مواجهة أعباء الحياة. 

ومع استمرار التحديات المعيشية والاقتصادية، تظل الحاجة قائمة إلى فرص عمل أكثر استقراراً، وأسواق قادرة على استيعاب الإنتاج المحلي، بما يتيح للعاملات تجاوز حدود الموسم الزراعي، والوصول إلى دخل أكثر انتظاماً يساعدهن على تأمين احتياجات أسرهن على مدار العام. 

اقرأ النسخة الكاملة