القصر
العالم العربي

أزمة السيولة تواجه مقاولات البناء وسط رهان استثماري بـ400 مليار درهم

محرر العالم العربي 2 8 دقائق قراءة

تواجه مقاولات البناء والأشغال العمومية بالمغرب ضغوطا مالية متزايدة، رغم الطفرة التي يشهدها القطاع بفعل تسارع إنجاز المشاريع الكبرى، في ظل برمجة استثمارات عمومية بقيمة 400 مليار درهم خلال سنة 2027، مقابل 380 مليار درهم في السنة الجارية، وسط مخاوف من تأثير ارتفاع تكاليف مواد البناء والمحروقات، وتأخر صرف مستحقات الصفقات، على سيولة المقاولات وقدرتها على الوفاء بالتزاماتها تجاه الموردين والأجراء والمناولين، خصوصا مع تزايد حاجيات التمويل المسبق للأوراش المرتبطة بالاستحقاقات الرياضية والمشاريع المهيكلة.

وكشفت معطيات المندوبية السامية للتخطيط، برسم الفصل الثاني من سنة 2026، أن 28 في المائة من مسؤولي مقاولات القطاع اعتبروا وضعية خزينتهم المالية صعبة، مقابل 30 في المائة خلال الفصل الأول، رغم ارتفاع القيمة المضافة لقطاع البناء بنسبة 2,8 في المائة خلال الفصل الثاني، بعد زيادة بلغت 1,5 في المائة خلال الفصل السابق، ما يعكس استمرار الفجوة بين انتعاش النشاط وتحسن الوضعية المالية للمقاولات، في وقت تتطلب فيه وتيرة إنجاز المشاريع تعبئة موارد مالية وبشرية ولوجستية إضافية.

وأفادت معطيات مهنية بأن أسعار الزفت سجلت زيادات تجاوزت 45 في المائة، مقابل ارتفاع تكاليف الشحن البحري بأكثر من 30 في المائة بين مارس وأبريل الماضيين، فيما ارتفعت أسعار الإسمنت بنسبة 18 في المائة والصلب بنسبة 8 في المائة منذ سنة 2024. وأظهرت بيانات مجلس المنافسة ارتفاعا تراكميا في أسعار “الغازوال” بلغ 4,18 درهما للتر بين فاتح مارس و16 ماي الماضيين، ما زاد الأعباء التشغيلية للمقاولات، خصوصا في أوراش الطرق والتهيئة الترابية، حيث قد تتجاوز المحروقات ربع تكلفة الإنجاز، وفق تقديرات مهنيين.

وتتزامن هذه الضغوط مع استمرار صعوبات مرتبطة بتأخر المصادقة على كشوف الأشغال وصرف المستحقات، وبطء تفعيل إصلاح منظومة مراجعة أسعار الصفقات العمومية، الذي انطلق سنة 2023، إلى جانب اشتداد المنافسة على العمال والتقنيين المتخصصين واضطراب آجال توريد بعض المعدات المستوردة. وتثير هذه الوضعية تساؤلات بشأن قدرة النسيج المقاولاتي الوطني، خصوصا المقاولات الصغيرة والمتوسطة، على مواكبة الارتفاع المرتقب في حجم الاستثمارات العمومية دون تعريض توازناته المالية للاختلال أو التأثير في آجال إنجاز المشاريع.

طفرة استثمارية تضاعف الضغوط على خزينة المقاولات

يرتقب أن يشكل الارتفاع المتواصل في الاستثمار العمومي خلال سنة 2027 اختبارا جديدا للقدرات المالية والتشغيلية لمقاولات البناء والأشغال العمومية، بعدما انتقل الغلاف الاستثماري الإجمالي للقطاع العام من 182 مليار درهم سنة 2020 إلى 340 مليار درهم خلال 2025، ثم 380 مليار درهم في السنة الجارية، قبل بلوغ 400 مليار درهم في السنة المقبلة، وفق الوثائق المرفقة بمشروع قانون المالية. وتستحوذ المؤسسات والمقاولات العمومية، بما فيها صندوق محمد السادس للاستثمار، على الحصة الأكبر من المجهود المرتقب، بغلاف يبلغ 251 مليار درهم، مقابل نحو 225 مليار درهم خلال السنة الجارية.

وتتوزع المشاريع المبرمجة بين تطوير البنيات التحتية الطرقية والسككية، وتوسعة المطارات، وتأهيل المنشآت الرياضية، وإنجاز السدود ومحطات تحلية مياه البحر، إلى جانب التجهيزات الأساسية المرتبطة بالتنمية الترابية. ورغم أن الاعتمادات المعلنة لا توجه بالكامل إلى قطاع البناء والأشغال العمومية، فإنها تعكس اتساع فرص النشاط المتاحة أمام المقاولات، بالتوازي مع ارتفاع حاجياتها إلى التمويل المسبق لاقتناء المواد الأولية وتعبئة الآليات والموارد البشرية.

