القصر
العالم العربي

استطلاعات الرأي في لبنان: بين قياس المزاج العام والتأثير فيه

محرر العالم العربي 4 9 دقائق قراءة

"تُسبّب لي استطلاعات الرأي المنشورة عبر مجموعات واتساب الإخبارية القلق والخوف"، تقول ميريام ف. لـ"النهار"، بعدما اطّلعت على تصويت إلكتروني نشرته إحدى الصفحات، وأظهرت نتائجه أن غالبية المشاركين يتوقعون توسّع الحرب مجدداً في لبنان.

مع ذلك، ترى ميريام أن هذه النتائج تعبّر عن آراء المصوّتين، لكنها لا تشكّل استطلاعاً رسمياً ولا تعكس بالضرورة رأي اللبنانيين عموماً. وتعتقد أن هذه التصويتات قد تساعد القنوات على استكشاف مواقف الجمهور وتحديد المحتوى الذي يجذب اهتمامه ويزيد المشاهدات.

في المقابل، تقول الشابة رغدة دغيلي إن نتائج استطلاعات الرأي قلّما تؤثر في قناعاتها السياسية، وخصوصاً ثوابتها الوطنية، إذ تبني مواقفها على قراءة التاريخ ومتابعة الأحداث أكثر من اعتمادها على نتائج استطلاع بعينه. لكنها لا تستبعد أن تؤثر هذه النتائج في رأيها في بعض القضايا، مثل الفساد والإدارة الداخلية للبلاد، مشيرةً إلى أن مدى تأثرها يتوقف على حياد الاستطلاع وشموله الفئة المعنية مباشرة بالموضوع المطروح.

وتعكس التجربتان اختلافاً في كيفية تلقّي الأفراد استطلاعات الرأي والتفاعل مع نتائجها، إذ قد تثير هذه النتائج القلق لدى البعض، فيما تدفع آخرين إلى إعادة النظر في مواقفهم أو التشكيك فيها، وخصوصاً عندما تُظهر أن غالبية المشاركين تتبنى رأياً معيناً. 

ولا يتعلق الأمر بكيفية تلقّي الجمهور لهذه النتائج فحسب، بل يشمل أيضاً مدى دقة الاستطلاعات وشفافيتها، والجهات التي تقف وراء إعدادها وتمويلها، والضوابط التي تحكم نشرها. وفي هذا السياق، كيف تعامل قانون الإعلام الجديد الصادر أخيراً مع استطلاعات الرأي؟ وما الشروط التي وضعها لضمان شفافية نشرها، وتمكين الجمهور من فهم نتائجها وتقييم مدى تمثيلها للرأي العام؟

بين المنهجية والتمويل: ماذا تكشف استطلاعات الرأي المنشورة؟

أجريت في هذا التقرير مراجعة لعينة من استطلاعات الرأي المنشورة في لبنان خلال عامي 2025 و2026، شملت استطلاعات تناولت موضوعات سياسية وأمنية مختلفة، بينها مواقف اللبنانيين من المفاوضات والسلام مع إسرائيل، وحصر السلاح بيد الجيش، والتوقعات السياسية والأمنية للبلاد خلال عام 2026.

وأظهرت مراجعة هذه الاستطلاعات تفاوتاً في مستوى الإفصاح عن منهجية كل منها والجهات المرتبطة بها. ففي حين تعلن استطلاعات حجم العينة وفترة جمع البيانات وطريقة إجراء المقابلات، لا توفّر أخرى تفاصيل كافية عن آلية اختيار المشاركين ومدى تمثيلهم للرأي العام. كذلك، أمكن في بعض الحالات تحديد الجهة المنفذة للاستطلاع أو الوسيلة الإعلامية التي نشرته، من دون العثور في المادة المنشورة على إفصاح واضح عن الجهة التي طلبته أو موّلته. فمعرفة الجهة المنفذة أو الناشرة لا تعني بالضرورة معرفة مصدر التمويل.

