الأردن أولاً.. والدولة قوية بأمنها ومتماسكة بشعبها
الكاتب: حمادة فراعنة
خطاب العرش السامي الذي ألقاه جلالة الملك عبدالله الثاني في افتتاح الدورة العادية الثالثة لمجلس الأمة العشرين، ليس مجرد خطاب دستوري لافتتاح دورة برلمانية جديدة، بل هو رسالة سياسية وطنية قومية متعددة الاتجاهات، تخاطب الأردنيين، وتضع مجلس الأمة والحكومة أمام مسؤولياتهما، تؤكد ثوابت السياسة الأردنية في الأمن والسيادة والقضية الفلسطينية، وتربط قوة الدولة بقدرتها على حماية المواطن وتحسين ظروف حياته.
القراءة المتأنية للخطاب تكشف أن رسالته الأساسية تقوم على معادلة واضحة: دولة قوية بأمنها، متماسكة بشعبها، عادلة، تعتمد على الدستور والقانون، ثابتة بمواقفها، قادرة على تحويل التوجيهات إلى إنجاز يلمسه المواطن.
أولاً: الأمن الوطني ووحدة الدولة.. لا مساومة على الأردن
جاء استهلال الخطاب بالحديث عن الإرهاب ودماء شهداء الكرك ليضع الأمن الوطني في مقدمة الأولويات، ويؤكد أن الدولة الأردنية لا تنظر إلى الاعتداءات الإرهابية بوصفها أحداثاً أمنية عابرة، بل باعتبارها محاولات لاختبار صلابة مؤسساتها، وإرادة شعبها.
اللافت في الخطاب أن جلالة الملك لم يحصر المواجهة في الجانب الأمني والعسكري، بل ربطها بوحدة الأسرة الأردنية، ووعي المواطن، وقدرته على التمييز بين الاختلاف المشروع وبين ما يستهدف أمن الوطن واستقراره.
وعندما يؤكد جلالته أن هؤلاء الإرهابيين خرجوا عن العائلة الأردنية، وخانوها، فالرسالة تتجاوز إدانة الجريمة إلى تثبيت حقيقة وطنية مفادها أن الانتماء للأردن مسؤولية وسلوك، وأن العنف والإرهاب لا يمكن أن يكونا طريقاً لتحقيق أي غاية سياسية مهما بدت أو تغلفت بدوافع فكرية تضليلية.
والتأكيد أن قوة الدولة لا تكتمل بالأمن وحده، بل تحتاج أيضاً إلى العدالة، وسيادة القانون، وحماية الحقوق، وتجفيف أسباب التطرف، وتعزيز الثقة بين المواطن ومؤسسات الدولة.
الرسالة الوطنية هنا: حماية الأردن مسؤولية مشتركة، يتقدم فيها دور الجيش العربي، والأجهزة الأمنية، ويساندهما وعي المواطن، وتماسك المجتمع، واحترام القانون.
ولا يجوز أن يتحول أي اعتداء إرهابي إلى ذريعة للتعميم على منطقة، أو عائلة، أو جماعة اجتماعية، فالمسؤولية تُحدَّد وفق الأدلة والتحقيق والقضاء، لا وفق الشائعات والانفعالات.
ثانياً: الجيش العربي والأجهزة الأمنية..
سـيـــاج الدولــــة وطمأنينـــة المواطـــن
أعاد الخطاب التأكيد على المكانة المركزية للقوات المسلحة الأردنية، والأجهزة الأمنية، بوصفها خط الدفاع عن سيادة الوطن وأمن مواطنيه، وهذا التأكيد يحمل دلالتين:
* دلالة مؤسسية، أن استقرار الأردن يستند إلى مؤسسات وطنية تقوم بواجباتها، وتتحمل مسؤولياتها في ظروف إقليمية معقدة.
* دلالة مجتمعية، أن الأمن حق لكل أردني، وأن تضحيات العسكريين ورجال الأمن تستحق التقدير من خلال المواقف والعمل، لا الاكتفاء بالكلمات.
كما أن ربط جلالة الملك بين يقظة الجنود، وطمأنينة أسرهم، وأبناء الوطن، يعيد الاعتبار إلى البعد الإنساني للتضحية العسكرية، فخلف كل جندي أسرة تنتظر، وخلف كل واجب وطني مسؤولية كبيرة.
