انتقلت المواجهة على حكم إسرائيل، بعد انتخابات 27 أكتوبر/تشرين الأول 2026، من صناديق الاقتراع إلى مؤسسات الدولة. فقد أعلن زعيم حزب "إسرائيل بيتنا" أفيغدور ليبرمان ترشيح غادي آيزنكوت لتشكيل الحكومة، ودعم يائير لبيد لرئاسة الكنيست، واضعًا المعارضة أمام معادلة غير مسبوقة: تستطيع تغيير قيادة البرلمان، لكنها لم تتفق بعد على حكومة تخلف بنيامين نتنياهو.

وبين أغلبية برلمانية من 67 نائبًا ومعسكر صهيوني معارض لا يتجاوز 48 مقعدًا، بات السؤال: هل تتحول السيطرة على الكنيست إلى طريق للسلطة، أم تمنح نتنياهو وقتًا إضافيًا للمناورة؟

أخبار مقترحة

  • An illustration photo shows a sample emergency kit presented by Martin Schelleis, President of Malteser Hilfsdienst, a German humanitarian aid organization, during an interview with Reuters in Cologne, Germany, October 26, 2026. The German government recommends stockpiling basic supplies at home, including bottled water, non-perishable ready-to-eat food and technical aids, to last three days in extreme situations. REUTERS/Thilo Schmuelgen
    هوس نهاية العالم يجتاح الإنترنت.. لماذا يستعد الناس للكارثة؟
  • صحافة أمريكية: تخبط رئاسي وغضب جمهوري تحسبا لهزيمة نصفية

ترشيح بشروط متناقضة

أكد ليبرمان، في تصريحات أوردها المراسلان يوئيلي بريم ويوفال سيغيف على القناة 13 أمس الاثنين 2 نوفمبر/تشرين الثاني، أنه سيوصي الرئيس إسحاق هرتسوغ بتكليف آيزنكوت، ويدعم انتخاب لبيد رئيسًا للكنيست بدلًا من أمير أوحانا. لكنه شدد "لن أجلس مع نتنياهو حتى لو انقلب العالم" وأضاف "لن تكون هناك حكومة أقلية".

واللافت أن دعمه آيزنكوت ترافق مع تحميله مسؤولية فشل المعسكر، إذ قال إن المقاعد الـ48 "أقل بكثير مما توقعنا" واتهم رئيس حزب "يشار" بخوض "حملة أنانية" أفقدت شركاءه مقاعد. ويفسر هذا التناقض طبيعة التحالف: اتفاق على إزاحة نتنياهو، يقابله انقسام بشأن الوسيلة وترتيبات الحكم.

وبحسب الصحفيين ميخائيل هاوزر طوف ونوعا شبيغل في هآرتس، أمس، يرى ليبرمان أن تكليف آيزنكوت قد يفتح الباب لانشقاق داخل الليكود، لكنه يرفض حكومة تستند إلى أصوات الأحزاب العربية.

وفي الوقت نفسه نقلت القناة 13 عن مراسليها يوئيل بريم وميخائيل شيمش أن وفدًا من رؤساء بلديات الليكود حاول استمالته إلى نتنياهو، فكان رده "لا أثق بنتنياهو، عليه أن يرحل".

ورغم قسوة الاتهامات المتبادلة، عقد آيزنكوت وليبرمان وبينيت ويائير غولان ويائير لبيد، صباح اليوم، اجتماعا مشتركا لتنسيق خطوات معسكر التغيير بعد الانتخابات، في ظل استمرار الخلافات بشأن تشكيل الحكومة.

ووصف غولان -وفق القناة 13، أمس- تأخر تشكيل حكومة بديلة بأنه يضاعف المخاطر الأمنية، في حين يمنح ليبرمان أولوية لتغيير موازين القوى في البرلمان. وبذلك صار اتفاق قادة المعسكر على اسم المكلف أضيق من اتفاقهم على البرنامج والحلفاء.

أما آيزنكوت فطرح حكومة "صهيونية ووطنية" واسعة، مشترطًا الخدمة للجميع والالتزام بالطابع اليهودي الديمقراطي لإسرائيل. ونقلت القناة 13 يوم 31 أكتوبر/تشرين الأول -عن مقربين منه- رفضه الوحدة تحت قيادة نتنياهو. غير أن تقريرًا للقناة نفسها أمس كشف اعتراض أعضاء داخل "يشار" على حكومة أقلية تستند إلى القائمة المشتركة، ما يحد من حرية زعيم الحزب في التفاوض.

