دخلت الولايات المتحدة مرحلة جديدة من الانقسام السياسي بين البيت الأبيض والكونغرس، بعدما حسم الديمقراطيون السيطرة على مجلسَي النواب والشيوخ في انتخابات التجديد النصفي، مستفيدين من استياء الناخبين من الأوضاع الاقتصادية وتداعيات حرب إيران، ومحققين اختراقات في ولايات اعتُبرت لسنوات معاقل للجمهوريين.
ومع اتضاح حجم الخسائر الجمهورية، جمع الرئيس الأميركي دونالد ترامب بين إبداء الاستعداد للتعاون مع خصومه والتقليل من قدرتهم على فرض خياراتهم، فيما توالت المواقف الدولية من نتائج الاقتراع، وسط ترقّب انعكاساتها على سياسات واشنطن خلال العامين الأخيرين من ولايته.
ويتيح الفوز للديمقراطيين تعطيل مشاريع تشريعية يدفع بها ترامب، ورفض تعييناته في مجلس الشيوخ، وإخضاع إدارته لتحقيقات ورقابة أوسع، مقابل احتفاظ الرئيس بصلاحياته التنفيذية وحق النقض الذي سبق أن لوّح باستخدامه في مواجهة المعارضة.
ترامب يتقبّل النتائج ويتمسّك بصلاحياته
في هذا السياق، اعتبر نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس أن الحرب على إيران كانت أحد الأسباب الرئيسية وراء الهزيمة الانتخابية، في إقرار بتداعيات الصراع على أداء الجمهوريين في صناديق الاقتراع.
من جهته، رفض ترامب اعتبار نتائج الانتخابات انتكاسة شخصية له، مشيرًا إلى أن سيطرة الديمقراطيين على الكونغرس لا تضعهم في موقع يسمح لهم بفرض إرادتهم.
وقال لشبكة "فوكس نيوز" إن الديمقراطيين أبلوا "بلاءً حسنًا"، مضيفًا: "لا ينبغي أن أشعر بالذنب".
وفي تصريحات لصحيفة "نيويورك تايمز"، أبدى استعداده للعمل مع الأغلبية الجديدة، قائلًا: "أنا مستعد تمامًا لتقبّل تلك النتائج. سنعمل مع الديمقراطيين، ونتطلع كما تعلمون إلى التعاون معهم. سنتوصل على الأرجح إلى تفاهمات".
بالتوازي، نشر حساب البيت الأبيض على منصة "إكس" صورة لترامب تحمل عبارة: "تنويه: ترامب لا يزال رئيسكم"، وأرفقها بتعليق: "شكرًا لاهتمامكم بهذا الأمر".
وعكست الرسالة تمسّك الإدارة بمواصلة برنامجها، بعدما قال مسؤول في البيت الأبيض لوكالة فرانس برس إن الأجواء تتسم بـ"روح التحدي"، وإن الرئيس سيواصل مواجهة ما وصفه بـ"اليسار المتطرف"، محذرًا بالقول: "استعدوا للآتي".
وكان ترامب قد قال في مقابلة بُثت الاثنين: "سأستخدم حق النقض ضد كل شيء"، قبل أن يبدي لاحقًا انفتاحه على التفاهم مع الديمقراطيين.
كما دافع، خلال مداخلة مع برنامج "فوكس أند فريندز" صباح يوم الانتخابات، عن سياساته بشأن الهجرة وإيران والرسوم الجمركية، معتبرًا أنها ساهمت في "إعادة بناء" البلاد. وقال: "علينا أن نحافظ على عظمة أميركا. نحن عظماء الآن. كنا فظيعين قبل عامين".
جيفريز يَعِد بالمحاسبة وأوباما يدعو إلى الوحدة
في المعسكر الديمقراطي، تعهّد زعيم الحزب في مجلس النواب حكيم جيفريز، المرشّح لتولّي رئاسة المجلس، بمحاسبة المسؤولين في الإدارة.
وقال أمام أنصاره: "سنحاسب أولئك الذين جرّوا هذا البلد إلى مستويات غير مسبوقة من الفساد"، مضيفًا: "فعندما ينشغل مسؤولون في مناصب رفيعة بإثراء أنفسهم أو أفراد أسرهم أو أصدقائهم أو مموليهم، فإنهم لا يعيرون اهتمامًا لتحسين حياة الشعب الأميركي".
أما الرئيس الأميركي الأسبق باراك أوباما، فاعتبر أن الناخبين وجّهوا رسالة واضحة بأنهم يريدون سياسة تجمعهم بدلًا من تقسيمهم، وقادة يطرحون حلولًا ملموسة للمشكلات التي يواجهونها.
الاقتصاد والحرب في صلب التصويت
وجاءت النتائج في اقتراع طغى عليه الغضب من ارتفاع الأسعار وتكاليف السكن والرعاية الصحية، إلى جانب الرسوم الجمركية وتداعيات الحرب على إيران، التي ساهمت في زيادة أسعار الوقود، في وقت تراجعت فيه معدلات تأييد ترامب.
وأقرّ الرئيس الأميركي بأن الحرب أدّت دورًا في خسائر الجمهوريين، بعدما تحوّلت الانتخابات إلى اختبار واسع لسياسات ولايته الثانية.
ومن طهران، رأى رئيس مجلس الشورى الإيراني محمد باقر قاليباف أن التصويت حمل رسالة رافضة للحرب.
وكتب على منصة "إكس": "سواء عن قناعة أو بسبب تكاليف المعيشة، قال الأميركيون: لا للحرب، ونحن نؤيد هذه الرسالة".