والوفاء لهذه المؤسسات لا يكون بالشعارات وحدها، بل بدعمها ضمن القانون، ورفض الاعتداء على هيبتها، ومساءلة أي تجاوز وفق الأطر القانونية، حتى تبقى الثقة بها راسخة.
ثالثاً: القضية الفلسطينية.. ثابت أردني
لا يخضـــع لمعطيات الظــروف وتبدلاتهــا
الموقف من فلسطين ليس بنداً عابراً في الخطاب، بل هو جزء من تعريف الأردن لمصالحه الوطنية والقومية، ومسؤولياته.
ومن أبرز الرسائل السياسية في الخطاب تأكيد جلالة الملك أن الأمن والاستقرار في المنطقة لا يمكن أن يتحققا من دون تلبية حق الشعب الفلسطيني في أرضه. وهذه العبارة تربط القضية الفلسطينية بثلاثة أبعاد مترابطة:
* البعد الحقوقي: الشعب الفلسطيني صاحب حق في أرضه، ولا يمكن تجاوز حقوقه أو التعامل مع معاناته باعتبارها تفصيلاً هامشياً.
* البعد الأمني والاستراتيجي: استمرار الاحتلال والانتهاكات والتوسع يهدد استقرار المنطقة، ولا يحقق سلاماً قابلاً للاستمرار.
* البعد الأردني: الدفاع عن الحقوق الفلسطينية جزء من الموقف الوطني الأردني، وسياسات الدولة، وليس مجرد استجابة لضغط سياسي أو ظرف إقليمي طارئ.
والأكثر دلالة هو تسلسل العبارات الملكية: «لكن الشعوب لن تنسى»، ثم التأكيد أن الطغيان لا يمنح الشرعية، وأن الزمن لا يمحو الحقيقة، وأن الأردني لا يتراجع عن مبادئه.
هذا التسلسل يحمل رسالة سياسية مفادها أن امتلاك القوة لا يعني امتلاك الحق، وأن فرض الوقائع بالقوة لا يجعلها مشروعة لمجرد مرور الوقت.
وهنا تبرز أهمية التمييز بين السلام الحقيقي، والسلام الشكلي، فالسلام الذي يتجاهل حقوق الفلسطينيين، أو يتجاوز معاناة غزة، أو يتغاضى عن الاعتداءات في الضفة والقدس، يبقى سلاماً ناقص الأسس، والأركان، معرضاً للاهتزاز والانفجار.
كما أن الموقف الأردني من فلسطين يتصل بحماية المصالح الوطنية الأردنية، وفي مقدمتها رفض أي مشاريع تستهدف تصفية القضية الفلسطينية على حساب الأردن، أو تحويله إلى بديل عن الوطن الفلسطيني.
الخلاصة السياسية هي أن الأردن لا يفصل بين أمنه الوطني وضرورة التوصل إلى حل عادل للقضية الفلسطينية، لكنه في الوقت نفسه، يتمسك بسيادته ومصالحه ورفض تحميله تبعات سياسات لا يتحمل مسؤوليتها.
وإضافة إلى هذه الأولويات يحمل الخطاب رسالة إلى المجتمع الدولي: إن الاكتفاء بالتصريحات والمطالبات بوقف الانتهاكات لا يكفي، ما لم يتحول الموقف الدولي إلى خطوات عملية تحمي الحقوق وتمنع التوسع وتفتح الطريق أمام تسوية عادلة.
رابعاً: العروبة والامتداد الهاشمي.. استمرارية الموقف عبر الأجيال
عندما يقول جلالة الملك: «كما كان أبي من قبلي وسيكون ابني من بعدي»، فهو لا يستحضر تسلسل التراث الهاشمي لمجرد التعبير عن الاستمرارية التاريخية، بل يربط مسؤولية الجيل الحاضر بمسار سياسي ممتد، عنوانه التمسك بالعروبة والدفاع عن قضايا الأمة، من قبل الهاشميين.
وهنا تكمن أهمية هذا المعنى في أن السياسة الأردنية، وفق ما يعكسه الخطاب، لا تريد أن تكون رهينة التغيرات اليومية أو حسابات اللحظة، فهناك ثوابت يرى رأس الدولة الأردنية ضرورة الحفاظ عليها باعتبارها مسؤولية الدولة تجاه شعبها ومحيطها العربي.
