القصر
العالم العربي

أسنان مقبرة بريطانية قديمة تكشف عن دور محتمل لصدمات المناخ في أمراض زمن الثورة الصناعية

محرر العالم العربي 2 4 دقائق قراءة

تسلط مقبرة قديمة تعود إلى قرون الضوء على كيفية احتمال أن تكون الصدمات المناخية قد أسهمت في الأمراض خلال الثورة الصناعية.

اعلان
اعلان

وحوّلت بريطانيا اقتصادها القائم على الزراعة إلى قوة صناعية في مجال التصنيع، تقريباً بين عامي 1760 و1840. وخلال هذه الفترة، أدت أعمال التعدين الكثيفة وحرق الفحم لتشغيل المصانع والسكك الحديدية إلى تغطية المدن بضباب دخاني داكن.

وقد قلّل هذا التلوث، إلى جانب ظروف العمل القاسية، وضيق المساكن وقلة الوقت الذي يُقضى في الهواء الطلق، من كمية ضوء الشمس التي يتلقاها الناس.

ويوفّر ضوء الشمس الأشعة فوق البنفسجية من النمط بي (UVB) التي يستخدمها الجلد لإنتاج فيتامين د، الذي يحتاجه الجسم لصلابة العظام.

وكان مرض الكساح، حيث يعجز الهيكل العظمي النامي عن التمعدن بشكل صحيح، شائعاً بين الأطفال. ولطالما نُسب هذا المرض إلى التحضر وخط العرض والعوامل الاجتماعية والاقتصادية.

لكن التصنيع وقع خلال العصر الجليدي الصغير، وهي فترة برودة امتدت تقريباً من القرن الثالث عشر إلى القرن التاسع عشر. ويُعزى ذلك أساساً إلى تراجع النشاط الشمسي وكثرة الثورانات البركانية التي تطلق هباءات تحجب ضوء الشمس. وتشير أبحاث جديدة إلى أن هذه الصدمات المناخية الطبيعية ربما كانت عاملاً مساهماً تم إغفاله.

علماء يحللون أسناناً من مقبرة مهجورة

أعاد الباحثون تقييم أسنان من مقبرة مهجورة منذ زمن طويل في شمال شرق إنجلترا تُدعى كوتش لين، للتحقق مما إذا كان لتقلب المناخ (التغيرات في درجة حرارة الأرض وهطول الأمطار والظروف الجوية) دور في نقص فيتامين د في الطفولة خلال تلك الفترة.

وقالت الدكتورة إلين كيندال، الباحثة في علم الآثار في جامعة دورهام والمؤلفة الأولى للدراسة: "عاش معظم الأشخاص المدفونين في كوتش لين خلال فترات تأثرت بفروق بيئية في توافر الأشعة فوق البنفسجية، وهو ما قد يفسر ارتفاع معدلات الكساح والعيوب في عاج الأسنان، ويشير إلى مشكلة كبيرة في نقص فيتامين د".

وأضافت: "إن إدراك أن سجلات الدفن ستتيح لنا إعادة النظر في التسلسل الزمني المناخي لهذه المجموعة السكانية بدا لنا نهجاً جديداً لفهم نقص فيتامين د في طفولة المجتمعات التاريخية".

حلل (المصدر باللغة الإنجليزية) الباحثون 30 سناً تعود لـ21 فرداً مجهولي الهوية دُفنوا في المقبرة بين عامي 1711 و1829. وكانت المنطقة آنذاك قد بدأت تتحول من قرية صيد إلى ميناء صناعي.

وفحص الباحثون حالات فشل التمعدن، أي حين يعجز العاج، وهو الطبقة الداخلية للسن، عن التحول بالكامل إلى نسيج صلب متكلس.

وهذه العيوب شائعة ويمكن أن تكون لها عدة أسباب، لذا فهي لا تثبت بمفردها وجود نقص فيتامين د. لكنها قد تشير إلى نقص موسمي إذا ظهرت على فواصل تقارب السنة الواحدة وفصلت بينها طبقات عاج طبيعية.

