القصر
العالم العربي

أحمد طالب الإبراهيمي يعود هذا الأسبوع بإرثه السياسي والفكري

محرر العالم العربي 1 5 دقائق قراءة

في إطار فعاليات الدورة السادسة والعشرين للصالون الدولي للكتاب بالجزائر، احتضنت قاعة المحاضرات «آسيا جبار»، الاثنين، ندوة فكرية تحت عنوان «أحمد طالب الإبراهيمي.. مسارات»، بمشاركة عدد من الأساتذة والمفكرين والباحثين، استعادوا خلالها محطات من المسار النضالي والسياسي والفكري والدبلوماسي للراحل، وأبرزوا إسهاماته في بناء مؤسسات الدولة الجزائرية بعد الاستقلال.

وفي مداخلته، توقف الدكتور أحمد عظيمي عند تعدد أوجه شخصية أحمد طالب الإبراهيمي، متسائلاً: هل نتحدث عن الطبيب أم المناضل أم الوزير أم الدبلوماسي أم الباحث؟ معتبراً أن هذه الصفات اجتمعت في رجل واحد، وأن مساره يعكس تعدد المسؤوليات التي اضطلع بها خلال مراحل مختلفة من تاريخ الجزائر.

واستعاد عظيمي ظروف التحاق أحمد طالب الإبراهيمي بالعمل الحكومي سنة 1965، عندما اتصل به الرئيس الراحل هواري بومدين، في إطار تشكيل أول حكومة بعد توليه السلطة، وعرض عليه الانضمام إليها. وأوضح أن الإبراهيمي أبدى تحفظاً على العرض، مذكّراً بكونه الطبيب الجزائري الوحيد في مستشفى مصطفى باشا آنذاك، وبحاجة الجزائريين إلى الكفاءات الطبية، قائلاً لبومدين إن بإمكانه العثور على عشرات المرشحين لمنصب وزير، لكنه لن يجد بسهولة أطباء جزائريين لتعويض النقص في المستشفيات الجزائرية عقب استقلالها العام 1962.

وأضاف عظيمي أن بومدين أقنعه في نهاية المطاف بتولي وزارة التربية الوطنية، مستنداً إلى أن ذلك يمثل امتداداً لرسالة والده، العلامة الراحل محمد البشير الإبراهيمي، الرئيس الثاني لجمعية العلماء المسلمين الجزائريين، في مجال التعليم والتربية.

وتولى أحمد طالب الإبراهيمي حقيبة التربية الوطنية، حيث كانت من أولى المهام التي واجهته التحضير للدخول المدرسي لسنة 1967، والعمل على توفير مقعد دراسي لكل طفل جزائري مقبل على التمدرس. وأشار عظيمي إلى أن الإبراهيمي واجه آنذاك نقصاً في المؤسسات التربوية والإطارات، ما دفع الرئيس بومدين إلى اتخاذ قرار بتحويل عدد من الثكنات إلى مدارس ومؤسسات جامعية، فضلاً عن تفويضه الاستعانة بالمعلمين من الدول الصديقة والحليفة للجزائر.

كما استعرض المتحدث جانباً من إنجازات الإبراهيمي في القطاعات الوزارية التي تولى إدارتها، ولا سيما خلال إشرافه على وزارة الثقافة والإعلام، حيث عمل على ترسيخ استعمال الحرف العربي، ودعم نشر المجلات والدوريات، إلى جانب إنشاء مدرسة للمسرح والاستعانة بأساتذة عرب وأجانب لتكوين الإطارات والفنانين الجزائريين.

من جهته، ركز البروفيسور نوفل الميلي الإبراهيمي على الآثار الفكرية والثقافية التي تركها أحمد طالب الإبراهيمي، مفضلاً تناول شخصيته من زاوية الكاتب والمؤلف، وما أنجزه من أعمال توثق تجربته ومساره النضالي والفكري ورحلته كرجل دولة.

وتوقف نوفل الميلي، نجل الدكتور محمد الميلي، عند مذكرات الإبراهيمي، مشيراً إلى أنه عمل قبل وفاته على نقل تجربته إلى الأجيال، من خلال تدوين محطات من مساره الذي امتد لعقود طويلة، بما يجعل هذه الكتابات مصدراً مهماً لفهم جوانب من تاريخ الجزائر السياسي والثقافي.