خطاب الملك لا يتجاهل صعوبة الواقع، بل يعترف ضمناً ببعد المسافة بين الطموح إلى كلمة عربية موحدة، ومواقف مشتركة في مواجهة التحديات والانقسامات التي يعيشها عالمنا العربي، والحروب البينية التي تعصف به.
وهذا الاعتراف مهم، لأنه يميز بين التمسك بالمبدأ، وبين الادعاء أن تحقيقه سهل أو قريب، فالوحدة في المواقف العربية تحتاج إلى مصالح مشتركة، وتنسيق سياسي، وإرادة عملية، وقدرة على تجاوز الخلافات.
ومن المنظور الأردني، تعد قوة الدولة داخلياً، واستقرار مؤسساتها، وقدرتها الاقتصادية، عناصر ضرورية حتى تتمكن من أداء دورها العربي والدفاع عن قضاياها بثبات.
خامساً: مجلس الأمة.. اختبار الجدية في التحديث السياسي
ينتقل الخطاب من قضايا الأمن والسياسة الخارجية إلى جوهر الحياة الدستورية، مؤكداً أن مجلس الأمة ركن أساسي في الحياة السياسية، وأن الأمة مصدر السلطات.
هذه ليست عبارة بروتوكولية، إنها تضع أمام مجلسي الأعيان والنواب مسؤولية تتجاوز التشريع إلى تمثيل المواطنين والدفاع عن المصلحة العامة ومراقبة الأداء الحكومي.
والأهم أن جلالة الملك لم يكتفِ بالمطالبة بأداء نيابي جيد، بل وجّه رسالة واضحة بشأن السلوك والخطاب، حين أكد أن الأردنيين لا يحكمون على المجلس بالقوانين التي يصدرها فحسب، بل أيضاً بما يصدر عنه من مواقف وممارسات.
وهذا يعني أن صورة البرلمان لا تتشكل داخل قاعة الجلسات وحدها، وإنما تتشكل أيضاً من علاقته بالمواطن، ومدى استجابته لمشكلاته، وقدرته على ممارسة الرقابة دون استعراض أو تعطيل.
ماذا يعني ذلك للنواب؟.
أولاً: أن النائب ليس ممثلاً لمصلحته الشخصية أو لدائرته الانتخابية وحدها، بل هو جزء من مؤسسة وطنية مسؤولة عن مصالح الأردنيين جميعاً.
ثانياً: أن الاختلاف بين النواب ليس مشكلة في ذاته، بل يمكن أن يكون دليلاً على حيوية الحياة السياسية، شريطة ألا يتحول إلى خصومة شخصية، أو تبادل للمصالح، أو صراع على المواقع.
ثالثاً: أن الرقابة البرلمانية الحقيقية لا تُقاس بعدد الأسئلة والاستجوابات فقط، بل بقدرتها على كشف الخلل، وتصحيح السياسات، ومتابعة تنفيذ التوصيات، ومحاسبة المقصرين ضمن الأطر الدستورية.
رابعاً: أن احترام إرادة الناخبين يقتضي استقلال القرار النيابي، وأن تكون المنافسة على المواقع البرلمانية نابعة من إرادة النواب أنفسهم، في إطار الدستور والنظام الداخلي، لا من اعتبارات خارج الوظيفة الدستورية للمجلس.
والسؤال الذي يفرض نفسه هنا: هل ينجح مجلس الأمة في تحويل هذه التوجيهات إلى ممارسة يومية يشعر المواطن بنتائجها، أم تبقى الرسائل الملكية أقوى من الاستجابة السياسية لها؟.
الإجابة لن تكون في البيانات، بل في أداء المجلس خلال الدورة، والدورات النيابية.
سادساً: مصلحة الأردني أولا.. المعيار الحقيقي لنجاح الحكومة
ربما تكون عبارة «مصلحة الأردني يجب أن تكون في صلب كل قرار لا على هامشه» من أكثر العبارات اتصالاً بحياة المواطنين اليومية.
فالخطاب لا يعرّف التنمية باعتبارها أرقاماً اقتصادية أو مشاريع معلنة فحسب، بل يربطها بما يلمسه المواطن في معيشته وفرصه وتعليمه وعلاجه ومستقبل أبنائه.
