أكثر من 240 حالة طلاق يوميا… ورجال قانون يدعون إلى آليّات أكثر ردعا
المحامي صالح طواهري: ضعف جلسات الصلح بالمحاكم… وضرورة تفعيل آليات صلح الأعيان واللجان المسجدية
تشهد حالات الطلاق والخلع مؤخرا، تزايدا ملحوظا بحسب مختصين في القانون ومحامين، مؤكدين أن بعض أسبابه تكاد تكون غالبا تافهة، ومع ذلك تجر أسرا نحو التفكك وتهوي بأبناء إلى قاع التشرد والضياع، ما جعلهم يدقون ناقوس الخطر بشأن الظاهرة، ويدعون مختلف الفاعلين إلى التدخل قبل فوات الأوان.
إن الأسرة هي اللبنة الأولى والملاذ الآمن لبناء مجتمع متماسك وقوي، وقد أولاها الشرع الحنيف والرعاية التشريعية عناية خاصة باعتبارها ميثاقا غليظا وقواما للمجتمع. إلا أن الواقع القضائي الذي يعيشه يوميا رجال القانون في أروقة المحاكم والمجالس القضائية، يكشف، بحسبهم، عن تحول خطير يهدد الاستقرار الاجتماعي في الجزائر، ويكمن في التفشي الرهيب لظاهرة فك الرابطة الزوجية بالطلاق والخلع لأسباب بات يغلب عليها التسرع والانفعال وعدم تقدير طهارة هذا الميثاق.
وفي هذا الصدد، يعتبر المحامي لدى المحاكم والمجالس القضائية، طواهري صالح في تصريح لـ”الشروق”، أن الشرع جعل الرابطة الزوجية ميثاقا غليظا وأعطى للصلح مكانة عظيمة.
ولم يجعل الإسلام الطلاق أو الخلع خيارا أولا أو حل سهلاً، بل وضعه في درجة الضرورة القصوى بعد استيفاء كافة سبل الإصلاح، مستحضرين قوله- صلى الله عليه وسلم: “أبْغَضُ الْحَلاَلِ إِلَى اللَّهِ الطَّلاَقُ”.
وقال صالح طواهري بأنه حين تشوب العلاقةَ الزوجيةَ خلافاتٌ، أمر القرآن الكريم بتقديم الصلح المجتمعي والأهلي قبل اللجوء للنزاع القضائي.
42 % من الحالات هي طلاق بإرادة الزوج
ولكن بحسب الواقع الرقمي والقانوني للظاهرة في الجزائر منذ عام 2020، يكشف المحامي أن الإحصائيات الرسمية والمستقاة من النشاط القضائي، تظهر “صعودا مقلقا في قضايا فك الرابطة الزوجية، حيث تشير البيانات إلى تجاوز حالات الطلاق بكافة أنواعه والخلع حاجز 90،000 حالة سنويا في السنوات الأخيرة، بمعدل يصل إلى أكثر من 240 حالة طلاق يوميا”.
وأظهرت المعطيات التحليلية لقضايا الأحوال الشخصية تفاوتا كبيرا في أسباب وروافد هذا الارتفاع، فالطلاق بالإرادة المنفردة للزوج، يستحوذ على النسبة الأكبر حوالي 42% من القضايا. تليه قضايا الخلع، والتي شهدت هي الأخرى قفزة نوعية لتمثل نحو 27% من مجمل أحكام فك الرابطة الزوجية.
وقال إنه مع إقرارنا بالحقوق التي كفلها قانون الأسرة الجزائري (الأمر 05-02 المعدل والمتمم للقانون 84-11)، لاسيما المواد من 48 إلى 54 التي تنظم الطلاق والتطليق والخلع، إلا أن الواقع التطبيقي “يكشف عن سوء استعمال لهذه الحقوق وإخلال بمقاصدها الشريفة، حيث تحولت عبارات الطلاق أو طلبات الخلع إلى ردود أفعال سريعة لأسباب بسيطة كخلافات التواصل الاجتماعي، أو الضغوط المادية العابرة، أو تدخلات الأقارب” على حد قوله.
