سامر عوض

 

 

هذا النص ليس نصاً تاريخياً، بل هو مقال يتناول التموضع الاستراتيجي للمسيحي في سوريا، وأودّ أيضاً التطرق إلى الجانب السياسي.

بدايةً، لا يوجد لدينا منظور سياسي مسيحي موحد، فلكل جماعة وكنيسة ومنطقة رؤيتها الخاصة لسوريا، والوطن، والمواطنة، والعلاقة بينهم.

بعد اندلاع أحداث السقيلبية الأخيرة، أعلنت البطريركيات الثلاث في سوريا، على سبيل المثال، اعتذارها عن استقبال المهنئين بالفصح. إضافةً إلى ذلك، دعت إلى إلغاء جميع الأنشطة الدينية، باستثناء الصلوات. هناك كنائس عديدة لم تحترم هذا النوع من الاحتجاج، خارج إطار البطريركيات ولم تتقيد. يوضح هذا المثال الاختلافات الكثيرة بين الكنائس.

قد لا يكون من السهل التوصل إلى رؤية موحدة بشأن العلاقة بين المسيحيين والحكومة السورية وترتيب البيت الداخلي. لكل كنيسة موقفها الخاص من المشاركة في الحياة السياسية. على أي حال، سواء أكان الأمر سهلاً أم صعباً، فإن فوائد الموقف الموحّد تفوق سلبيات هذه الاختلافات في وجهات النظر.



تنهمك الكنيسة السريانية الأرثوذكسية بالقومية السريانية، بينما تهتم الكنائس الأخرى بالهوية السورية. وتنعكس هذه الاختلافات على سلوك الكنائس ومواقفها، وفي الوقت نفسه على نظرة الحكومة السورية إلى المسيحيين ومشاركتهم في الحياة السياسية السورية.


قد يتساءل المرء: لماذا يُعدّ موقف واحد أو رأي واحد ضرورياً؟ ولماذا يُعدّ ذلك ضرورياً من الكنيسة نفسها؟ في الدول الأوروبية، لا يوجد تدخل كنسي في السياسة؛ فلماذا لا تتمثل بلادنا بهم؟



أولاً، يشكّل المسيحيون السوريون حالياً ما بين 3 و4 في المئة من السكان. وبينما يمتلك كل قطاع رؤيته ورسالته واستراتيجيته الخاصة، ستكون أمامنا طريقتان أو ثلاث للتواصل مع الحكومة. سينظر إلينا الحكم حينها ككتل ضعيفة مشرذمة لافتقارنا إلى خطة استراتيجية واضحة وموحدة. من شأن خطة استراتيجية موحدة أن تُحسّن التموضع الداخلي، وتزيد من فرص الحصول على دعم خارجي من المنظمات الدولية الداعمة بشكل حقيقي لا نظري إلى الوجود المسيحي المشرقي، وستسعى الحكومات الأجنبية إلى وضع خطة واضحة وشاملة لتحقيق مطالبنا الاستراتيجية بإحراجها برؤية استراتيجية عميقة موحدة بدل أن نكون بشكل أو بآخر منابر، ونعتبر لتوزيع الرز والسكر.



لا أتحدث الآن عن تفاصيل أو ظروف داخلية تتعلق بشؤون الكنائس، بل أشير إلى الرؤى العميقة والمتكاملة التي يمكن أن تخدم الشعب. ستُحسّن هذه الرؤية شفافية خطط الكنائس، لأنها تعبّر عن وجع وحلّ ولن تكون حالة عابرة، وستُساعدنا على تحقيق أهدافنا بسهولة أكبر من وجود خطط مُتعددة ومُختلفة. ستستخدم كل كنيسة إمكانياتها لمواجهة صعوبات نُواجهها حالياً.

على سبيل المثال، تربط الكنيسة الرومية الأرثوذكسية علاقة وثيقة بالحكومة الروسية، وتحافظ الكنائس الكاثوليكية على علاقات جيدة مع حكومات أوروبية، ولدى البطريركية السريانية الأرثوذكسية جالية كبيرة في السويد وهولندا. بعبارة أخرى، لكل كنيسة نقاط قوة، ويُمكننا تشكيل لجنة جادة تضم ممثلين عن كل كنيسة ورؤيتها. لا أقصد هنا الدعوة إلى بيروقراطية آلية الخطط بشأن التطورات السورية المسيحية، إذ نستطيع الاستفادة من أنفسنا، ومن الآخرين، ومن العلاقات السياسية مع الدول الأجنبية. في حال كانوا غير جديين، نعتبر أننا قد أدينا قسطنا للعلى، وأحرجنا ادّعاءهم، لو لم يكونوا صادقين معنا ومع أنفسهم.

