القصر
فن

60 جريمة قتل يوميا: لماذا تغرق جنوب أفريقيا في العنف؟

محرر فن 3 6 دقائق قراءة

في أواخر سبتمبر/ أيلول وقعت حادثة وحشية في بلدة دونون الواقعة على مشارف كيب تاون. فخلال عملية سطو دمر اللصوص متجرا صغيرا حتى آخر رف، بينما كان أصحاب المتجر يختبئون خلف المنضدة. وقبل أن يغادروا المتجر انحنى أحد المهاجمين فوق المنضدة وأطلق النار على أصحاب المتجر من مسافة قريبة.

كما تصدرت أحداث مماثلة عناوين الأخبار في أماكن أخرى من  جنوب افريقيا:  ففي ساعة متأخرة من مساء السبت 26 سبتمر/ أيلول أطلق مسلحون النار عشوائيا في حانة بمدينة ويديلا جنوب غرب جوهانسبرغ مما أسفر عن مقتل 18 شخصا. وفي الليلة نفسها أطلق مسلحون النار في لواندل خارج كيب تاون مما أسفر عن مقتل عشرة أشخاص. وجاءت هذه الهجمات في أعقاب حادثة إطلاق نار جماعي بالقرب من ديربان في أوائل سبتمبر/ أيلول والتي أودت بحياة أحد عشر شخصا. ويتساءل الكثيرون على الأرض عما إذا كان هذا هو بداية موجة جديدة من العنف في جنوب أفريقيا وكيف يمكن وقفها.

ثقافة الخوف

وقالت ليزيت لانكستر، مديرة برنامج العدالة ومنع العنف في معهد الدراسات الأمنية بجنوب أفريقيا، لـ DW إن الناس أصبحوا الآن "يشعرون بعدم الأمان في العيش في هذا البلد" وذلك "لأسباب مفهومة".

وأوضحت لانكستر أن سكان العديد من المناطق الحضرية الفقيرة يسمعون أصوات إطلاق النار مرارا، لا سيما في عطلات نهاية الأسبوع. وأشارت إلى أن هذا الخوف يكون أكثر حدة في المناطق التي تنتشر فيها جرائم العصابات بشكل راسخ.

في الواقع انخفض معدل جرائم القتل في جنوب أفريقيا بنسبة 5,9 في المائة وفقا لأحدث الإحصاءات الرسمية عن الجريمة. ومع ذلك لا يزال يُقتل في جنوب ذلك البلد ما يقارب 60 شخصا في المتوسط كل يوم. وسجل مكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة في عام 2024 ما يقارب 40 حالة وفاة لكل 100,000 نسمة وهو تحسن طفيف مقارنة بالذروة التي سُجلت في عام 2022 (43,72). صحيح أن المنظمة لا تُعد تصنيفات عالمية فالمقارنة المباشرة صعبة لأن جمع البيانات غير موحد وتعود البيانات إلى سنوات مختلفة. لكن التحليلات تُظهر أن جنوب أفريقيا تسجل بذلك أحد أعلى معدلات جرائم القتل في العالم، حيث تحتل المرتبة السابعة في تحليل للبنك الدولي استنادا إلى أرقام مكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة.

انتقاما من الهجمات المعادية للأجانب؟

وقال ثابيلو تسيلابيدي، أستاذ العلوم السياسية في جامعة رودس، لـ DW إن حوادث إطلاق النار يجب النظر إليها في سياق أعمال الشغب المعادية للأجانب في  جنوب افريقيا. وأضاف أن فهم هذه الظاهرة ضروري لتقييم الوضع الحالي.

تدعو مجموعات مثل "مارش آند مارش" أو "عملية دودولا" مرارا إلى تنظيم حملات ضد الرعايا الأجانب، ولا سيما المهاجرين والمهاجرات من بلدان أفريقية أخرى الذين تحملهم مسؤولية مشاكل جنوب أفريقيا ومن بينها ارتفاع معدلات البطالة والجريمة والضغط المتزايد على الخدمات العامة. ويؤكد خبراء مثل الباحث في شؤون الهجرة لورين لانداو أيضا في مقابلات مع DW مرارا أن هذه الاتهامات لا تغطي الحقيقة كاملة.

وحسب تقارير إعلامية قُتل ما لا يقل عن 350 مواطنا أجنبيًّا خلال العشرين عاما الماضية جراء أعمال عنف معادية للأجانب. وفي هذا العام وحده لقي 11 أجنبيًّا حتفهم في هجمات موجهة.

ويرى تسيلابيدي أن هناك مؤشرات قوية على أن الهجمات الأخيرة كانت أعمالًا انتقامية نفذها أجانب يقيمون بصورة غير قانونية، ردًا على شكاوى تقدمت بها مجموعات محلية بشأن وجود مهاجرين غير نظاميين.

ولم تحدد الشرطة حتى الآن الأسباب الكامنة وراء هذه الهجمات بشكل قاطع ولا تتوفر حاليا أي معلومات رسمية عن دوافع الجناة. وعموما يبدو أن دافع الانتقام من الهجمات المعادية للأجانب لا يفسر سوى جزء صغير من أزمة الجريمة الحالية.

كفاح جنوب أفريقيا ضد العنف القائم على النوع الاجتماعي

يُعد دور العنف القائم على النوع الاجتماعي نقطة مهمة في هذه التطورات الأخيرة: ففي الربع الأول من عام 2026 وحده سجلت الشرطة 50,511 حالة تتعلق بـالعنف القائم على النوع الاجتماعي وجرائم قتل النساء.

يُقدَّر معدل قتل النساء في جنوب أفريقيا بتسعة حالات لكل 100,000 امرأة أي ما يقارب خمسة أضعاف المتوسط العالمي.