البرلمان قبل الحكومة

أظهرت نتائج فرز الأصوات التي أوردتها القناة 13 يوم 29 أكتوبر/تشرين الأول، والتي تأكد توزيع مقاعدها لاحقا بعد اكتمال الفرز، امتلاك أحزاب آيزنكوت وبينيت وغولان وليبرمان 48 مقعدًا، مقابل 53 لمعسكر نتنياهو، فيما حصلت القائمة المشتركة و"راعم" على 19 مقعدًا. وبذلك يستطيع خصوم نتنياهو حشد 67 صوتًا في القرارات البرلمانية إذا اتفقوا، من دون أن يعني ذلك وجود ائتلاف حكومي من 67 عضوًا.

وسينعقد البرلمان الإسرائيلي الجديد في 10 نوفمبر/تشرين الثاني. وشرح المراسل دفير جابرا في القناة 12، أول أمس، أن انتخاب لبيد بدل أوحانا يمنح المعسكر المعارض تأثيرًا على جدول أعمال البرلمان، بينما تتيح له أغلبيته المحتملة التأثير في تشكيل اللجنة المنظمة وتوزيع رئاسات اللجان، وفق الإجراءات القانونية المعمول بها. وقد يصبح رئيس الكنيست الجديد عقبة إضافية أمام حكومة وحدة لا يشارك فيها حزبه.

وتتجاوز خطة المعارضة تبديل الوجوه. فقد كشف المراسل السياسي يوفال كارني في يديعوت أحرونوت، أمس، سعي معسكر آيزنكوت إلى تعطيل تشريعات من "التغيير القضائي" قبل دخول أحكام منها حيز التنفيذ في يناير/كانون الثاني 2027. وتحدثت المحللة السياسية طال شنايدر، في "زمان إسرائيل" أول أمس عن إعداد "يشار" تعديلًا يتيح إنشاء لجنة تحقيق رسمية في إخفاقات 7 أكتوبر/تشرين الأول بقرار من الهيئة العامة للكنيست.

ويشمل التحرك القضائي الذي تحدث عنه كارني قوانين تتصل بالمستشارة القانونية للحكومة، وبالتحقيق مع أفراد الشرطة، وبآلية اختيار القضاة. أما إنشاء لجنة تحقيق رسمية، فتوضح شنايدر أن التشريع النافذ يحصره بقرار حكومي أو مسار لجنة مراقبة الدولة وفق شروط محددة. ومن هنا جاءت فكرة تعديل القانون، التي لا تزال اقتراحًا يحتاج أكثرية وإجراءات تشريعية.

لكن ليبرمان شكك، وفق القناة 13، في إمكان إنشاء اللجنة قبل تشكيل الحكومة وموافقة المستشارين القانونيين، وأقر بأن قانون تجنيد الحريديم يحتاج مناقشات طويلة. لذلك تبقى قدرة المعارضة على التشريع مشروطة بتماسك أغلبيتها والإجراءات القانونية، بينما تواصل حكومة نتنياهو المنتهية ولايتها إدارة شؤون الدولة حتى نيل حكومة جديدة الثقة.

سيناريوهات حكم هشة

حكومة أقلية تتألف من الأحزاب الصهيونية الأربعة وتحظى بدعم "راعم" سواء بالمشاركة في الائتلاف أو من خارجه: "48 + 8" أي 56 نائبًا، مقابل 53 لمعسكر نتنياهو، إذا امتنع نواب المشتركة الـ11 عن التصويت على الثقة.

ويمكن حسابيًا منح الحكومة الثقة بأكثرية الأصوات المشاركة دون بلوغ الرقم 61. لكنها تصطدم برفض ليبرمان الصريح، واعتراضات داخل "يشار" وتحفظات على الاعتماد على الأحزاب العربية.

وحذر ليبرمان من أن سقوطها السريع قد يعيد نتنياهو بقوة أكبر، فيما نقلت القناة 12، يوم 29 أكتوبر/تشرين الأول، عن منصور عباس، تقديره أن فرصها "ضئيلة للغاية".

استمالة "يهدوت هتوراه" بمقاعدها السبعة، عبر دعم خارجي أو مشاركة حكومية. وأورد الصحفي ماتي توخفيلد أول أمس في "والا" استعداد شخصيات حريدية لبحث دعم آيزنكوت مقابل ضمانات مالية وتشريعية.

لكن تقريرًا للقناة 12 في اليوم نفسه نقل تشدد إسحاق غولدكنوبف رئيس "أغودات إسرائيل" في طلب قانون تجنيد بلا أهداف أو عقوبات. وهذا يصطدم مع أحد أبرز تعهدات آيزنكوت وليبرمان، ويهدد صمود أي تفاهم عند مناقشة الميزانية أو التجنيد.