وهنا يظهر الفارق بين التنمية باعتبارها خطاباً رسمياً، والتنمية باعتبارها نتيجة اجتماعية واقتصادية.
فالمواطن لا يقيس نجاح السياسات بعدد الاجتماعات أو الاتفاقيات أو الإعلانات، وإنما يسأل:
* هل تحسنت قدرته على تلبية احتياجات أسرته؟.
* هل ازدادت فرص الشباب في الحصول على عمل كريم؟.
* هل أصبح الوصول إلى العلاج والتعليم الجيد أكثر سهولة؟.
* هل تراجعت الأعباء التي تثقل كاهل الأسر؟.
* هل يشعر المواطن أن فرصه في الحياة لا تتوقف على الواسطة أو النفوذ؟.
وهذا لا يعني التقليل من أهمية المؤشرات الاقتصادية أو المشاريع الاستراتيجية، بل يعني أن قيمتها النهائية تُقاس بقدرتها على خلق فرص العمل، وتحسين الخدمات، ورفع الإنتاجية، وتوزيع ثمار النمو بصورة أوسع وأكثر عدالة.
سابعاً: التحديث الاقتصادي والمشاريع الكبرى.. من التوجيه إلى التنفيذ
دعا جلالة الملك الحكومة إلى تسريع إنجاز المشاريع الكبرى الهادفة إلى تعزيز الاقتصاد الوطني، والبناء على الدور المحوري للأردن في الإقليم.
وهذه الدعوة تحمل في طياتها رسالة إدارية واقتصادية واضحة: لا يكفي أن تكون المشاريع مدرجة في الخطط، بل ينبغي أن تنتقل إلى التنفيذ وفق جداول زمنية واضحة، وأن تخضع للمتابعة والتقييم.
ومن منظور اقتصادي، يمكن قياس نجاح هذه المشاريع من خلال مجموعة من المعايير:
* سرعة التنفيذ: الالتزام بالجداول الزمنية، ومعالجة أسباب التأخير بوضوح.
* الأثر التشغيلي: عدد فرص العمل المستدامة التي تخلقها، ونوعية هذه الفرص.
* القيمة الوطنية المضافة: مدى استفادة الشركات والعمالة والخبرات الأردنية منها.
* الجدوى المالية: التوازن بين كلفة المشروع ومنافعه الاقتصادية والاجتماعية.
* الشفافية والمساءلة: وضوح العقود والإنفاق ومؤشرات الإنجاز وفق القوانين والضوابط المعمول بها.
وأن تكون المشاريع الكبرى مكملة لدعم المنشآت الصغيرة والمتوسطة، وتمكين الشباب، وتعزيز بيئة الاستثمار.
إن دعوة الملك إلى التسريع في التنفيذ، تضع الحكومة أمام مسؤولية مزدوجة: الإنجاز في الوقت المناسب، وضمان أن يكون الإنجاز ذا أثر اقتصادي حقيقي.
ثامناً: الأمن المائي.. قضية سيادة لا مجرد خدمة
لم يكن تكرار كلمة «المياه» ثلاث مرات تفصيلاً بلاغياً، بل جاء ليمنح الأمن المائي مكانة استثنائية في الخطاب، فالأردن يواجه تحديات مائية بنيوية، تجعل إدارة الموارد وتأمين الإمدادات والاستثمار في البنية التحتية مسائل مرتبطة بالأمن الوطني والتنمية والاستقرار الاجتماعي.
والدلالة الأعمق في قول جلالة الملك إن ظمأ الأردنيين لا يجوز أن يكون رهينة لأي ظرف، بل إن توفير المياه يجب أن يكون هدفاً استراتيجياً طويل الأمد، لا استجابة مؤقتة للأزمات.
وهذا يفرض العمل في مسارات متكاملة:
* إنجاز مشاريع التزويد والنقل والتخزين المائي وفق خطط واضحة.
* تقليل فاقد المياه ومعالجة الاعتداءات على الشبكات.
* حماية مصادر المياه الجوفية والسطحية من الاستنزاف والتلوث.
* التوسع في المعالجة وإعادة الاستخدام حيثما كان ذلك آمناً ومناسباً.
* تعزيز كفاءة الاستخدام في الزراعة والصناعة والمنازل.
* نشر معلومات دورية عن تقدم المشاريع وكلفها والنتائج المتحققة.