ولا يكفي حجم العيّنة وحده للحكم على دقة النتائج أو مدى إمكان تعميمها، إذ يتوقف ذلك أيضاً على طريقة اختيار المشاركين، وتوزيع العينة، ومعدل الاستجابة، والتعديلات الإحصائية التي قد تكون أُجريت على النتائج. كذلك، فإن الإشارة إلى شمول العينة مناطق وطوائف مختلفة لا تثبت وحدها أنها تمثّل اللبنانيين، ما لم تتضح آلية اختيار المشاركين ومدى تناسب توزيعهم مع المجتمع المستهدف.

وتكتسب هذه المعايير أهميةً خاصة عند التمييز بين الاستطلاعات القائمة على منهجية معلنة والتصويتات الإلكترونية المفتوحة، التي تقتصر نتائجها على الأشخاص الذين اختاروا المشاركة فيها، ولا يمكن تعميمها بالضرورة على الرأي العام. ويتضح ذلك في تصويت نشرته قناة إخبارية عبر "واتساب"، وسأل المشاركين عما إذا كانوا يتوقعون دخول لبنان في حرب مقبلة بين إيران من جهة، وإسرائيل والولايات المتحدة من جهة أخرى. وصوّت نحو 5000 شخص بـ"نعم"، في مقابل نحو 2000 بـ"لا".

وفي ظل القلق من تجدّد الحرب واتساع رقعتها، قد توحي هذه النتيجة للقارئ أن غالبية اللبنانيين تتوقع عودة الحرب، فيما أنها تعبّر حصراً عن مواقف المشاركين في التصويت، ولا تثبت أنها تعكس اتجاهات الرأي العام. ولم تتضمن المادة المنشورة تنبيهاً إلى أن النتائج لا تستند إلى عيّنة تتيح تمثيل اللبنانيين عموماً.

ولا تعني هذه الملاحظات أن الاستطلاعات التي شملتها المراجعة تفتقر بالضرورة إلى المنهجية أو تخالف القانون، إذ قد تكون بعض التفاصيل متاحة في تقارير منفصلة. لكنها تطرح تساؤلاً أساسياً عن مدى قدرة القارئ على تقييم النتائج وفهم دلالاتها وحدودها، خصوصاً عندما يكتفي بالمادة الإعلامية المنشورة ولا يرجع إلى التقرير الأصلي.

ولا يقتصر الأمر على دقة النتائج ومدى تمثيلها للرأي العام، بل يشمل أيضاً الطريقة التي يتلقّاها بها الجمهور، ومدى تأثيرها في قناعات الأفراد ومواقفهم.


حين تتحول الغالبية إلى مصدر للتأثير

توضح الإختصاصية النفسية فاطمة شريم، في حديث إلى "النهار"، أن الإنسان بطبيعته يميل إلى الانتماء إلى الجماعة والحصول على قبولها، لذلك قد يشعر بالقلق عندما يجد أن رأيه يخالف رأي الغالبية. وقد يدفعه ذلك إلى التشكيك في قناعاته أو التنازل عن بعضها انسجاماً مع محيطه. ولا يعني ذلك ضعفاً في الشخصية، بل إن الإنسان قد يستعين برأي المجموعة مصدراً للمعلومات، خصوصاً عندما يشعر بالحيرة أو عدم اليقين. ويظهر ذلك مثلاً عندما يخرج الطلاب من الامتحان، فيكتشف أحدهم أن إجابته تختلف عن إجابات خمسة أو ستة من زملائه، فيبدأ بالشك في إجابته، مفترضاً أن احتمال خطئهم جميعاً ضئيل.

وتضيف أنه إذا كان الشخص مقتنعاً بموقف معين، ثم شاهد استطلاعاً يُظهر أن 80 أو 90 في المئة من المشاركين يؤيدون الرأي المعاكس، فقد يبدأ بالتساؤل عما إذا كان مخطئاً أو بحاجة إلى إعادة النظر في موقفه؟ ويدخل بذلك في حالة من المقارنة الاجتماعية، خصوصاً عندما تكون القضية معقدة ولا تتوافر بشأنها إجابات واضحة.