سوريا اليوم باتت مفعمة بالطاقات في الداخل وفي بلاد الانتشار، بالرغم من أنها قدرات مشرذمة، وتستحق استخدامها لخدمة أهداف سامية. لا يجوز أن نخجل من أبنائنا، وهم مع حكومات البلاد التي يعيشون فيها قد يكونوا راغبين في المساعدة أو المساهمة.

هنا لا توجد دعوة لانعزال المسيحين عن إطارهم ونسيجهم الوطني بل لتعزيز حضورهم ليكونوا منارة وفق ما كلفهم الناصري.

 اخنلافاتنا قد تحقق ذريعة للخارج وتشتيت لاستراتيجية مستلزماتنا. ولا ننسى أن عاهل الأردن السابق، الملك حسين، طالب رؤساء الكنائس في البلاد ليحيوا يوماً موحداً الفصح، فكان ذاك ونال هو وهم ما يريدون، مع الحفاظ على مختلف أنواع الخصوصية التي تتمتع بها كل كنيسة. المطلوب هو وحدة استراتيجية لا كيانية، فهي وسيلة وليست غاية بحد ذاتها.

 ثانياً، هناك اختلافات جوهرية بين المسيحيين في أوروبا وعندنا. لا تنظر حكومات عربية للمسيحيين إلا من خلال الإطار الناظم لهم، بينما حققت أوروبا مراحل متقدمة في مجال المواطنة.

 في بلداننا، لا يوجد حتى الآن مبدأ المواطنة، ويجب على كل جماعة أن تجد خطتها ورؤيتها وهويتها الخاصة. بعبارة أخرى، على المسيحيين أن يشقوا طريقهم الخاص. لا يمكنهم انتظار الحكومة أو غيرها من ذوي الخلفيات السياسية والدينية المختلفة. عندما نجد هوية وطنية ومواطنة حقيقيتين، سنصبح جزءاً من المجتمع السوري. اليوم، يجب أن نكون على دراية بحقوقنا وواجباتنا، وأن نفهمها جيداً كي يتمكن الغير من استيعابنا لو أراد.
علينا بلورة هويتنا لنفهم تموضعنا على الخريطة السياسية. المطلوب ليس مجرد حضور بل وجود فاعل.
أخيراً، لدينا العديد من الأمثلة التي يمكننا الاسترشاد بها لتحقيق أهدافنا وبلوغ مأربنا. على سبيل المثال، رئيس أساقفة حلب للروم الكاثوليك سابقاً يوحنا جنبرت أطلق مشروعاً مهماً لمساعدة الشباب في إيجاد سكن مناسب.
في الوقت نفسه، أطلق المعاون البطريركي الماروني السابق، رولان أبو جودة، مشروعاً متقدماً لمساعدة الشباب على البقاء في لبنان أيضاً.
هذه الخطة تتطلب مشاركتنا جميعاً، سواء أكنا نعيش في سوريا أم لا، بغضّ النظر عن وضعنا المادي. كلّ واحد منا لديه الإمكانية والفرصة للمشاركة في هذا المشروع. الأمر ليس سهلاً نظراً إلى العقبات الكثيرة، ولكنه ليس مستحيلاً إذا تحلينا بالشغف والمثابرة والإنسانية، وليس مستحيلاً بعون الله.
هناك من سيقرأ ويضحك ويقول: كفانا تنظير، الواقع صعب ومرير، ولا أحد من الداخل أو الخارج يهمه أمرنا. الكل ضدنا، ولا أحد سوى الرب معنا! هذا ليس صحيحاً، فالحكومة الهنغارية معنا، وهناك كثر لو شرحنا لهم عن هواجسنا لن يقصروا، ربما لتحقيق أهداف تخصهم، لكن هذا ليس مهماً؛ النقطة المحورية هي أن نؤمن بأنفسنا والغير ممن هو جدير بذلك كامتداد وتفعيل لإيماننا بالرب. المهم في الأمر أن نتحول من توزيع الضروريات إلى رسم خطط استراتيجية بعيدة المدى.