وتزداد حدة هذه الإشكالية لدى المقاولات الصغيرة والمتوسطة والمناولين، الذين لا يتوفرون على احتياطيات مالية مماثلة لتلك المتاحة لدى المجموعات الكبرى، فيما قد يؤدي الحصول على صفقات إضافية إلى زيادة حاجيات رأس المال العامل بدل تحسين السيولة بصورة فورية، بسبب ضرورة تمويل عدة أوراش متزامنة، وتحمل مصاريف المعدات والمواد والأجور قبل استخلاص المقابل المالي للأشغال المنجزة.

وفي قراءة لهذه المفارقة، اعتبر محمد أمين العلوي المحمدي، محلل أسواق لدى مكتب للدراسات والاستشارة بالدار البيضاء، أن “الرفع من حجم الاستثمار العمومي إلى 400 مليار درهم خلال سنة 2027 يمثل فرصة لتوسيع نشاط قطاع البناء والأشغال العمومية، لكنه لا يعني بالضرورة تحسنا موازيا في الوضعية المالية للمقاولات”، موضحا أن ارتفاع دفاتر الطلبيات قد يتحول إلى مصدر ضغط إضافي على الخزينة عندما تكون المقاولات مطالبة بتمويل مشترياتها ونفقاتها التشغيلية قبل استخلاص مستحقاتها.

وأضاف العلوي المحمدي، في تصريح لهسبريس، أن “المفارقة الأساسية تكمن في اتساع الفجوة بين حجم النشاط المحقق والسيولة المتاحة فعليا”، مشيرا إلى أن المقاولات الصغيرة والمتوسطة تظل الأكثر تعرضا لهذه الاختلالات، بسبب محدودية احتياطياتها المالية وضعف قدرتها التفاوضية أمام المؤسسات البنكية والموردين، فضلا عن كلفة التمويل قصير الأجل. وأشار إلى أن حصول المقاولة على صفقات جديدة لا يشكل دائما مؤشرا إيجابيا على متانتها المالية إذا كانت مضطرة إلى تعبئة قروض إضافية لتغطية احتياجات رأس المال العامل، بما قد يؤدي إلى تآكل هوامش الربحية رغم نمو رقم المعاملات.

وشدد المحلل الاقتصادي على أن نجاح المجهود الاستثماري العمومي المرتقب يظل مرتبطا بقدرة المنظومة الاقتصادية والمالية على مواكبة حاجيات المقاولات المنفذة للمشاريع، من خلال تسريع صرف المستحقات وتيسير الولوج إلى التمويل وتحسين آليات تدبير المخاطر التعاقدية، مؤكدا أن الرهان الحقيقي لا يقتصر على تعبئة الاعتمادات وإطلاق الأوراش، وإنما يشمل ضمان استفادة النسيج المقاولاتي الوطني من القيمة المضافة للاستثمارات، والحفاظ على توازناته المالية وقدرته على الاستمرار في النشاط والتشغيل.

وتعكس بيانات تسليمات الإسمنت تفاوت وتيرة النشاط؛ إذ ارتفعت الكميات المسلمة خلال شتنبر الماضي بنسبة 19,3 في المائة، إلى 1,46 مليون طن، لترتفع الحصيلة التراكمية عند نهاية الشهر إلى 10,98 مليون طن، بزيادة بلغت 1,17 في المائة، مقابل نمو بنسبة 10,6 في المائة خلال الفترة نفسها من السنة الماضية، ما يعكس تفاوت انعكاسات توسع البرامج الاستثمارية على مكونات القطاع.

ارتفاع التكاليف وتأخر الأداء يهددان استمرارية الأوراش

تواجه مقاولات البناء والأشغال العمومية تحديات تشغيلية متزايدة نتيجة تراكم الزيادات في أسعار المواد الأولية والمحروقات، خصوصا في الصفقات التي أبرمت قبل موجة الغلاء الأخيرة، حيث أصبحت التكاليف الفعلية لإنجاز بعض الأشغال تتجاوز التقديرات المعتمدة عند تقديم العروض المالية، ما يضغط على هوامش الربحية ويهدد التوازن الاقتصادي للعقود، خاصة تلك التي تعتمد أسعارا ثابتة أو تتضمن آليات مراجعة لا تعكس بصورة كافية التغيرات المسجلة في الأسواق.

وتبرز حدة هذه الضغوط في أوراش الطرق والتهيئة، التي تعتمد بصورة مكثفة على “الغازوال” والزفت والنقل الثقيل؛ إذ لا يقتصر تأثير ارتفاع أسعار المحروقات على تشغيل الآليات والشاحنات، بل يمتد إلى تكاليف نقل الحصى والإسمنت والحديد والخدمات التي يقدمها المناولون. وتزداد الأعباء عندما تتزامن الزيادات السعرية مع تأخر توريد المعدات، بما يؤدي إلى تمديد فترات تعبئة الموارد البشرية واللوجستية دون تحقيق تقدم مماثل في الإنجاز.

