غزة- أطلق مسؤول أممي تحذيرات حول خطورة تقليص المساعدات الغذائية المقدمة إلى قطاع غزة، في وقت يعتمد فيه غالبية السكان هناك عليها بشكل مباشر وأساسي، في ظل الحصار والارتفاع الكبير بنسب البطالة والفقر.
وتقلصت المساعدات الغذائية التي تصل إلى مئات آلاف الأسر الفلسطينية في قطاع غزة، بعدما اضطر برنامج الأغذية العالمي التابع للأمم المتحدة إلى خفض أعداد المستفيدين وكميات الغذاء المقدمة لهم، في وقت يعتمد فيه نحو 90% من سكان القطاع على المساعدات الإنسانية لتأمين احتياجاتهم الأساسية، وسط تحذيرات من تدهور الأوضاع الغذائية مجددا.
أخبار مقترحة
وقال منسق الطوارئ رئيس مكتب عمليات برنامج الأغذية العالمي في غزة ويلي نييكو، في لقاء مع الجزيرة، إن نقص التمويل بدأ يؤثر بصورة مباشرة على مختلف الأنشطة الإنسانية التي ينفذها البرنامج، موضحا أن عدد المستفيدين من مساعداته الغذائية انخفض من نحو مليون و600 ألف شخص شهريا إلى مليون و100 ألف، ما يعني فقدان نصف مليون فلسطيني للمساعدات التي كانوا يتلقونها.
تخفيض العدد والحصص
وأوضح نييكو، أن تداعيات الأزمة لم تقتصر على تقليص أعداد المستفيدين، بل امتدت إلى خفض كميات الغذاء المخصصة لكل أسرة، مشيرا إلى أن البرنامج اضطر إلى تقليل وتيرة توزيع المساعدات، بحيث قد تحصل بعض العائلات على حصصها مرة كل 3 أشهر، بعدما كانت تتلقاها شهريا.
وأظهرت أحدث تحليلات البرنامج -يضيف نييكو- اعتماد نحو مليون و900 ألف فلسطيني، يمثلون 90% من سكان غزة، على المساعدات الإنسانية، بينهم مليون و400 ألف شخص يعانون من انعدام الأمن الغذائي الحاد، في حين لا يستطيع البرنامج تقديم مساعدات شهرية إلا لنحو مليون و100 ألف شخص.
وهذا التفاوت بين حجم الاحتياجات والموارد المتاحة أجبر -بحسبه- البرنامج على إعطاء الأولوية للأسر الأشد ضعفا، على أن تتلقى بقية العائلات مساعداتها لاحقا بكميات أقل وعلى فترات زمنية أطول، في محاولة للوصول إلى أكبر عدد ممكن من المحتاجين.
وكشف نييكو عن أن نقص التمويل انعكس أيضًا على الوجبات المطهية التي يقدمها البرنامج في المناطق التي يصعب الوصول إليها، ولا سيما المناطق الواقعة على امتداد ما يُعرف بالخط الأصفر، حيث يفتقر السكان إلى الوقود والغاز والمياه، ويواجهون ظروفا أمنية تحول دون قدرتهم على التنقل وتأمين احتياجاتهم.
خطورة التقليص
كما أن البرنامج اضطر إلى خفض عدد الوجبات الجاهزة التي يوزعها في تلك المناطق من 250 ألف وجبة يوميا إلى 150 ألفا، ما أدى إلى تقليص وتيرة حصول الأسر عليها، بحيث أصبحت بعض العائلات تتلقى وجبة مرة كل يومين بدلا من الحصول عليها يوميا، بحسب المسؤول في برنامج الأغذية.
وحذّر المسؤول من أن تقليص المساعدات يهدد المكاسب المحدودة التي تحققت في مواجهة الجوع خلال الفترة الماضية، موضحا أن زيادة تدفق المساعدات الإنسانية أسهمت في تحسين الأوضاع الغذائية مقارنة بالظروف الشبيهة بالمجاعة التي شهدها القطاع العام الماضي.
وهذا التحسن -أكد نييكو- اعتمد بصورة كاملة على المساعدات الإنسانية، في ظل تضرر مقومات الإنتاج وغياب مصادر الدخل، مشيرًا إلى أن نسبة البطالة في غزة بلغت 80%، الأمر الذي يجعل السكان عاجزين عن تعويض النقص في المساعدات بالاعتماد على مواردهم الخاصة.