كما أن الأمن المائي يتطلب تخطيطاً يأخذ في الحسبان النمو السكاني، والتغير المناخي، والطلب المتزايد، واحتياجات الأجيال القادمة.
الماء ليس ملفاً خدمياً منفصلاً عن السياسة والاقتصاد، إنه أحد الشروط الأساسية لاستمرار الحياة والإنتاج والاستقرار.
ولهذا فإن نجاح الحكومة في هذا الملف سيكون من أبرز المؤشرات على قدرتها على تنفيذ التوجيهات الملكية في القضايا الاستراتيجية.
تاسعاً: سيادة القانون ومساءلة
أصحاب المناصب.. الرسالة الأشد وضوحاً
يقول جلالة الملك: «القانون لا يعرف اسماً، ولا منصباً، ولا نفوذاً».
هذه العبارة تختصر مبدأ أساسياً في بناء الدولة الحديثة: لا يجوز أن تمنح المكانة الاجتماعية، أو الوظيفة العامة، أو النفوذ السياسي، صاحبه حصانة من المساءلة القانونية.
الخطاب هنا لا يكتفي بالدعوة إلى النزاهة، بل يرفض الفهم الخاطئ للوظيفة العامة، باعتبارها تشريفاً يمنح صاحبها مكانة فوق المواطنين، فالوظيفة تكليف، وأساس مشروعيتها خدمة الناس، وحماية المال العام، وتنفيذ القانون.
ترجمة هذا المبدأ إلى واقع تتطلب منظومة عمل واضحة، تشمل تعزيز:
* تطبيق القانون على الجميع دون انتقائية.
* التحقيق المهني في شبهات الفساد أو إساءة استخدام السلطة.
* احترام قرينة البراءة وحقوق الدفاع والإجراءات القضائية.
* حماية المال العام وتعزيز الرقابة على الإنفاق.
* ربط المسؤولية بالمحاسبة والنتائج.
* حماية المبلّغين عن المخالفات وفق القانون.
ومن الضروري التمييز بين اتهام شخص وبين ثبوت مسؤوليته، فالمحاسبة الحقيقية لا تعني التشهير، كما أن احترام حقوق المتهم لا يعني تعطيل التحقيق، أو التساهل مع المخالفات.
وهذا المبدأ يخدم الدولة والمواطن معاً، لأن العدالة التي تطبق على الجميع تعزز الثقة بالمؤسسات، وتقلل الشعور بالتمييز، وتمنح القانون مكانته فوق الاعتبارات الشخصية.
المطلوب بناء ثقافة مؤسسية لا تسمح بإهدار الحقوق أو استغلال المنصب، وتضمن المحاسبة وفق القانون.
عاشراً: حرية الرأي.. مسؤولية وطنية لا منّة من أحد
في ختام الخطاب، أكد جلالة الملك أن التداول بالشأن العام حق مشروع يصونه الدستور، وأن الوطن يتسع لكل رأي مخلص ومسؤول.
وهذه رسالة مهمة في توقيت تتداخل فيه النقاشات السياسية، والاجتماعية، مع وسائل التواصل والمنصات الرقمية، وتتسارع فيه الشائعات والمواقف المتشنجة.
فالخطاب يثبت مبدأين ينبغي ألا ينفصل أحدهما عن الآخر:
الأول: حق المواطن في التعبير والنقاش والمشاركة في الشأن العام.
الثاني: مسؤولية المواطن عن أسلوب التعبير، واحترام الاختلاف، وعدم تحويل النقد إلى إساءة أو اتهام بلا دليل.
ولا تعني المسؤولية إسكات النقد أو اشتراط موافقة المواطن على كل قرار، بل تعني أن يكون النقد مبنياً على الوقائع والحجج، وأن تُتاح مساحة حقيقية لمناقشة السياسات العامة ومساءلة المسؤولين.
كما أن احترام الدولة لا يتعارض مع نقد أداء الحكومة، والاعتزاز بالوطن لا يعني تجاهل مشكلات المواطنين. بل إن النقد المسؤول قد يكون أحد أشكال الحرص على الدولة وحماية مصالحها.
ومن هنا، فإن الدعوة الملكية إلى احترام أدب الاختلاف ينبغي أن تُفهم باعتبارها التزاماً متبادلاً: المواطن يعبّر بمسؤولية، والمؤسسات تصغي إلى النقد الجاد وتتعامل معه بجدية.
