الكاتب: عمر حلمي الغول

منذ تبلورت الطبقة العاملة كقوة نقابية واجتماعية واقتصادية في المجتمعات كافة، لعبت دورا هاما في الدفاع عن مصالحها الطبقية والقومية والاممية، وساهمت في تعزيز وتطوير دورها ومكانتها وثقلها النقابي على المستويين الداخلي والخارجي، ويستحضرني في هذا المقام، تجربة تحريض اتحاد البحارة الاميركيون واللوبي الصهيوني لعمال الموانئ بعدم تفريغ الباخرة المصرية "كيلوبترا" وهي تحمل شحنة قطن، في 19 نيسان / ابريل 1960، بعدما وصلت الى ميناء نيويورك، فقام عمال الشحن والتفريغ الاميركيون بحصارها ورفض تفريغها، ردا على المقاطعة العربية للسفن الإسرائيلية ومنعها من المرور عبر قناة السويس. مما دعا الرئيس المصري الخالد جمال عبد الناصر الى دعوة عمال الموانئ العرب الى عدم تفريغ أو شحن أي سفن أميركية في الموانئ العربية من المحيط الى الخليج. وعلى إثر ذلك استجاب نحو 230 ألف عامل عربي في الموانئ عن العمل، وشملت المقاطعة موانئ في مصر، سوريا، لبنان، الأردن، الكويت، المغرب، اليمن والسعودية، وتعطلت عشرات السفن الأميركية. وبسبب الخسائر الأميركية الفادحة، أصدر رئيس نقابة عمال البحر الاميركيين "بول هول" أمراً بإنهاء الحصار في 6 أيار / مايو 1960، وبدأ تفريغ الباخرة كليوبترا في 9 مايو، لينهي اتحاد العمال العرب في المقابل مقاطعتهم للسفن الأميركية.
هذا النموذج لتعاضد النقابات واتحادات عمال الموانئ العرب، وتلبية دعوة الزعيم القومي العربي عبد الناصر في التضامن مع الباخرة المصرية كيلوبترا، كسر التغول الأميركي الصهيوني، وأرغمهم على الرضوخ للإرادة النقابية العربية. وفي خطوة مماثلة وذات ابعاد نقابية عمالية أممية إنسانية وسياسية، أنطلق للمرة الثانية هذا العام 2026، إضراب عمالي دولي في عدد من الموانئ حول العالم يوم الجمعة 30 تشرين اول / أكتوبر الماضي، تضامنا مع الشعب الفلسطيني واحتجاجا على استمرار الجرائم الإسرائيلية بحقه، وتوقع القائمون على الاضراب بمشاركة عمال 50 ميناء من 22 دولة، وتلازم مع مظاهرات وفعاليات احتجاجية في أكثر من 100 مدينة حول العالم. وجاء الاضراب الاممي تحت شعار "موانئ من أجل السلام – وظائف تحفظ الكرامة"، في تحرك نقابي وشعبي منظم بهدف الضغط لوقف نقل الأسلحة والمعدات العسكرية عبر الموانئ، ورفض توظيف المنشآت المدنية في خدمة الحروب والعمليات العسكرية.
ووفق القائمون على تنظيم النشاط النقابي والشعبي، فإن الاضراب شكل نقطة تحول هامة في سلسلة الفعاليات والأنشطة الاحتجاجية التي بدأت في 26 أكتوبر الماضي، وتوجت تلك الفعاليات التضامنية مع الشعب الفلسطيني، بالإضراب الدولي يوم الجمعة الماضي. وتم بلورة الخطوة الريادية، في اعقاب عقد مؤتمر دولي شارك فيه نحو 200 ممثل عن نقابات عمال الموانئ ونقابات عمالية أخرى ومنظمات المجتمع المدني من 11 دولة، بينها فرنسا وإيطاليا وألمانيا والمغرب وتركيا واسبانيا واليونان وهولندا. وفي إيطاليا، دعا اتحاد النقابات العمالية (USB) الى اضراب عام على المستوى الوطني في ذات يوم الجمعة الماضي، وشمل قطاعات متعددة، بهدف توسيع المشاركة العمالية في الاحتجاجات المناهضة للحروب.  
وكان الاضراب الأول، في السادس من شباط / فبراير الماضي، مما يعكس الإرادة والتصميم على توسيع نطاق الجهود والمشاركة النقابية وزيادة عدد الموانئ والمدن المنضوية تحت لواء الدعم للشعب الفلسطيني، ومحاصرة إسرائيل ومن يقف خلفها، والحؤول دون مرور الأسلحة والمعدات العسكرية من موانئها. وللتأكيد على أن الفعل الاممي لا يقتصر على نشاط أو مؤتمر واحد، انما يكتسب طابع الديمومة والتطوير والتوسيع للأطر والنقابات والاتحادات الدولية. لا سيما وان الإبادة الجماعية الإسرائيلية على الشعب الفلسطيني في قطاع غزة مازالت مستمرة، كما أنها تتعاظم في الضفة الغربية بما فيها القدس العاصمة الفلسطينية. وهذا ما عكسته مطالب المشاركون في المؤتمر: بوقف الجرائم الإسرائيلية بحق الشعب الفلسطيني، ومنع استخدام الموانئ في نقل الأسلحة والمعدات العسكرية، الى جانب وقف سياسات إعادة التسلح وتوجيه الموارد المالية نحو تحسين الخدمات الاجتماعية وحماية حقوق العمال بدلا من الانفاق العسكري. في ربط جدلي بين التضامن مع الشعب الفلسطيني، والدفاع عن حقوق العمال.
كما أن أهمية الحراك العمالي الأخير يشير الى تصاعد ومضاعفة وتطوير دور النقابات العمالية الدولية في التضامن مع القضية الفلسطينية، والانتقال من دائرة إصدار بيانات الإدانة والمظاهرات الشعبية الى خطوات وانشطة احتجاجية تستهدف سلاسل الامداد والنقل البحري، لزيادة الضغط الدولي على دولة الاستعمار الإسرائيلية من يساندها. ولا أدري إن كانت الاتحادات العمالية العربية الوطنية والقومية متابعة للجهود العظيمة التي تقوم بها الاتحادات والنقابات الدولية أم لا؟ وهل تطالها الصحوة والنخوة القومية لمشاركة تلك الاتحادات والنقابات الجهود في الدفاع عن أبناء جلدتهم الفلسطينيين؟ وهل يستحضرون تجربة التضمن مع السفينة المصرية كيلوبترا عام 1960، حيث يواجه الشعب الفلسطيني الفناء والابادة، ولم يقتصر الامر على سفينة؟