قلق بالغ
وأعرب نييكو عن قلقه البالغ إزاء أوضاع مليون و400 ألف فلسطيني يعانون من انعدام الأمن الغذائي الحاد، ولا يحصلون على احتياجاتهم اليومية من العناصر الغذائية، محذرًا من أن استمرار تقليص المساعدات قد يدفعهم إلى ظروف معيشية وغذائية أشد خطورة.
وشدد على أن استمرار العمليات الإنسانية في غزة يعتمد على ركيزتين أساسيتين، هما التمويل وإمكانية الوصول إلى السكان، معتبرًا أن فتح المعابر والسماح بدخول الإمدادات لن يكون كافيًا ما لم تتوفر الموارد المالية اللازمة لشراء الغذاء وتقديم المساعدات النقدية للأسر.
وقال نييكو: "من دون تمويل، لا يوجد بديل"، موضحا أن توفير ممرات لإدخال السلع لا يحقق الغاية المطلوبة إذا افتقرت المنظمات الإنسانية إلى الموارد اللازمة لتأمينها، أو عجز السكان عن الحصول على مساعدات نقدية تمكنهم من شراء احتياجاتهم من الأسواق.
خشية الجوع
وناشد المنسق نييكو الحكومات والجهات المانحة والمجتمع الدولي والأفراد والقطاع الخاص تكثيف دعمهم للعمليات الإنسانية في غزة، محذرًا من أن توقف المساعدات، سواء بسبب نقص التمويل أو تعذر الوصول، يهدد بدفع نحو مليون و900 ألف شخص إلى أوضاع أسوأ، في ظل غياب مصادر بديلة للغذاء والدخل.
وعكست شهادات عائلات فلسطينية حجم التداعيات المباشرة لتقليص المساعدات، بعدما أصبحت الحصص الغذائية التي تتلقاها غير كافية لتلبية احتياجاتها، في وقت تراجعت فيه قدرتها على شراء الغذاء بسبب انعدام فرص العمل وتدهور الظروف الاقتصادية.
وقالت عبير الضبان، من حي الشجاعية شرقي مدينة غزة، إن المساعدات الغذائية أصبحت المصدر الأساسي لتأمين احتياجات أسرتها، في ظل غياب فرص العمل وعدم قدرتها على توفير احتياجاتها من الأسواق، مؤكدة أن الكميات التي تحصل عليها عائلتها تراجعت بصورة كبيرة.
وأضافت "حياتنا قبل الحرب كانت جنة، اليوم اعتمادنا على الكوبونات. لا يوجد عمل. إذا لم نمت من الحرب، سنموت من الجوع"، مشيرة إلى أن عائلتها كانت تحصل سابقا على 3 طرود غذائية وكيس طحين، بينما لم تعد المساعدات الحالية تكفي لتلبية احتياجاتها.
لا بدائل
وبدوره، يؤكد عبد المالك عجور، أحد سكان شمالي قطاع غزة، أن عائلته لم تتلقَّ أي مساعدات غذائية منذ شهرين، رغم اعتمادها عليها لتأمين جزء من احتياجاتها اليومية، مبينا أن آخر حصة حصلت عليها تضمنت كيس طحين وطردا غذائيا وعلبتي تونة.
بينما كانوا يتلقون في السابق طردين غذائيين وكيسي طحين قبل أن تتراجع الكميات وتنقطع المساعدات، ويقول: "منذ شهرين لم نستلم أي شيء. لم نعد قادرين على الشراء، ولا شيء متوفر".
وحذّر نييكو من أن غياب التمويل يهدد استمرار التحسن المحدود في الأوضاع الغذائية، مؤكدا أن سكان القطاع لا يملكون بدائل حقيقية عن المساعدات الإنسانية، في ظل الدمار الذي طال مقومات الإنتاج وسبل كسب العيش. وشدد على أنه إذا لم يحصل السكان على احتياجاتهم من المنظومة الإنسانية، فلن يجدوا مصدرًا آخر لتأمينها.

التعليقات 0
كن أول من يعلق على هذا الخبر