"لكن يجب التمييز بين اعتبار الاستطلاع معلومة عن آراء المشاركين والتعامل معه كدليل على صحة رأيهم. فإذا أظهر الاستطلاع أن 60 في المئة يؤيدون فكرة معينة، فهذا يعني أن هذه النسبة تتبناها، لا أنها صحيحة بالضرورة. فالأرقام الكبيرة قد تمنح الدماغ إحساساً بالقوة واليقين، وتدفع الفرد إلى التشكيك في قناعاته أو الاعتقاد أن الخيار الأكثر شعبية هو الأفضل"، بحسب شريم.

وإذا كانت استطلاعات الرأي قد تؤثر في قناعات الأفراد ومواقفهم، فإن تأثيرها قد يتجاوز ذلك إلى توجيه الرأي العام نفسه.

من قياس الرأي العام إلى التأثير في توجهاته

ويرى العميد السابق لكلية الإعلام في الجامعة اللبنانية الدكتور جورج صدقة في حديث الى "النهار" أن استطلاعات الرأي يُفترض أن تقيس اتجاهات الجمهور وتكشف ما يفكر فيه الناس ومواقفهم من الموضوعات المختلفة. لكنها قد تؤثر في الجمهور أيضاً، من خلال طرح مواقف معينة أو دعم شخصيات محددة أو الإيحاء أن الرأي العام يتجه نحو موقف بعينه، بما قد يدفع الناس إلى تبنّي هذا الموقف. وقد يظهر هذا التأثير في الانتخابات، مثلاً، عندما تشير الاستطلاعات إلى أن مرشحاً يحظى بتأييد مرتفع، فيفضّل بعض الناخبين التصويت له لأنه الأوفر حظاً للفوز، فيما يبتعدون عن مرشح تبدو فرصه ضعيفة.

"لا يقتصر التأثير على النتائج، بل يشمل أيضاً اختيار الموضوعات التي يجري استطلاع الآراء بشأنها، إذ قد يمنح طرح موضوع معين انطباعاً بأنه أولوية لدى الجمهور، حتى لو لم يكن كذلك فعلياً. كذلك، يمكن التأثير في تفسير النتائج من خلال اختيار العينة، وصياغة الأسئلة، وطريقة تحليل النتائج وعرضها، ما قد يدفع الجمهور إلى فهمها في اتجاه معين من دون التنبه إلى هذه التفاصيل"، وفق صدقة.

ولا يمكن فصل استطلاعات الرأي عن منظومة النفوذ السياسي والمالي في لبنان، حيث قد تتقاطع مصالح الجهات المموّلة أو الطالبة للاستطلاعات مع الموضوعات التي يجري اختيارها والنتائج التي يُراد إبرازها. ويطرح ذلك تساؤلات حول مدى استقلالية هذه الاستطلاعات، واحتمال توظيفها للتأثير في الرأي العام بدلاً من الاكتفاء بقياس توجهاته. غير أن تقييم هذا التأثير يتطلب أولاً التمييز بين نتائج تستند إلى عينة مختارة وفق منهجية واضحة، ونتائج تصويت مفتوح لا يمكن تعميمها بالضرورة على المجتمع.

الاستطلاع العلمي والتصويت المفتوح: فرق في المنهجية والنتائج

لا يمكن وصف أي عملية بأنها استطلاع رأي بالمعنى العلمي إلا إذا استوفت مجموعة من القواعد والمعايير، بينها تحديد حجم العينة واختيارها وفق أسس منهجية. فالمسألة لا تتعلق بعدد المشاركين فحسب، بل بكيفية اختيارهم ومدى تمثيلهم للجمهور المستهدف بمختلف فئاته. أما التصويت الإلكتروني المفتوح، فتقتصر المشاركة فيه عادةً على الأشخاص الذين يهتمون بالموضوع المطروح أو لديهم رد فعل حياله، ولذلك لا يعكس بالضرورة آراء المجتمع بأكمله. من هنا، لا يمكن مقارنة نتائجه بنتائج استطلاع يستند إلى منهجية علمية في اختيار العينة وجمع البيانات وتحليلها، يضيف صدقة.