في هذا السياق، أوضح محمد بناصر، مقاول صاحب شركة للبناء والأشغال العمومية، أن “التحدي الأكبر الذي تواجهه المقاولات حاليا يتمثل في صعوبة التحكم في تكاليف إنجاز الأشغال، بسبب الزيادات المتتالية في أسعار الغازوال والزفت والمواد الأساسية، مقابل استمرار تنفيذ صفقات وفق أثمان حددت قبل تسجيل هذه الارتفاعات”، مشيرا إلى أن المقاولات تجد نفسها مضطرة إلى تحمل فروق مالية مهمة للحفاظ على وتيرة الإنجاز واحترام الالتزامات التعاقدية، خصوصا في أوراش الطرق والتهيئة.

وتابع بناصر، في تصريح للجريدة، أن “تأخر المصادقة على كشوف الأشغال وصرف المستحقات يزيد من تعقيد الوضعية المالية للمقاولات”، موضحا أن صاحب المقاولة يكون مطالبا بأداء أجور العمال ومستحقات الموردين والمناولين، وتسديد مصاريف كراء المعدات والتمويلات البنكية، بينما تظل مبالغ مهمة مستحقة عن أشغال منجزة في انتظار استكمال المساطر الإدارية. ونبه إلى أن هذه الوضعية تفرض على المقاولات اللجوء المتكرر إلى تسهيلات الخزينة والاقتراض قصير الأجل، ما يرفع تكاليفها المالية ويحد من قدرتها على تعبئة الموارد اللازمة لانطلاق أوراش جديدة.

وأكد المقاول ذاته أن ضمان استمرارية نشاط مقاولات البناء والأشغال العمومية يقتضي التعجيل بتفعيل آليات مراجعة أسعار الصفقات بما يعكس التطورات الفعلية لتكاليف الإنجاز، إلى جانب تقليص آجال المصادقة على كشوف الأشغال وتسوية المستحقات والإفراج عن الضمانات المالية داخل آجال معقولة، مشددا على أن استمرار الضغوط الحالية قد يدفع بعض المقاولات، خصوصا الصغيرة والمتوسطة، إلى تقليص مشاركتها في طلبات العروض أو تأجيل استثماراتها في المعدات والتوظيف.

ويطرح بطء استكمال إصلاح منظومة مراجعة أسعار الصفقات العمومية إشكالا إضافيا، بعدما انطلقت أشغال تحديثها سنة 2023، استجابة لمطالب مهنية بتطوير المؤشرات المرجعية المعتمدة في احتساب التغيرات السعرية، بما يضمن ملاءمة آليات المراجعة المعمول بها مع التطورات الفعلية لتكاليف الإنجاز. وتطالب الفيدرالية الوطنية للبناء والأشغال العمومية بإقرار تدابير استثنائية لفائدة العقود الجارية، إلى جانب دراسة إمكانية تخفيف العبء الضريبي على الغازوال بصورة مؤقتة، وإحداث محروقات مهنية مخصصة لآليات الأوراش.

ورغم استكمال مراحل التفعيل التدريجي للمقتضيات المتعلقة بآجال الأداء المنصوص عليها في القانون رقم 69.21، وتوسيع الالتزامات التصريحية المرتبطة به خلال أبريل الماضي، فإن خصوصيات الصفقات العمومية ومساطر إثبات الأشغال وتصفيتها تطرح تحديات إضافية، بالنظر إلى خضوعها لإجراءات تعاقدية وتنظيمية خاصة. ويقترح مهنيون تقليص مدة المصادقة على كشوف الأشغال إلى خمسة عشر يوما، مع إقرار القبول الضمني في حال انقضاء الأجل دون اعتراض، وتسريع الإفراج عن الضمانات المالية بعد استيفاء الشروط التعاقدية.

وتتفاقم الصعوبات بفعل اشتداد المنافسة على اليد العاملة المؤهلة، خصوصا سائقي الآليات ورؤساء الأوراش والتقنيين المتخصصين، نتيجة تزامن تنفيذ مشاريع كبرى في عدد من الجهات. ويؤدي هذا الوضع إلى ارتفاع تكاليف استقطاب الكفاءات والاحتفاظ بها، فيما تثير الضغوط المالية مخاوف من انتقال التأخر في الأداء عبر سلسلة التعاقدات، من المقاولات الحاصلة على الصفقات إلى المناولين والموردين، بما قد يؤثر في انتظام الأشغال.

وفي ظل رهان الاستثمار العمومي البالغ 400 مليار درهم خلال السنة المقبلة، يرتبط نجاح البرامج المعلنة بمدى قدرة الجهات صاحبة المشاريع على تأمين شروط تنفيذها المالية والتقنية، بما يضمن عدم تحول الطفرة الاستثمارية إلى مصدر إضافي لاختلال خزينة المقاولات، خصوصا مع اقتراب آجال إنجاز أوراش استراتيجية مرتبطة بالاستحقاقات الدولية المقبلة.

اقرأ النسخة الكاملة