كريستابيل نجم

 

 

تتجاوز البيئة المهنية كونها مساحة لإنجاز المهام، لتُصبح في كثير من الأحيان ساحة تستنزف استقرار الفرد وصحته النفسية.

 

ينبع جوهر هذه السُمّية من تشوّهات سلوكية يُسقط عبرها البعض خوفهم الخفيّ من فقدان السيطرة، فيلجأون لفرض الهيمنة وتصيّد الأخطاء لترميم انكساراتهم الداخلية على حساب الآخرين.

 

ولأن هذا الأذى لا يقف عند حدود المكاتب بل يتعدّاه ليمسّ الموظف وعائلته، نستعرض أبرز علاماته وكيفية مواجهته، وصولاً إلى الرؤية العلمية للإختصاصية النفسية سمر كفوري.

 

 

 

 

ضغوط المهنة وسُمّية البيئة

 

يختلف الاجحاف والملاحظات المهنية عن السُمّية، فالمواجهة وتحمّل المسؤولية من أركان العمل الطبيعية.

ويكمن الفارق الجوهري في تكرار الممارسات واستمراريّتها، إذ تغدو البيئة سلبية حين يُصبح الإجحاف، التخويف والتشكيك بالصلاحيات نمطاً سائداً.

ورغم تفاوت تأثّر الأفراد بحسب خبراتهم وكفاءتهم، يبدأ التقييم دائماً من رصد أنماط الممارسات السائدة، بعيداً عن الأحكام الشخصية.

فليس كل نقد إساءة ولا كل خلاف دليلًا على بيئة عمل سامة، فالموضوعية ضرورية للتمييز بين النقد البنّاء والضرر الحقيقي.

 

 

فجوة شعارات المؤسّسة

 

 

يُؤدّي المدير دوراً محوريّاً في تشكيل بيئة العمل، فالإهانة والتدخّل المفرط "Micromanagement" يُقوّضان الإبداع ويزرعان الخوف بدلاً من الإنتاجية.

 

وتتعمّق الفجوة حين تتستّر المؤسّسات على التنمّر خلف شعارات برّاقة، لِينتقل الاستنزاف النفسي مباشرةً إلى صحة الموظّف، جودة نومه واستقراره الأسري.

 

 

ظاهرة التماهي مع السلوك المؤذي

 

قد يُفرغ الموظّف الاجهاد والتحقير في مقرّ العمل على الأضعف سلطةً أو عائلته وهي ظاهرة تُؤكّد حاجته إلى الوعي الذاتي والنضج العاطفي لوضع حدود صحية تمنع تسلسل الإساءة. 

 

آليّة المواجهة الذكية



تقتضي مواجهة التصرّف المُنهك بفصل القيمة الذاتية عن تقييم المدير والاعتماد على سجل واقعي للإنجازات.

 

 

 

 

الفتور المهني والاحتراق الوظيفي 

 

يختلف الفتور المهني الذي يُعالج بالإجازات وتجديد المهام عن الاحتراق الوظيفي "Burnout" الناجم عن إجهاد مزمن غير مُدار، إذ يتجّلى في إنهاك الطاقة، التباعد النفسي وتراجع الإنتاجية، مصحوباً بآلام واضطرابات النوم.

 

ورغم تمايزه عن الاكتئاب، فإن تفاقمه يتطلّب استشارة اختصاصي لتطوير استراتيجيات المواجهة.

 

 

 

 

الضغط الطبيعي والأذى الممنهج

 

لا يستدعي التصدّي للضرر الوظيفي تشخيص الآخرين بالنرجسية، فالأصل هو التعامل مع ممارسات التهميش وسلب الجهود كسلوكيات مرفوضة.

فالمواجهة الحقيقية تبدأ بتوثيق الأداء وضمان الأمان المهني والنفسي للموظف وهو ما يُفرض على الإدارة بتقييم كفاءة قياداتها ومحاسبتهم حزماً عند تكرار الأخطاء أو تدهور جودة العمل.

 

 

 

 

إدمان العمل والتوازن مع الحياة الشخصية



يختلف الاجتهاد عن إدمان العمل "Workaholism" الذي يستنزف الصحة والعلاقات في سباق قهري، فالإنتاجية المستدامة تتوجّب استراحة. وعندما تتواصل المعاناة الوظيفية وتنعكس سلباً على الحياة الخاصة رغم المحاولات، يطرح الانسحاب نفسه كخيار حاسم لحفظ الكرامة والصحة، شرط أن يُدار بتخطيط مالي متّزن وإعادة توجيه الطاقة نحو التعافي والاستقرار.

 

لم يعد يكفي أن تختار المؤسّسات كوادرها وقادتها بناءً على الكفاءة والخبرة فحسب، بل بات من الواجب الحتمي التثبّت المطلق من السلامة والصحة النفسية لأيّ مرشّح مديراً كان أو موظفاً قبل تعيينه.

 

يستلزم ذلك ترسيخ ثقافة مهنية قائمة على النضج والمسؤولية وإرساء ضوابط حازمة تمنع التحرّش، التنمّر والمضايقات فسلامة الفرد النفسية والجسدية وكرامته ليست امتيازاً يُمنح، بل حقٌّ أصيل لا يقبل المساومة.