سبعة مقاعد تغيّر خريطة مجلس الشيوخ
وتمكّن الديمقراطيون من انتزاع سبعة مقاعد جمهورية في مجلس الشيوخ، شملت تكساس وكانساس وأيوا وأوهايو وماين وكارولينا الشمالية وكارولينا الجنوبية، في مكاسب تجاوزت ساحات التنافس التقليدية ووصلت إلى ولايات منح بعضها ترامب فوارق كبيرة في انتخابات 2024.
وبرزت أربعة اختراقات في تكساس، حيث هزم جيمس تالاريكو كين باكستون، ليحقق أول فوز ديمقراطي بانتخابات الشيوخ عن الولاية منذ عام 1988؛ وكانساس، حيث أطاح آدم هاميلتون بروجر مارشال، منهيًا غيابًا ديمقراطيًا عن الفوز بمقعد فيها استمر 94 عامًا؛ وكارولينا الشمالية، حيث تفوّق الحاكم السابق روي كوبر على مايكل واتلي، الذي اختاره ترامب شخصيًا؛ وكارولينا الجنوبية، حيث هزمت طبيبة الأطفال آني أندروز دارلين غراهام، التي عُيّنت خلفًا لشقيقها الراحل ليندسي غراهام. وجمعت حملات الفائزين الأربعة أولوية خفض تكاليف المعيشة، فيما واجه منافسوهم مشكلات تراوحت بين الانقسامات الحزبية وضعف الخبرة والجدل المحيط بسجلّاتهم، من دون أن يكفي دعم ترامب لحماية مقاعدهم.
وفي أوهايو، عاد الديمقراطي شيرود براون إلى مجلس الشيوخ بفوزه على الجمهوري جون هاستيد، بينما انتزع جوش توريك مقعد أيوا من منافسته الجمهورية آشلي هينسون.
كذلك خسرت السيناتورة الجمهورية سوزان كولينز مقعدها في ماين أمام الديمقراطي تروي جاكسون، بعد نحو ثلاثة عقود أمضتها في المجلس.
وحافظ الديمقراطيون على مقاعد مهمة، بينها جورجيا، حيث فاز جون أوسوف بولاية جديدة، ونيوهامبشر، حيث فاز كريس باباس، ليصبح أول رجل مثلي الجنس يُنتخب لعضوية مجلس الشيوخ الأميركي.
وفي ميشيغان، تغلّب الديمقراطي عبد الرحمن السيد، وهو من أصل عربي، على النائب الجمهوري السابق مايك روجرز، ليصبح أول مسلم يُنتخب لعضوية المجلس، رغم دعم النائبة الديمقراطية هايلي ستيفنز لمنافسه الجمهوري.
تقدّم يتجاوز السباقات الفدرالية
ولم تقتصر المكاسب الديمقراطية على مجلس الشيوخ، إذ انتزع الحزب أغلبية مجلس النواب، محققًا انتصارات في دوائر سبق أن صوّتت لترامب بفوارق مريحة قبل عامين.
ومن أبرز هذه النتائج فوز جاي دي فورد على النائبة الجمهورية فيكتوريا سبارتز في إنديانا، وانتزاع مقعد جمهوري في كارولينا الشمالية، إلى جانب مكاسب في بنسلفانيا وكنتاكي وأريزونا وويسكونسن ونيوجيرزي.
وفي فلوريدا، أظهرت النتائج أن إعادة رسم الدوائر الانتخابية لم تمنح الجمهوريين المكاسب التي كانوا يعوّلون عليها.
وامتد التقدّم الديمقراطي إلى انتخابات حكام الولايات، حيث فازت رئيسة بلدية أتلانتا السابقة كيشا لانس بوتومز بحكم جورجيا، منهية 24 عامًا من السيطرة الجمهورية على المنصب، ولتصبح أول امرأة سوداء تُنتخب حاكمة لولاية أميركية.
كما انتُخبت إيمي أكتون حاكمة لأوهايو، وفاز روب ساند في أيوا، فيما أطاحت جينا هينوهوسا بحاكم تكساس الجمهوري غريغ أبوت.
في المقابل، احتفظ الجمهوريون بانتصارات بارزة، بينها فوز بايرون دونالدز بمنصب حاكم فلوريدا، ليصبح أول حاكم من البشرة السمراء للولاية، واحتفاظ آشلي مودي بمقعدها في مجلس الشيوخ.
ترقّب روسي وتفاعل في الأسواق
وعلى المستوى الدولي، أعرب الكرملين عن أمله في ألا تؤثر نتائج الانتخابات على ما وصفه بـ"مساعي صنع السلام" التي يبذلها ترامب.
وقال المتحدث باسم الرئاسة الروسية دميتري بيسكوف إن موسكو تأمل ألا تنعكس التحولات في الكونغرس على هذه الجهود، فيما أكد نائب وزير الخارجية سيرغي ريابكوف ثبات توجهات بلاده.
ونقلت وكالة الإعلام الروسية عنه قوله: "خطنا المبدئي والثابت فيما يتعلق بأوكرانيا، وكذلك سياستنا الخارجية بشكل عام، لا يستند إلى اعتبارات قصيرة الأجل. وبطبيعة الحال، لا يعتمد على تقلبات البارومتر السياسي في البلدان الأخرى. وسنواصل عملنا وفق توجيهات رئيس روسيا".
اقتصاديًا، أفادت شبكة "سي إن إن" بارتفاع العقود الآجلة للأسهم الأميركية عقب فوز الديمقراطيين بالسيطرة على الكونغرس، فيما بقي فرز الأصوات متواصلًا في عدد من السباقات لتحديد الحجم النهائي لأغلبية الحزب في المجلسين.
التعليقات 0
كن أول من يعلق على هذا الخبر