القصر
العالم العربي

إردوغان يعتزم زيارة أذربيجان وسط مساعٍ لتجاوز الخلاف بشأن قيود باكو على ارتداء الحجاب

محرر العالم العربي 1 4 دقائق قراءة

قال إردوغان، في تصريحات للصحافيين على متن الطائرة خلال عودته من كوريا الجنوبية، نُشرت الخميس، إنه يعتزم زيارة أذربيجان في الثامن من تشرين الثاني/نوفمبر، تزامناً مع احتفالاتها بـ"يوم النصر". وأضاف: "ما لم تطرأ ظروف استثنائية، أخطط لزيارة أذربيجان".

اعلان
اعلان

وأعرب عن أمله في أن تتيح الزيارة اتخاذ الخطوات اللازمة لتجاوز التوتر القائم، من دون أن يحدد طبيعة هذه الخطوات.

وفي محاولة لطمأنة البلدين بشأن مستقبل علاقاتهما، شدد الرئيس التركي على أن الروابط بين أنقرة وباكو تتجاوز الأطر الدبلوماسية التقليدية، قائلاً إن "العلاقة التي لا تنفصم بين بلدينا هي نتاج تاريخنا وثقافتنا ومصيرنا المشترك، ومستقبلنا أيضاً"، مؤكداً أنه "لا توجد عقبة لا تستطيع الأخوّة بين تركيا وأذربيجان تجاوزها".

وكشف إردوغان عن اتصالات دبلوماسية رفيعة المستوى جرت خلال الأسابيع الماضية، شملت محادثات هاتفية مع نظيره الأذربيجاني إلهام علييف، وأخرى بين زوجتيهما أمينة إردوغان ومهريبان علييفا.

كما أوفد رئيس جهاز الاستخبارات التركي إبراهيم قالن ووزير الخارجية هاكان فيدان إلى أذربيجان، في إطار الجهود الرامية إلى احتواء الخلاف. وكان فيدان قد التقى علييف في باكو في 15 تشرين الأول/أكتوبر الماضي.

وتتزامن الزيارة المرتقبة مع الذكرى السادسة لسيطرة القوات الأذربيجانية على مدينة شوشا خلال حرب ناغورنو كاراباخ عام 2020، التي استمرت 44 يوماً. وتحتفل باكو بهذه المناسبة سنوياً في الثامن من تشرين الثاني/نوفمبر، تحت اسم "يوم النصر"، ما يمنح زيارة إردوغان أهمية رمزية إضافية في ظل العلاقات التاريخية والعسكرية التي تجمع البلدين.

كيف أشعل الحجاب خلافاً؟

بدأ التوتر بين أنقرة وباكو عقب إقرار الحكومة الأذربيجانية، في 21 أيلول/سبتمبر الماضي، تعديلات على قواعد الزي المدرسي، تحظر ارتداء ملابس أو إضافات تعتبرها السلطات مخالفة لمبدأ التعليم العلماني أو غير منسجمة مع الزي الرسمي المعتمد في المدارس.

ورغم أن اللوائح الجديدة لا تتضمن حظراً صريحاً للحجاب، أثارت تقارير عن منع طالبات محجبات من دخول بعض المدارس موجة انتقادات، خصوصاً في الأوساط المحافظة التركية، التي اعتبرت الإجراءات مساساً بحرية المعتقد والحق في التعليم.

وتصاعد الجدل بعدما انتقد أوكتاي سارال، أحد كبار مستشاري إردوغان، القيود عبر وسائل التواصل الاجتماعي، معتبراً أن حرمان الطالبات المحجبات من التعليم أمر غير مقبول، وداعياً السلطات الأذربيجانية إلى التراجع عن هذه الإجراءات. وانضم عدد من مسؤولي حزب العدالة والتنمية الحاكم إلى الأصوات المنتقدة للقرار.

وردّ حزب "أذربيجان الجديدة" الحاكم، الذي يتزعمه علييف، في 13 تشرين الأول/أكتوبر، باتهام شخصيات سياسية تركية بالتدخل في الشؤون الداخلية للبلاد، مطالباً حزب العدالة والتنمية بوضع حد لهذه التصريحات.

ومع اتساع الخلاف، أقال إردوغان مستشاره سارال في 25 تشرين الأول/أكتوبر، في خطوة ربطتها تقارير بمحاولة تهدئة التوتر مع باكو، غير أن هذه الخطوة لم تُنهِ مظاهر الفتور الدبلوماسي بين الجانبين.

وقد برزت مؤشرات الخلاف بصورة أوضح عندما تغيّب الرئيس الأذربيجاني عن القمة الثالثة عشرة لمنظمة الدول التركية، التي استضافتها أنقرة في 30 تشرين الأول/أكتوبر، رغم تلقيه دعوة شخصية من إردوغان خلال اتصال هاتفي جرى بينهما في 21 من الشهر نفسه.

واكتفت أذربيجان بإيفاد وزير خارجيتها جيهون بيراموف لتمثيلها في القمة، ما أثار تساؤلات بشأن مستوى التوتر بين الحليفين، خصوصاً أن غياب علييف جاء رغم استمرار الاتصالات الدبلوماسية وإقالة المستشار التركي الذي أثارت تصريحاته غضب باكو.

تحالف تاريخي رغم الخلافات

تُعد تركيا وأذربيجان من أقرب الحلفاء في المنطقة، وتربطهما علاقات سياسية وعسكرية واستراتيجية وثيقة، غالباً ما يختصرها البلدان بشعار "أمة واحدة، دولتان". وقد شكل الدعم التركي لباكو خلال نزاعها مع أرمينيا حول ناغورنو كاراباخ أحد أبرز مظاهر هذا التحالف.

غير أن الخلاف الأخير كشف عن تباينات في المقاربات السياسية والدينية بين البلدين: أذربيجان، الجمهورية السوفياتية السابقة ذات الغالبية المسلمة الشيعية، تُعد من أكثر الدول ذات الغالبية المسلمة تمسكاً بالطابع العلماني لمؤسساتها، في حين يتبنى إردوغان وحزب العدالة والتنمية توجهاً سياسياً محافظاً يمنح القضايا المرتبطة بالهوية الدينية أهمية خاصة.

وتتزامن هذه التباينات مع اختلاف مواقف البلدين من إسرائيل، إذ عززت أذربيجان تعاونها العسكري مع تل أبيب، التي زودتها بطائرات مسيّرة وأسلحة خلال حرب كاراباخ عام 2020، بينما شهدت العلاقات التركية الإسرائيلية تدهوراً حاداً على خلفية الحرب على قطاع غزة، وسط انتقادات شديدة وجهها إردوغان إلى الحكومة الإسرائيلية.

وتكتسب هذه التطورات أهمية إقليمية أوسع بالنظر إلى مساعي تركيا لتعزيز نفوذها في جنوب القوقاز، وهي منطقة تحتفظ فيها روسيا بحضور تاريخي مؤثر، ما يجعل أي تصدع في التحالف التركي الأذربيجاني عاملاً قد ينعكس على التوازنات الإقليمية.

وفي ظل هذه المعطيات، تشكل زيارة إردوغان المرتقبة إلى باكو فرصة لاحتواء الخلاف وإعادة تأكيد الشراكة الاستراتيجية بين البلدين، فيما يبقى مدى نجاحها في تجاوز التوترات الأخيرة مرتبطاً بنتائج المحادثات التي قد يجريها الرئيسان على هامش احتفالات يوم النصر.

اقرأ النسخة الكاملة