القصر
العالم العربي

افتتاح أكاديمية يهودية في فرانكفورت .. وطموح أن تكون "علامة فارقة"

محرر العالم العربي 4 6 دقائق قراءة

"يجب التصدي للكراهية بالتعليم، بالتعليم ثم بالتعليم". بهذه الرسالة افتتح  يوسف شوستر، رئيس المجلس المركزي لليهود في ألمانيا، كلمته بمناسبة افتتاح الأكاديمية اليهودية في مدينة فرانكفورت الألمانية. غير أن الكلمة لم تكن احتفالية فحسب، بل حملت أيضاً نبرة تحذير وقلق.

هنالك شعور بأن شوستر، الذي يتولى رئاسة المجلس المركزي لليهود في ألمانيا منذ اثني عشر عامًا، قد سئم من العبارات السياسية الجوفاء ومواعظ الأحد الرنانة حول موضوع معاداة السامية في ألمانيا. ويقول شوستر: "من يدعي أن كراهية اليهود لا مكان لها في ألمانيا، يُنكر الواقع. لقد استولت الكراهية على هذا المكان منذ فترة طويلة".

الحياة اليهودية في ألمانيا مهددة

وهكذا، خيّمت على حفل افتتاح الأكاديمية أجواء من القلق والجدية إلى جانب شعور واضح بالإصرار. فقد قال شوستر إن هذا الصرح يمثل تجسيداً لـ "طموحنا، كمجتمع يهودي، في أن نكون في وطننا هنا في ألمانيا"، ووصف الأكاديمية بأنها "علامةً فارقة". وأضاف أيضًا أن "الحياة اليهودية في ألمانيا تتعرض لتهديد لم تشهد مثله منذ المحرقةالنازية، التي تعد جريمة ضد الإنسانية".

وتحدّث شوستر، ومن بعده أيضًا الرئيس الألماني فرانك فالتر شتاينماير، بشكل خاص حول قضايا السياسة الحالية. وفي هذا الصدد قال شوستر: "الأحزاب التي وجدت فيها معاداة السامية مكانًا لها، باتت تستعد الآن لتشكيل حكومات في بعض الولايات ألمانية". ومن الواضح أنه يشير بذلك إلى احتمال أن يصبح في المستقبل رئيس وزراء ولاية ساكسونيا-أنهالت من حزب البديل من أجل ألمانيا (AfD)، بعد فوزه في انتخابات الولاية كأكبر قوة سياسية بفارق كبير، مع أنه مصنّف من قبل مكتب حماية الدستور هناك كحزب يميني متطرف. ويشير أيضًا إلى محاولة تشكيل حكومة ائتلافية "حمراء-حمراء-خضراء" في ولاية برلين بقيادة حزب اليسار وتضم الحزب الاشتراكي الديمقراطي و حزب الخضر.

ومن جانبه تحدّث الرئيس شتاينماير حول "حاضر مضطرب ومثير للقلق وخطير أيضًا" بالنسبة للمجتمع اليهودي في ألمانيا. وعبر عن "توقع واضح" من جميع الأحزاب السياسية قائلًا: "في الصراع على السلطة، لا يجوز أبدًا أن تتحول حماية الحياة اليهودية في ألمانيا إلى ورقة للتفاوض السياسي. ولا يجوز أبدًا التشكيك في التصدي المباشر والموثوق والواضح لمعاداة السامية". وأضاف أن هذا ينطبق على الجميع "من قيادة الحزب وحتى قاعدته وأنصاره".

كما قال شتاينماير إن معاداة السامية يجب "التصدي لها تمامًا ومن دون تحفظات"، ومحاربتها سياسيًا أيضًا. وأضاف أن "هذا يجب أن يكون شرطًا حيث يجري التفاوض على الائتلافات وتشكيل الحكومات. ومعاداة السامية يجب ألا يكون لها أي تأثير على العمل الحكومي في أي مكان في ألمانيا". لا يمكن لرئيس اتحادي أن يكون أكثر وضوحًا في وقت تجري فيه محادثات حزبية على مستوى الولايات.

وكذلك تحدث شتاينماير حول الانتقادات الموجهة لسياسات إسرائيل وأدان كراهية اليهود، التي "تتخفى في صورة نقد أو احتجاج، أو كموقف سياسي تجاه الصراع في الشرق الأوسط". وأكد أن التمييز بين النقد والكراهية يمكن بسهولة. وقال عندما يُعبِّر "أصدقاء إسرائيل عن قلقهم إزاء الوضع الكارثي المستمر في قطاع غزة، أو ينتقدون الأنشطة الاستيطانية في الضفة الغربية"، فإن ذلك يعتبر جزءًا من النقاش الديمقراطي. ولكن من يستغل هذا النقد من أجل "إنكار حق دولة إسرائيل في الوجود أو للدعوة إلى العنف، يتجاوز بذلك الخط الفاصل نحو كراهية اليهود".

مواجهة الكراهية بالتعليم

تعتبر الأكاديمية اليهودية في فرانكفورت مشروعًا فريدًا من نوعه في أوروبا، وتهدف إلى ربط طموح مكافحة الكراهية بالتعليم بفترات ازدهار الحياة الفكرية اليهودية.

لقد اختار المجلس المركزي لليهود في ألمانيا مدينة فرانكفورت عن قصد كمقر لهذه الأكاديمية. وذلك لأن فرانكفورت الواقعة على نهر الماين تعد اليوم إلى جانب برلين وميونيخ ودوسلدورف واحدة من أهم مراكز الحياة اليهودية في ألمانيا.