حادي عشر: الرسائل الموجهة إلى الحكومة ومجلس الأمة معاً
إذا قرأنا الخطاب كوحدة سياسية متكاملة، يمكن استخلاص مجموعة من الالتزامات العملية التي لا ينبغي أن تضيع بين تفاصيل الحياة اليومية:
أن يكون المواطن محور القرار، والتحسن الملموس في المعيشة والخدمات والفرص. وتكتسب هذه الرسائل قيمتها من أنها تجمع بين الملفات الاستراتيجية والاحتياجات اليومية، وتربط بين هيبة الدولة وجودة أدائها، وبين الاستقرار السياسي والتنمية الاقتصادية.
ثاني عشر: ما الذي لم يقله الخطاب
صراحة، لكنه يفرض نفسه على النقاش الوطني؟
من المهم التمييز بين ما ورد نصاً في الخطاب وبين ما نستنتجه تحليلياً منه. فالخطاب لم يقدم جدولاً تفصيلياً لكل مشروع، ولم يحدد مواعيد نهائية لإنجاز كل ملف، ولم يعلن مؤشرات رقمية لقياس تحسن المعيشة.
لكن هذا يجعل الخطوة التالية أكثر أهمية.
1. من المسؤول عن التنفيذ؟.
ينبغي أن تتحول التوجيهات العامة إلى مسؤوليات محددة داخل الوزارات والمؤسسات، بحيث يعرف المواطن الجهة المسؤولة عن كل ملف، ومراحل الإنجاز، وأسباب أي تأخير.
2. كيف سيُقاس التحسن؟.
في الاقتصاد، يجب أن ينعكس النمو كأثر ملموس في فرص العمل والدخل والإنتاجية، وفي المياه، وفي سيادة القانون، لا يكفي تأكيد المساواة إذا لم يلمس الناس عدالة الإجراءات وتطبيقها.
3. ما دور البرلمان في المتابعة؟.
على مجلس الأمة أن يتعامل مع الخطاب باعتباره أساساً لممارسة دوره الدستوري، لا مناسبة لإصدار رد تقليدي ثم العودة إلى جدول الأعمال المعتاد.
4. كيف تُحفظ الثقة العامة؟.
الثقة لا تُبنى على مطالبة المواطنين بالصبر وحده، وإنما على وضوح المعلومات، والإنجاز، والاعتراف بالمشكلات، ومعالجة أوجه القصور.
وهنا تظهر أهمية الرقابة البرلمانية والإعلام المهني والمشاركة العامة بوصفها أدوات تساعد الدولة على اكتشاف الخلل وتصحيحه.
ثالث عشر: التقييم السياسي العام للخطاب
يمكن تلخيص التحليل السياسي للخطاب في الأبعاد الرئيسية التالية:
* البعد السيادي والأمني: تثبيت أمن الأردن ووحدته، ورفض الإرهاب، والتأكيد على دور المؤسسات العسكرية والأمنية.
*البعد السياسي والدستوري: تأكيد دور مجلس الأمة، وأهمية الرقابة، وحق المشاركة في الشأن العام، وسيادة القانون.
* البعد العربي والاستراتيجي: التمسك بالقضية الفلسطينية، ورفض الأطماع التوسعية، وربط استقرار المنطقة بتحقيق الحقوق الفلسطينية.
* البعد الاقتصادي والخدمي: جعل المواطن محور التنمية، وتسريع المشاريع الكبرى، ووضع الأمن المائي في صدارة الأولويات.
أما التحدي الأبرز، فهو أن الخطاب يرفع سقف التوقعات من الأداء الحكومي والبرلماني. فكلما كانت الرسائل واضحة، ازدادت الحاجة إلى متابعة نتائجها ومقارنة ما تحقق بما وُجّه به.
ولا يمكن الجزم بأن جميع الملفات ستشهد تحسناً تلقائياً، إذ يتوقف ذلك على التنفيذ، والموارد المتاحة، وجودة الإدارة، والتعاون بين السلطات، والظروف الإقليمية والاقتصادية. وهذا هو الفارق بين قراءة خطاب سياسي بوصفه إعلاناً للمواقف، وقراءته بوصفه بداية لاختبار الأداء.