تنظيم أوقات الزيارة والحق في ممارستها… أكبر المشاكل
ويعتبر الأطفال، بحسب المحامي طواهري صالح، الضحية الأول والأكبر لهذه القرارات المتسرعة، فالطلاق لا ينهي شقاق الزوجين فقط، بل يقتطع من حياة الطفل أمنه النفسي والاجتماعي.
قائلا، إنه رغم تنظيم قانون الأسرة لمسألة الحضانة (المادة 64 وما يليها) والنفقة وممارسة السلطة الأبوية، إلا أن النزاعات القضائية المتواصلة بعد الطلاق حول تحديد قيمة النفقة وتنفيذها، تنظيم أوقات الزيارة والحق في ممارستها، الصراع حول إسقاط الحضانة أو نقلها، “وهذا كله ينشئ بيئة مشحونة تصيب الطفل باضطرابات نفسية وسلوكية، وتجعله عرضة للتسرب المدرسي والضياع الأسري، ليكون دفع الفاتورة الاجتماعية مستقبلاً حسرة على المجتمع بأكمله.”
ويتأسف محدثنا، لما اعتبره “ضعف جلسات الصلح بالمحاكم”، داعيا إلى ضرورة تفعيل آليات صلح الأعيان واللجان المسجدية.
وقال بأن التشريع الجزائري ينص في المادة 49 من قانون الأسرة “على وجوب قيام القاضي بمحاولة الصلح بين الزوجين، وتكرارها عند الاقتضاء”، غير أن الممارسة القضائية الواقعية أثبتت أن جلسات الصلح داخل المحاكم أصبحت في كثير من الأحيان “شكليات إجرائية سريعة تخلو من الروح الاحتوائية، نظراً للاكتظاظ الكثيف الذي تشهده أقسام شؤون الأسرة وثقل كاهل السادة القضاة بآلاف القضايا” على حد وصفه.
مضيفا، حتى تكون محاولة الصلح جادة وفعالة، يجب ألا تقتصر على محضر صلح شكلي أمام القاضي، بل ينبغي مراجعة المنظومة الوقائية من خلال إلزامية الصلح الأهلي والمجتمعي قبل التقاضي، كشرط شكلي أو إجراء تحضيري مسبق لرفع الدعوى، عملاً بالآية الكريمة “فَابْعَثُوا حَكَمًا مِّنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِّنْ أَهْلِهَا”.
إشراك النفسانيين في الصلح
تفعيل دور اللجان المسجدية وأعيان الأحياء، إعطاء صلاحيات ووساطات معتمدة للجان الصلح على مستوى المساجد والأعيان المشهود لهم بالصلح والاستقامة، لرفع تقارير مساعي الصلح للمحكمة. وتأسيس مراكز الوساطة والإرشاد الأسري، من خلال إشراك أخصائيين نفسيين واجتماعيين للجلوس مع الطرفين قبل السير في إجراءات الفصل في الدعوى.
ومن كل ما سبق، يدعو المحامي إلى الحفاظ على كينونة الأسرة الجزائرية، وجعلها مسؤولية جماعية تشترك فيها المؤسسات القضائية، والدينية، والتربوية، والإعلامية. “وإننا كممارسين قانونيين نهيب بالجميع ضرورة التريث والتعقل قبل الاتجاه إلى أبواب المحاكم لفك الميثاق الغليظ، ونطالب بإصلاحات إجرائية تعطي للصلح قدره ومكانته الحقيقية حمايةً لأبنائنا ولمستقبل وطننا”.
وتعتبر مسألة الحدّ من نسب الطلاق والخلع من أهم القضايا التي يسعى قانون الأسرة والتشريعات المقارنة في الفقه الإسلامي والقوانين العربية إلى معالجتها، من خلال فرض آليات قانونية وإجرائية تهدف إلى صيانة ميثاق الزوجية ومنح فرص حقيقية للصلح قبل إقرار الفراق النهائي.
ويعدد المحامي، أهم الحلول القانونية والإجرائية الدقيقة على مستوى قانون الأسرة لتخفيف حالات الطلاق والخلع، ومنها، تفعيل وتطوير آلية الصلح القضائي، إلزامية جلسات الصلح وتعددها، من خلال عدم الاكتفاء بجلسة صلح واحدة شكلية، بل فرض عدد محدد من جلسات الصلح مثلاً 3 جلسات تفصل بينها مدد زمنية معقولة، لإعطاء الطرفين فرصة للمراجعة والتفكير.