وفي هذا السياق، استعرض المتحدث بعض ما تضمنه كتاب «مذكرات جزائري»، الذي توقف عند سنة 1954، وتناول فيه الإبراهيمي رحلته إلى الحج برفقة والده، ومحطات من عودته وتنقلاته، قبل توجهه إلى باريس لمواصلة دراسته الطبية، حيث صادفت إقامته هناك اندلاع الثورة التحريرية في أول نوفمبر 1954.

كما أشار إلى ما تضمنته المذكرات من حديث عن المسرح والكتاب الذين تعرف عليهم الإبراهيمي، فضلاً عن رسائل كتبها خلال فترة سجنه التي امتدت نحو أربع سنوات في المعتقلات الفرنسية.

واعتبر نوفل الميلي أن من النادر أن تجتمع في شخصية واحدة كل هذه الأبعاد الثقافية والفكرية والنضالية، واصفاً الإبراهيمي بأنه ذاكرة متنقلة بين الأجيال، ينبغي الاستفادة من تجربتها وما تحمله من شهادات وقراءات عن مراحل مهمة من تاريخ البلاد.

وتطرق المتحدث كذلك إلى المسار السياسي للإبراهيمي خلال تسعينيات القرن الماضي، ولا سيما مشاركته في الحياة السياسية وترشحه للانتخابات الرئاسية، قبل مقاطعته السباق على خلفية ما اعتبره مؤشرات على عدم نزاهته. كما تناول تأسيسه حركة الوفاء، في محاولة لمواصلة المشاركة في الحياة السياسية بعد تلك المرحلة، غير أن الحزب لم يحصل على الاعتماد.

وأكد نوفل الميلي أن مذكرات الإبراهيمي اتسمت بالنزاهة العلمية والابتعاد عن تمجيد الذات أو الأشخاص، مشيراً إلى خلوها من أي نزعة لاستعراض الإنجازات الشخصية. كما تحدث عن مسعاه لتأسيس مؤسسة تحمل اسم والده، العلامة الشيخ محمد البشير الإبراهيمي، وهي المبادرة التي لم تر النور إلى اليوم، معرباً عن أمله في تجسيدها مستقبلاً.

واختتمت الندوة بمداخلة الإعلامي والباحث التونسي كمال بن يونس، ضيف الجزائر، الذي ركز على القواسم المشتركة في مسار النضال السياسي بين الجزائر وتونس، مؤكداً عمق الروابط التاريخية التي جمعت الشعبين، ومشدداً على أن العلاقة بينهما لا تقوم على مجرد التضامن المتبادل، بل على وحدة المسار النضالي والتاريخي.

وأشار بن يونس إلى اهتمام الصحافة التونسية بالثورة الجزائرية، موضحاً أنها تخصص، في كثير من الأحيان، صفحات كاملة لتناول أخبار الكفاح، قبل أن يستحضر الدور الذي اضطلعت به تونس في احتضان مؤسسات الثورة التحريرية، وما وفرته من فضاء للعمل السياسي والتنظيمي والدبلوماسي للثوار الجزائريين.

وفي هذا الإطار، أشار إلى أن مقر القنصلية العامة الجزائرية في تونس كان يحتضن سابقاً مقر وزارة التسليح والاتصالات العامة، المعروفة اختصاراً باسم «المالغ»، التي قادها الراحل عبد الحفيظ بوصوف، أحد أبرز قادة الثورة ومؤسس جهاز المخابرات الجزائرية. كما نوه بالجهود التي بذلها القنصل العام الجزائري نصر الدين لعرابة في جمع عدد من الصور والوثائق التاريخية المتعلقة بالحكومة المؤقتة ووزارة التسليح، بما جعل المقر أشبه بفضاء متحفي يستحضر الذاكرة المشتركة.

وكشف بن يونس، في ختام مداخلته، اصداره لمؤلفه الجديد “تونس والجزائر وليبيا -من الإصلاح الى المقاومة وبناء الدولة-” يتناول التفاعل الثقافي والفكري بين أحمد طالب الإبراهيمي ورواد حركة النهضة والإصلاح في القرن التاسع عشر، وما يجمع هذه التجارب من اهتمام بقضايا الإصلاح الديني والفكري.

وسلطت الندوة، من خلال تنوع المداخلات والشهادات، الضوء على جوانب متعددة من شخصية أحمد طالب الإبراهيمي، الذي جمع بين العمل الطبي والمسؤولية السياسية والنشاط الدبلوماسي والإنتاج الفكري، كما أعادت التذكير بأهمية توثيق تجارب الشخصيات التي عايشت مراحل مفصلية من تاريخ الجزائر وأسهمت في صياغة خياراتها ومؤسساتها بعد الاستقلال.

اقرأ النسخة الكاملة