تحت غطاء "الذرائع الأمنية"، يجد الفلسطينيون في مدينة الخليل (جنوبي الضفة الغربية المحتلة) أنفسهم أمام مهل زمنية لا تتعدى دقائق معدودة لإخلاء منازلهم ومنشآتهم التجارية قبل أن تدكها آليات الاحتلال الإسرائيلي أو يتعرضوا للاعتقال المباشر، في مشهد ميداني متسارع يضيق فيه الوقت حتى عن إخراج أوراقهم الثبوتية ومقتنياتهم الأساسية.

وتتزامن هذه الإجراءات مع تصعيد عسكري غير مسبوق يشمل هدم المنازل، وإحكام إغلاق المداخل الحيوية، ودفع مئات السكان نحو النزوح القسري، مما يثير تساؤلات حول الدلالات الإستراتيجية لخطة إفراغ كبرى حواضر جنوب الضفة وتفكيك بنيتها الجغرافية والسكانية.

أخبار مقترحة

  • مبنى قناة الجزيرة
    الجزيرة تدين تمديد حظرها في إسرائيل 90 يوما وتطالب برفعه فورا
  • صحفيون في غزة يطالبون بنقل زملائهم المرضى والجرحى للعلاج في الخارج

وجغرافيا، تحتل الخليل موقعا محوريا باعتبارها المركز الاقتصادي والتجاري والديموغرافي الأبرز في جنوب الضفة، وحلقة الوصل الحيوية التي ترتبط بها عشرات البلدات والقرى في محيطها.

وخضعت المدينة لترتيبات استثنائية عام 1997 بموجب "بروتوكول الخليل"، الذي شطرها إلى قسمين: منطقة "إتش 1" الخاضعة للسيطرة الفلسطينية وتضم 80% من مساحة المدينة، ومنطقة "إتش 2" التي تبتلع القلب التاريخي والتجاري والديني تحت سيطرة أمنية وعسكرية إسرائيلية مطلقة.

وفي هذه النواة الحيوية، زرعت سلطات الاحتلال بؤرا استيطانية في عمق النسيج العمراني، مثل "بيت هداسا" و "بيت رومانو" و "أبراهام أفينو" وتل الرميدة، وأحاطتها بمنظومة معقدة من الحواجز العسكرية والطرق الالتفافية لشل الحركة اليومية واحتواء أي تمدد عمراني فلسطيني، وفق هيئة مقاومة الجدار والاستيطان.

أهداف إسرائيلية

ومع تصاعد وتيرة الإغلاقات عقب السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، أغلقت سلطات الاحتلال المداخل الرئيسية، وحصرت التنقل عبر منفذي "فرش الهوى" و "الفحص" بساعات محددة وفق منظومة إغلاق مشددة، لتتسع رقعة العمليات العسكرية الميدانية مستهدفة أحياء مثل فرش الهوى، والجلدة، ودير بحة.

ويكتسب هذا الاستهداف بعدا جغرافيا مكشوفا، إذ تبعد منطقة "فرش الهوى" 6 كيلومترات فقط عن مستوطنة "أدورا" وتقع على مسار حيوي حساس، مما يجعل مساعي تفريغها -وفق تقرير بثته منصات الجزيرة الرقمية- خطوة مدروسة لمنع أي تواصل فلسطيني مع القرى المجاورة، وتحويل المنطقة إلى نقطة عبور وثكنة أمنية معزولة.

ويمثل هذا النهج استنساخا دقيقا لسيناريو عام 1994، حين وُظف الغطاء الأمني عقب مجزرة الحرم الإبراهيمي لإعادة هندسة قلب الخليل؛ حيث قُسم المسجد زمانيا ومكانيا، وأُغلقت المحال التجارية وشارع الشهداء، ليتحول القلب الديني والتاريخي إلى ثكنة عسكرية أفرغت المنطقة من سكانها تدريجيا، وهو المنطق ذاته الذي يُعمم اليوم على مداخل المدينة وأطرافها.

وقانونيا وسياسيا، فإن تحويل المباني السكنية إلى ثكنات عسكرية وإجبار مئات العائلات على النزوح تحت وطأة الطوق الشامل ينسف بنود بروتوكول 1997 التي نصت صراحة على الحفاظ على وحدة المدينة وضمان حرية حركة الأفراد والبضائع، مما يفرغ الاتفاق من مضمونه تماما.

ويخلص التقرير إلى أن هذه العمليات تتجاوز الذرائع الأمنية لتصل إلى هندسة ديموغرافية شاملة تترجم سياسة "التهجير البطيء"، إذ يفتت إفراغ الخليل وأطرافها العمود الفقري الاقتصادي والسكاني لجنوب الضفة الغربية، مما يجعل قيام دولة فلسطينية متواصلة جغرافيا وقابلة للحياة أمرا مستحيلا في ظل عزلها بالكتل الاستيطانية والثكنات العسكرية، محولا صمود السكان إلى معركة بقاء يومية مجهولة المصير.

عدوان واسع

وصباح اليوم الاثنين، قال محافظ الخليل خالد دودين، إن قوات الاحتلال الإسرائيلي انسحبت من مدينة الخليل، وذلك عقب عملية عسكرية استمرت 10 أيام، مشيرا إلى أنه بإمكان العائلات التي أجبرت على مغادرة منازلها في الخليل العودة إليها.

وتسبب العدوان الإسرائيلي في المدينة، وفق معطيات بلدية الخليل، في نزوح وتضرر أكثر من 3300 مواطن، وهدم 15 منزلا ومنشأة، وإغلاق 327 متجرا، وخسائر يومية مباشرة قاربت 12 مليون شيكل (نحو 3.8 ملايين دولار)، إلى جانب حرمان نحو 80 ألف طالب وطالبة من الذهاب إلى مدارسهم.

وجاء حصار واحتلال إسرائيل لمدينة الخليل منذ 23 أكتوبر/تشرين الأول الماضي، عقب عملية إطلاق نار نفذها فلسطينيان، أسفرت عن مقتل جنديين إسرائيليين وإصابة 3 آخرين. وقد قتل الجيش منفذي الهجوم، وهدم منزليهما في الخليل لاحقا.

وفرض الجيش الإسرائيلي منذ ذلك اليوم إغلاقا على مدينة الخليل وقرى محيطة بها، واستولى على منازل فلسطينية في حيي الجلدة وعين دير بحة وحولها إلى ثكنات عسكرية ورفع أعلام إسرائيل عليها. وشهدت الأيام الأولى لحصار الخليل عمليات تهجير قسري وهدم منازل ومنشآت ومحال تجارية، وتدمير بنى تحتية.