وتشير شنايدر إلى أن اختبار الموازنة الأولى قد يكشف هشاشة التفاهمات، لأن التصويت على الثقة في يوم واحد لا يضمن انضباط الشركاء شهورًا، خصوصًا أمام مطالب الحريديم وتباين المواقف من غزة والقضاء والاقتصاد.

ويطرح تيار آخر داخل النقاش الإسرائيلي مخرجًا معاكسًا؛ ففي مقال رأي في "يديعوت أحرونوت" دعا عمحاي فيشر نائب المدير العام السابق لشؤون السياسة التنظيمية بمكتب رئيس الوزراء قادة التغيير إلى دراسة "حكومة مع نتنياهو نفسه" دون شركائه المتشددين، لأن رفضه والحريديم والعرب معًا يسد جميع المسارات. لكن هذه الفكرة تصطدم مباشرة بتعهد ليبرمان ورفض آيزنكوت المعلن.

حكومة واسعة مع الليكود بعد إبعاد نتنياهو، فاجتماع مقاعد المعسكر الصهيوني المعارض الـ48 مع مقاعد الليكود الـ27 يعطي 75 مقعدًا.

لكن الحساب لا يكفي: فقد أوضحت المحللة السياسية آنا بارسكي أمس في "معاريف" أن نتنياهو أبلغ مقربين أنه لن يعتزل زعامة الليكود حتى لو انتقل إلى المعارضة، وأنه لا توجد أدلة على تمرد منظم داخله.

ويحتاج آيزنكوت إلى 13 نائبًا إضافيًا ليبلغ 61 من دون الأحزاب العربية، وهو اختراق لم تظهر مقدماته.

نتنياهو يراهن للبقاء

يستخدم نتنياهو المأزق لإعادة رسم الاختيارات. فقد أعلن، وفق تحديثات المحللة السياسية دافنا ليئيل مساء أمس في القناة 12 استعداده لحوار حول حكومة واسعة بقيادته، ورفض حكومة تعتمد على رعام والمشتركة، مطلقًا اتهامات للأحزاب العربية "ينبغي نسبتها إليه لا تبنيها كحقائق".

ونقلت "يديعوت أحرونوت" عن يوفال كارني أنه لم يستبعد -في أحاديث مغلقة- التناوب مع آيزنكوت، بينما ربط مقربون منه أي حوار للوحدة بعدم عزل أوحانا من رئاسة الكنيست.

وحسابيًا، يستطيع نتنياهو بلوغ 65 مقعدًا إذا انضم حزب "بيحاد" بكامل مقاعده الـ12، لكن انشقاق جناح بينيت ذي المقاعد السبعة وحده يمنحه 60 فقط. وتخالف هذه السيناريوهات التعهدات الراهنة، كما أن حصوله على دعم "شاس" بـ6 مقاعد لا يعوض رفض شركاء جدد.

وأكد الصحفي يعقوب هيرشكوفيتش أمس في "يسرائيل هيوم" تمسك شاس بتوصية نتنياهو، رغم التساؤلات عن موقف "يهدوت هتوراه".

ونقل الصحفي شاحر غليك أمس في هيئة البث الإسرائيلية أن آيزنكوت أكد في محادثات مغلقة رفضه الانضمام إلى حكومة يرأسها نتنياهو، مشيرًا إلى أنه إذا دعاه ترمب إلى لقاء فسيلبي الدعوة، لكن آيزنكوت وصف تقارير متداولة عن مواقفه بأنها مضللة.

ويبدأ هرتسوغ مشاوراته غدا مع الأحزاب الصغيرة، ثم الكبرى، لاختيار المرشح الأكثر قدرة على تشكيل الحكومة. ووفق معجم الكنيست، يمنح المكلف 28 يومًا قابلة للتمديد حتى 14 يومًا. وتكليف آيزنكوت، إن حدث، سيكون مكسبًا سياسيًا لا تفويضًا تلقائيًا بالحكم.

وفي الخلاصة تستطيع المعارضة انتزاع رئاسة الكنيست وتقييد نتنياهو تشريعيًا قبل أن تنجح في إخراجه من السلطة، لكن رفض حكومة الأقلية وشروط الحريديم وتماسك الليكود تجعل الطريق إلى حكومة بديلة ضيقًا. والاختبار الحاسم هو تحويل أغلبية تعطيل نتنياهو إلى أغلبية قادرة على الحكم وإقرار الميزانية والاستمرار.