ويبعد مبنى الأكاديمية نحو عشر دقائق سيرًا على الأقدام عن الكنيس اليهودي في منطقة فيست إند. وتشاهد في الجهة المقابلة أرض معرض فرانكفورت مع قاعة الاحتفالات، التي استخدمها النازيون في عام 1938 لجمع الرجال اليهود ونقلهم من هناك إلى معسكرات الاعتقال.

ويشير اختيار هذا الموقع إلى الأهمية التاريخية الكبيرة التي تحظى بها مدينة فرانكفورت بالنسبة للمجتمع اليهودي وإلى أهمية الحياة اليهودية في تاريخ فرانكفورت. فهنا في فرانكفورت تأسس في عام 1950 المجلس المركزي لليهود في ألمانيا، الذي انتقل مقره اليوم إلى برلين. وهنا في فرارنكفورت يقع مقر الرعاية الاجتماعية لليهود. وكذلك يعد المتحف اليهودي الذي افتُتح هناك في عام 1988 الأهم من نوعه على مستوى ألمانيا.

ولكن قبل كل شيء، يمثل المفكرون اليهود جزءًا من التاريخ الفكري والأكاديمي لمدينة فرانكفورت. فقد ساهم يهود فرانكفورت في تأسيس جامعة غوته. ومن مساهماتهم أيضًا إنشاء دار التعليم اليهودي، التي تأسست في عام 1920 وحققت نجاحًا سريعًا، ويرتبط اسمها بالفيلسوف فرانز روزنتسفايغ (1886-1929)، وقد أغلقها النازيون في عام 1938.

مكان للحوار

وكذلك تحدث شتاينماير بإسهاب حول روزنتسفايغ ومفهومه لدار التعلم اليهودي. وقال إن "هذا المكان الخاص بالمعرفة والحوار كان مصدر أمل، شيئًا مثيرًا وجديدًا". كما تناول الرئيس الألماني موضوع المحرقة، أي جريمة قتل ستة ملايين يهودي ويهودية، و"خطة الإبادة" التي استهدفت أيضًا عالم التعلم والمعرفة اليهودي.

يقع مبنى الأكاديمية في منطقة فيست إند بفرانكفورت، التي تتميز بناطحات سحاب، ويجمع بين تقاليد فيلا تاريخية عمرها نحو 110 أعوام وتعود إلى ما تسمى بـ"فترة التأسيس" في القرن التاسع عشر، وبين مبنى جديد مكون من أربعة طوابق. ويبدو المبنى شبه شفاف بفضل وجود العديد من المساحات الزجاجية فيه، وهو يتلاعب قليلًا بالخطوط الهندسية. ويمزج بين القديم والجديد، وبين التاريخ والحداثة.

وحول ذلك قالت زابينا دونات، مديرة الأكاديمية، لـDW: "نحن نعتبر أكاديميتنا مكانًا يُناقش فيه الماضي والحاضر والمستقبل بشكل متساو".

وقبيل حفل الافتتاح تم وضع "مزوزاه" عند مدخل الأكاديمية. والمزوزاه هي لفافةٌ تضم نصوصا من التوراة، تُوضع داخل حافظة صغيرة تُثبَّت على قوائم أبواب المنازل اليهودية تذكيرًا بالإيمان والوصايا الدينية. وفي حين تعتبر المزوزاه مهمة جدًا وذات دلالة رمزية في أي بيت يهودي، يوجد شيء آخر له أهمية وجودية في مبنى الأكاديمية الجديد في فرانكفورت هو التدابير الأمنية.

وتقول دونات إن "اضطرار المؤسسات اليهودية إلى الخضوع للحراسة يمثل واقعًا مريرًا". وتضيف أن الأكاديمية تخضع للحماية، تمامًا كما يجب حماية المدارس والمعابد اليهودية في ألمانيا: "بالنسبة لنا هذا جزء من حياتنا اليومية الحزينة".

بلغت تكاليف البناء نحو 40 مليون يورو تحمل نصفها المجلس المركزي لليهود في ألمانيا من جهة والحكومة الاتحادية والولايات الألمانية نصفها الآخر، وكانت أعلى بكثير مما تم حسابه عند وضع حجر الأساس في عام 2021، وذلك بسبب الإجراءات الأمنية المتخذة في بناء المشروع.

وترى دونات وزميلها في الإدارة، دورون كيزل هذه الأكاديمية باعتبارها "نقطة التقاء بين العلم وجمهور عريض"، وكذلك باعتبارها "دارًا لأهل المعرفة وللسائلين". وتقول إن الأكاديمية يجب أن تركّز على موضوعات فلسفية دينية وأخلاقية، بالإضافة إلى نقاشات منهجية حول واقع الحياة اليهودية في الوقت الراهن. وفي هذا الصدد قال كيزل لـDW: "نحن نريد أن نظهر كيف يعيش اليهود اليوم ومدى تنوُّع الحياة اليهودية. فمن الخطأ تماماً الحديث عن اليهود ككتلة واحدة، أو عن الفكر اليهودي كنمطٍ موحد".

ويوم الثلاثاء (الثالث من تشرين الثاني/نوفمبر) قدّمت الأكاديمية اليهودية نفسها للجمهور بسلسلة من الفعاليات، التي توجب التسجيل مسبقًا لحضورها. وأقيمت أول ندوة حوارية في الأكاديمية بعنوان: "بيتٌ للمستقبل - رؤى يهودية للغد". وما من شك في أن الغد يبقى في الوقت الراهن غدًا محفوفاً بالمخاوف والقلق.

أعده للعربية: رائد الباش

اقرأ النسخة الكاملة