استحداث “مكاتب الوساطة والتوفيق الأسري”
ودعا محدثنا، إلى إسناد الصلح لمختصين نفسيين واجتماعيين، من خلال استحداث “مكاتب الوساطة والتوفيق الأسري” داخل المحاكم تتكون من أخصائيين نفسيين واجتماعيين وشرعيين لدراسة أسباب الخلاف وتوفير استشارات متخصصة قبل إحالة الملف إلى القاضي.
مع إلزامية حكم الحكمين من أهل الزوج وأهل الزوجة، علاوة عن تنظيم وإعادة ضبط إجراءات الخلع.
ويرى المحامي ضرورة التفريق بين الخلع التعسفي والخلع بضرر، بحيث يجب اشتراط تقديم أسباب موضوعية أو اللجوء للتحكيم الأسري قبل قبول طلب الخلع، لتجنب القرارات الانفعالية أو السريعة، مع إعادة تقدير مقابل الخلع، بجعل بدل الخلع يخضع لتقدير القاضي بناءً على الضرر، أو مراعاة التكاليف الفعلية التي تحمّلها الزوج (كالمهر والتأسيس)، للحد من استغلال الخلع دون مبررات قوية.
وأيضا منح مهلة للتراجع في الخلع، عن طريق إتاحة مهلة قانونية مفسحة (فترة انتظار أو مهلة تفكير) يُسمح فيها للزوجين بالتراجع عن الخلع والتصالح قبل صدور الحكم النهائي. وأخيرا التأهيل الزواجي المسبق (اشتراطات قبل عقد الزواج).
وتعتبر إلزامية دورات التأهيل الأسري، مهمة جدا بحسب رجل القانون، ولذا لابد بحسبه من اشتراط شهادة تدريبية أو دورة تأهيلية في الثقافة الأسرية وإدارة الخلافات المالية والنفسية كشرط لإتمام عقد الزواج أسوة بالشهادة الطبية للزواج، مع إدراج الشروط الخاصة في العقد، من خلال تشجيع وتطوير تدوين “الشروط المتبادلة” في عقد الزواج بكل شفافية مثل السكن، العمل، الشؤون المالية، لتقليل النزاعات المستقبليّة التي تؤدي للطلاق.
تشديد التعويض عن الطلاق الإرادي
كما يرى محدثنا ضرورة تشديد الآثار المالية والردع القانوني للطلاق التعسفي، من خلال تشديد التعويض عن الطلاق الإرادي المنفرد (دون سبب)، ورفع قيمة التعويض عن الضرر الناتج عن الطلاق التعسفي لحماية الطرف المتضرر ولردع القرارات المتسرعة.
وأيضا التشديد في التزامات النفقة والسكن، من خلال تفعيل آليات صندوق ضمان النفقة وصارمة التنفيذ الزجري ضد المتخلفين عن دفع النفقة، مما يوضح المسؤولية المالية الجسيمة المترتبة على الفراق ويجعل قرار إنهاء العلاقة مدروساً بعناية.
وأخيرا تبسيط ممارسات الوساطة الأسرية المستقلة، ومنها الوساطة الودية التمهيدية، بإعطاء الصلاحية للمؤسسات المجتمعية والجمعيات الأهلية المعتمدة لإجراء محاولات صلح وتوثيقها رسمياً قبل رفع الدعوى أمام القضاء.
وعقد جلسات سرية للوساطة، لضمان السرية التامة للمعلومات التي تُقال خلال جلسات الصلح والوساطة حتى لا تُستخدم كأدلة ضد أي طرف في حال فشل الصلح واللجوء للقضاء.
والخلاصة، بحسب المحامي صالح طواهري، أن تخفيف الطلاق والخلع لا يتحقق فقط بالمناصحة، بل “بتحويل إجراءات الصلح من مجرد إجراء شكلي إلى مسار علاج نفسي واجتماعي وقانوني ملزم يسبق صدور الحكم القضائي”.