ونظراً إلى أن الأسنان تتكوّن وتنمو وفق جدول طبيعي ثابت، تمكن الباحثون من تحديد الأعمار التي فشل فيها تمعدن العاج داخل المجتمع، من بدايات الحياة إلى بدايات مرحلة البلوغ لدى بعض الأفراد.

وكشفت دراسات سابقة للهياكل العظمية في الموقع عن وجود الكساح لدى 44 في المئة من الشبان الذين جرى فحصهم.

عدم استقرار المناخ "ليس أمراً جديداً"

وتضم سجلات الدفن في المقبرة أعمار وسنوات وفاة 109 من أفراد المجتمع. وبما أن هذه التواريخ لم يكن ممكناً ربطها بأفراد محددين، لأن القبور لم تكن معلمة، فقد نظر الباحثون إلى المجتمع ككل.

وأظهرت البيانات أنه من بين 109 أشخاص معروفة سنوات ميلادهم، وُلد 91 خلال فترة ثوران بركاني كبير أو في غضون 10 أعوام بعده. ومن هؤلاء، وُلد 41 خلال فترات تزامن فيها انخفاض الإشعاع الشمسي مع النشاط البركاني.

ورغم أن الدراسة لا تحاول قياس مقدار ما غيّرته الصدمات المناخية في كمية الأشعة فوق البنفسجية التي تصل إلى شمال شرق إنجلترا، تقول كيندال إن الفريق "واثق إلى حد كبير" من أن المناخ كان عاملاً مساهماً مهماً في نقص فيتامين د في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، لا سيما عبر درجات الحرارة الأبرد التي غيّرت سلوك الناس.

وتفترض الورقة البحثية أن تأثيرين قد تداخلَا: فقد قلّصت الهباءات البركانية وانخفاض الإشعاع الشمسي كمية الأشعة فوق البنفسجية التي تصل إلى سطح الأرض، في حين يُرجح أن تكون صيفيات باردة ماطرة قد أبقت الأطفال في الداخل وأكثر التفافاً بالملابس، ما حدّ أكثر من تعرّض الجلد للضوء.

غير أن الباحثين يشددون على أن هذا لم يكن السبب الوحيد ولا حتى السبب الرئيسي لنقص فيتامين د. فقد تفاعلت إتاحة الأشعة فوق البنفسجية وهطول الأمطار ودرجات الحرارة مع الطبقة الاجتماعية والنظام الغذائي والمهنة وخط العرض والتلوث.

وقالت كيندال: "علم الآثار لا يقدّم في الغالب يقينيات". ومع هذا العدد الكبير من العوامل المتداخلة، يقول الباحثون إن بإمكانهم تقديم تفسيرات لا تتجاوز ما يتسق مع الأدلة المتاحة. وهم يرون أن دور المناخ طغت عليه الصناعة والتحضر في التفسيرات السابقة لنقص فيتامين د.

ولذا فإن أخذ المناخ في الحسبان، بما في ذلك تقلبه الطبيعي وذلك الناجم عن النشاط البشري، مهم لبناء صورة أكثر اكتمالاً للعوامل التي شكّلت صحة الناس.

وتوضح كيندال: "نحن نميل إلى اعتبار عدم استقرار المناخ تحدياً حديثاً، لكنه في الواقع ليس جديداً إذا نظرنا إلى مشكلات البشر عبر التاريخ".

وتضيف: "سواء تعلّق الأمر بجوائح أو أزمات اقتصادية أو تغيّر مناخي، فمن المهم أن نفهم الطرق التي تكيف بها الناس مع قضايا مشابهة في الماضي وأن نستخدم تلك المعلومات لمساعدة البشر على الازدهار في المستقبل".

اقرأ النسخة الكاملة