هامش الخطأ وحدود دقة الاستطلاعات

ويؤكد أن استطلاعات الرأي لا تقدّم بالضرورة صورة دقيقة تماماً عن الواقع، إذ تنطوي جميعها على هامش من الخطأ، حتى عندما تُجرى وفق معايير علمية. ويُقدَّر هامش الخطأ في الاستطلاع الجيد بنحو 2 إلى 5 في المئة، وهي نسبة قد تؤثر في نتائج الانتخابات مثلاً، فيما قد تتسع الفجوة أحياناً بين نتائج الاستطلاعات والواقع: "لذلك، ينبغي التعامل مع النتائج بحذر، وعدم اعتبارها انعكاساً مطابقاً للواقع، بل مؤشراً يساعد على تكوين فهم تقريبي لاتجاهات الجمهور وتوزّع مواقفه، مع مراعاة المنهجية المعتمدة والظروف التي أُجري فيها الاستطلاع".

وإلى جانب المعايير المنهجية التي تساعد على تقييم موثوقية النتائج، يحدّد الإطار القانوني شروط نشر استطلاعات الرأي والبيانات الواجب إرفاقها بها، بما يتيح للجمهور فهماً أدق لدلالاتها وحدودها.

قانون الإعلام الجديد: نحو استطلاعات أكثر شفافية

في ظل قدرة استطلاعات الرأي على التأثير في مواقف الجمهور، لا تقتصر أهمية تنظيم نشرها على ضمان عرض النتائج، بل تشمل أيضاً إتاحة المعلومات التي تسمح للقارئ بفهم كيفية الوصول إليها وتقييم مدى موثوقيتها. فمعرفة عدد المشاركين وحده لا تكفي للحكم على الاستطلاع، ما لم تتضح طريقة اختيار العينة والجهات التي تقف وراء إعداده وتمويله، ومدى تمثيله للفئة المستهدفة.

في هذا الإطار، وضع قانون الإعلام الجديد ضوابط لنشر استطلاعات الرأي، فألزم الجهات المعنية الإفصاح عن الجهة التي أجرت الاستطلاع وطلبته ومولته، وتفاصيل العينة وطريقة اختيارها، وتاريخ التنفيذ والتقنيات المستخدمة، فضلاً عن هامش الخطأ وحدود تفسير النتائج. والغاية من هذه المتطلبات تمكين الجمهور من التمييز بين استطلاع يستند إلى منهجية واضحة ونتائج يمكن تقييم مدى تمثيلها للرأي العام، وبين تصويت تفاعلي لا يعكس بالضرورة سوى آراء المشاركين فيه.

كذلك، لم يغفل القانون التصويتات الإلكترونية المفتوحة، إذ اشترط إرفاق النتائج التي لا تستوفي المعايير المنهجية بتنبيه يوضح أنه لا يمكن الاعتداد بها بالضرورة للتعبير عن توجهات صحيحة للرأي العام، وخصوصاً التصويتات التي تتيح المشاركة من دون ضوابط محددة أو تطلب الإجابة بـ"نعم" أو "لا". وتترتب على مخالفة أحكام هذا الباب غرامة تراوح بين 50 و100 ضعف الحد الأدنى الرسمي للأجور.

ويوضح صدقة أن قانون الإعلام الجديد جاء ليميّز بين استطلاعات الرأي القائمة على قواعد علمية ومنهجية، وتلك التي تجريها المؤسسات الإعلامية عبر طرح سؤال مفتوح أمام الجمهور، بهدف تمكين المتلقين من التفريق بين الاستطلاع العلمي والتصويت التفاعلي.

ويؤكد أن الإفصاح عن هذه المعلومات أساسي لتقييم الاستطلاع والتحقق من موثوقية نتائجه، معتبراً أن تضمين القانون هذه المتطلبات خطوة مهمة لتعزيز الشفافية وتمكين الجمهور من تقييم استطلاعات الرأي بصورة أفضل.

وتبقى فعالية هذه الضوابط مرتبطة بمدى التزام تطبيقها، وقدرة الجمهور على الوصول إلى المعلومات التي تساعده على التمييز بين استطلاع يقيس اتجاهات الرأي العام وتصويت تفاعلي لا يتجاوز المشاركين فيه.

اقرأ النسخة الكاملة