القصر
العالم العربي

أطروحة تقترح تقنين "ميثاق الأغلبية"

محرر العالم العربي 2 4 دقائق قراءة

دعا الباحث محمد بنزهرة إلى تقنين ميثاق سياسي للأغلبية الحكومية، وإحداث آليات مؤسساتية لتسوية الخلافات بين الأحزاب المشاركة في الحكومة، مع تحديد سقف زمني لتشكيل الائتلافات الحكومية، وذلك ضمن توصيات أطروحة جامعية تناولت علاقة التحالفات الحزبية باستقرار العمل الحكومي في المغرب، على ضوء التجارب الدستورية المقارنة.

وجاءت هذه المقترحات في أطروحة أعدها بنزهرة لنيل شهادة الدكتوراه في القانون العام، تخصص القانون الدستوري والعلوم السياسية، بكلية العلوم القانونية والسياسية بطنجة التابعة لجامعة عبد المالك السعدي، تحت إشراف الدكتور عبد السلام العنصري، بعنوان “الأغلبية الحكومية ورهانات استقرار العمل الحكومي في النظام السياسي المغربي والأنظمة المقارنة”.

وبحسب تقرير تقديم الأطروحة، الذي اطلعت عليه هسبريس، انطلق الباحث من إشكالية تتعلق بمدى قدرة الأغلبية الحكومية، من خلال اختصاصاتها الدستورية ومهامها السياسية، على ضمان استمرارية العمل الحكومي، ومدى تأثير الانسجام بين الأحزاب المشكلة لها في تنفيذ السياسات العمومية والحفاظ على الاستقرار المؤسساتي.

واعتبر بنزهرة أن توفر أغلبية عددية داخل البرلمان لا يكفي لضمان فعالية العمل الحكومي، مشيرا إلى أهمية الاتفاق على برنامج سياسي مشترك، وتحديد الالتزامات المتبادلة بين مكونات الائتلاف، ووضع قواعد واضحة لتنسيق المواقف وتدبير الاختلافات التي قد تظهر خلال الولاية التشريعية.

وتوقف الباحث عند التحولات التي عرفتها التجربة الدستورية المغربية بعد اعتماد دستور 2011، خصوصا ما يتعلق بتعزيز مكانة رئيس الحكومة وتوسيع اختصاصاته، والتنصيص في الفصل 47 على تعيينه من الحزب السياسي الذي تصدر انتخابات مجلس النواب.

وربطت الدراسة بين تشكيل الأغلبية الحكومية وطبيعة النظام الانتخابي والخريطة الحزبية التي تفرزها صناديق الاقتراع، معتبرة أن التعددية السياسية تستدعي تطوير آليات التفاوض والتنسيق بين الأحزاب، بما يتيح تشكيل تحالفات تتوفر على قدر أكبر من الانسجام والوضوح في البرامج والأولويات.

وفي قراءته للمشهد السياسي المغربي، خصص بنزهرة حيزا من أطروحته لنتائج الانتخابات التشريعية التي جرت في 23 شتنبر 2026، وما ترتب عنها من إعادة ترتيب موازين القوى الحزبية وتشكيل أغلبية حكومية جديدة بقيادة حزب الأصالة والمعاصرة.

وتناول الباحث المشاورات التي أعقبت تصدر حزب الأصالة والمعاصرة نتائج الاقتراع، مشيرا إلى التحالف الذي تشكل مع أحزاب الاستقلال والاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية والتقدم والاشتراكية، مع مساندة نقدية من الاتحاد الدستوري والحركة الديمقراطية الاجتماعية، مقابل تموقع أحزاب أخرى في المعارضة.

كما تطرق إلى المشاركة الانتخابية، مستندا إلى معطيات أوردها في تقريره تفيد بأن نسبة التصويت بلغت 38,02 في المائة، مع تسجيل تفاوت بين الوسطين القروي والحضري، إذ أشار إلى مشاركة قاربت 45 في المائة في القرى والبوادي، مقابل 37 في المائة بالمدن.