وحسب إحصاءات الشرطة انخفض عدد حالات الاغتصاب في الربع الأول من عام 2026 بنسبة تقارب 6 في المائة مقارنة بالعام السابق. لكن هذا لا يعني بالضرورة انخفاض عدد الاعتداءات الجنسية، بل قد يعني أيضا انخفاض عدد الحالات المبلغ عنها.

وقد عاد موضوع العنف ضد النساء إلى دائرة الاهتمام مجددا بعد العثور على جثث اثنتي عشرة امرأة في مقاطعة غوتنغ منذ منتصف يوليو/ تموز. وأثار ذلك شائعات حول وجود قاتل متسلسل. تواصل الشرطة اعتقال المشتبه بهم لكن ثقة العديد من الجنوب أفريقيين في عملها ضئيلة.

انعدام الثقة في الشرطة

ترى لانكستر أن "الثقة في سلطات إنفاذ القانون والشرطة" قد تراجعت بشدة على مر السنين على الرغم من أن جنوب أفريقيا تمتلك أحد أكبر أجهزة الشرطة في العالم مقارنة بعدد السكان. وحسب مجلس أبحاث العلوم الإنسانية فإن 22 في المائة فقط من السكان يثقون في الشرطة.

توضح لانكستر أن جزءًا كبيرا من انعدام الثقة يعزى إلى التقارير التي تفيد بأن أجهزة إنفاذ القانون قد تم اختراقها من قبل الشبكات الإجرامية. ويبدو أن الفساد المستشري قد أضعف الشرطة منذ أكثر من عقد من الزمن. ويضيف أنه في بعض الحالات تم حتى اتهام أفراد من أجهزة إنفاذ القانون "بالعمل لصالح هذه العصابات".

وقد أدى هذا الضعف في نظام العدالة الجنائية بدوره إلى تمكين الجريمة المنظمة من ترسيخ أقدامها بشكل أكبر في المجتمعات المحلية التي كانت تعاني بالفعل من الفقر والبطالة.

وقالت لانكستر إن المشكلة اتخذت أبعادا عالمية في السنوات الماضية: "خاصة منذ جائحة كورونا نرى صلات ليس فقط مع العصابات المختلفة النشطة هنا، بل أيضا مع عصابات أخرى في جميع أنحاء العالم" تعمل في مجالات الاتجار بالمخدرات وتهريب الأسلحة والتعدين غير القانوني.

ثقافة العنف

تعود جذور العنف في جنوب أفريقيا إلى زمن بعيد، قبل المشاكل الحالية التي تعاني منها البلاد. وقالت لانكستر لـ DW :"كانت جميع الظروف التي تؤدي إلى العنف في أي مجتمع موجودة في جنوب أفريقيا بسبب الاستعمار ونظام الفصل العنصري".

في ظل قوانين الفصل العنصري تم طرد العائلات السوداء وغيرها من العائلات غير البيضاء قسرا من منازلها وإعادة توطينها في مناطق متخلفة وغالبا ما تكون نائية. وتوضح لانكستر أن هذه الأحياء عانت بشدة من عنف العصابات على مر السنين. وفي الوقت نفسه كانت العصابات توفر للشباب "شعورا بالانتماء ومعنىً للحياة وسبيلا لكسب الرزق"، حيث كان الكثيرون منهم يواجهون صعوبات في تأمين قوت يومهم.

وقد تفاقمت مشكلة البطالة مؤخرا بشكل أكبر بالنسبة للشباب: وحسب بيانات هيئة الإحصاء الحكومية "إحصاءات جنوب أفريقيا"، فإنّ ما يقرب من نصف جميع مواطني جنوب أفريقيا دون سن 34 عاما عاطلون عن العمل. وهذا يغذي الإحباط وعدم الرضا لدى جيل بأكمله.

"على الجميع تحمل المسؤولية"

إلا أن البطالة أو الفقر وحدهما لا يفسران الارتباط الوثيق بين البلاد والعنف. وتشير الدراسات إلى أن هناك عوامل متعددة تتضافر معًا منها أنماط العنف التاريخية والتفاوت المستمر وارتفاع معدلات الفساد والجريمة المنظمة وتوافر الأسلحة النارية وضعف أداء الشرطة ومحدودية الفرص الاقتصادية.

تقول لانكستر إن على كل مواطن جنوب أفريقي أن يتحمل مسؤوليته الشخصية عن الدور الذي يلعبه في استمرار هذا التفاعل المعقد، وتضيف: "علينا أن نعمل معًا للإبلاغ عن كل شكل من أشكال الفساد وكل نشاط غير قانوني. وهذا يعني أيضا عدم قبول البضائع المسروقة وعدم شراء الذهب المستخرج بطريقة غير قانونية وعدم شراء الأشياء التي يتم الحصول عليها من خلال دعم الجهات الإجرامية في مجتمعاتنا". وتتابع "يجب على مواطني جنوب أفريقيا أن يدركوا أن العنف يبدأ داخل بيوتنا". لكنها تؤكد في الوقت ذاته أن المسؤولية لا تقع على المواطنين وحدهم بل تمتد لتشمل أعلى المستويات السياسية.

ومع اقتراب الانتخابات البلدية المقررة في الرابع من نوفمبر/تشرين الثاني، والتي ستشهد انتخاب مجالس البلديات الإقليمية والحضرية والمحلية في المقاطعات التسع للبلاد، وتُعد اختبارًا مهمًا لاتجاه جنوب أفريقيا السياسي والاقتصادي، تشدد لانكستر على ضرورة مساءلة الحكومة أيضًا، قائلة: "يجب علينا كذلك أن نحاسب حكومتنا". 

أعده للعربية: م.أ.م

اقرأ النسخة الكاملة