وتوقف بنزهرة عند اختلاف التوزيع الجغرافي لنتائج الأحزاب، مستعرضا الأرقام المتعلقة بالمقاعد المحصل عليها في الدوائر القروية والحضرية، ومعتبرا أن هذه الفوارق تستحق الدراسة لفهم طبيعة الامتداد الانتخابي للتشكيلات السياسية وعلاقتها بالناخبين.

وأولى الباحث اهتماما لمشاركة الشباب في الانتخابات، خصوصا في سياق النقاشات التي سبقت استحقاقات 2026 بشأن انخراط الأجيال الجديدة في العمل السياسي، مشيرا إلى أهمية تطوير آليات التواصل الحزبي وتشجيع المشاركة داخل المؤسسات التمثيلية.

وفي الجانب المقارن، تناولت الأطروحة التجارب الدستورية في بريطانيا وفرنسا وإسبانيا والولايات المتحدة الأمريكية، من خلال دراسة طرق تشكيل الحكومات وعلاقة السلطة التنفيذية بالمؤسسات التشريعية، ومدى تأثير الأنظمة الانتخابية في استقرار الأغلبيات البرلمانية.

وأوضح بنزهرة أن النظام البريطاني يقوم، في الغالب، على تشكيل الحكومة من الحزب الحاصل على الأغلبية البرلمانية، في حين تبرز في التجربتين الفرنسية والإسبانية تحديات مرتبطة بالتعددية الحزبية وصعوبة التوصل أحيانا إلى تحالفات مستقرة.

أما النظام الأمريكي، فتناوله الباحث من زاوية خصوصية النظام الرئاسي، الذي لا يرتبط فيه استمرار الرئيس في منصبه بتوفر أغلبية برلمانية مساندة، مع إمكانية ظهور خلافات بين السلطتين التنفيذية والتشريعية تؤثر في تمرير السياسات والميزانيات.

واعتمدت الأطروحة المناهج التاريخي والمقارن والبنيوي والوظيفي، وقُسمت إلى قسمين، تناول الأول التطور التاريخي والمفاهيمي للأغلبية الحكومية في المغرب والأنظمة المقارنة، فيما خصص الثاني للأدوار الدستورية والسياسية للأغلبية وعلاقتها باستقرار العمل الحكومي.

وفي توصياته، اقترح بنزهرة مراجعة المنظومة الانتخابية والقوانين التنظيمية للأحزاب، بما يشجع اندماج التشكيلات السياسية الصغيرة ويحد من التشتت الحزبي، إلى جانب تحفيز الأحزاب على بناء تحالفات انتخابية مسبقة تقوم على برامج والتزامات معلنة.

كما دعا إلى تحديد سقف زمني لتشكيل الأغلبية الحكومية، وإحداث آليات مؤسساتية للتنسيق والتحكيم بين مكوناتها، حتى تكون الخلافات السياسية موضوع معالجة منظمة، وفق قواعد متفق عليها بين الأحزاب المشاركة في الائتلاف.

واقترح الباحث تقنين ميثاق للأغلبية الحكومية يضبط الالتزامات السياسية المشتركة ويكرس التواصل المنتظم مع المجتمع، مع تعزيز الرقابة البرلمانية والتقييم المؤسساتي للأداء الحكومي، وتطوير أدوات قياس نتائج السياسات العمومية.

وشملت التوصيات اعتماد التكوين المستمر للنخب الحزبية والبرلمانية لتحسين جودة التشريع والتدبير العمومي، وتوسيع المشاركة السياسية للشباب، وتشجيع انخراطهم في الأحزاب والمؤسسات المنتخبة، فضلا عن تعزيز الممارسات المرتبطة بالشفافية والمحاسبة.

ودعت الأطروحة أيضا إلى التفكير في إصلاحات دستورية تدريجية تستفيد من التجارب المقارنة، مع إيلاء أهمية لتوازن السلط واستمرارية العمل المؤسساتي، وتطوير التنسيق بين المؤسسات الدستورية والفاعلين السياسيين.

اقرأ النسخة الكاملة