(CNN) -- بعد نحو 15 عامًا على وفاة رجل الأعمال الأمريكي سولومون آر. غوغنهايم، قرّرت المؤسسة التي تدير مجموعته الفنية بيع 50 من أصل 170 لوحة للفنان الروسي فاسيلي كاندينسكي، رغم مكانته بوصفه أحد أبرز الفنانين الذين دعمهم غوغنهايم.
وفي العام 1964، برّرت المؤسسة، التي تدير متحف غوغنهايم في مانهاتن، القرار بـ"عدم توافر مساحة كافية لعرضها". وأوضح ابن شقيق غوغنهايم، هاري إف. غوغنهايم، أن أمناء المؤسسة خشوا أن تبقى اللوحات حبيسة المخازن، مضيفًا: "وقرّرنا أن هذا لا ينبغي أن يكون مصير هذه اللوحات".
بدا القرار نبيلًا حينها، لكنّه ربما كلّف المؤسّسة ثروة فنية طائلة.
ففي مزاد أقيم في لندن في العام ذاته، بيعت اللوحات الخمسون مقابل نحو 1.5 مليون دولار آنذاك. ومنذ ذلك الحين، عادت أعمال كثيرة منها إلى السوق بأسعار أعلى بكثير. واليوم، تستعد لوحة "Betonte Ecken" للعودة إلى المزاد، بتقديرات تتراوح بين 60 و80 مليون دولار، بعدما بيعت عام 1964 مقابل نحو 62 ألف دولار آنذاك.
وقال ماكس كارتر، الرئيس العالمي لقسم فنون القرنين الـ20 والـ21 لدى دار كريستيز، التي تنظم المزاد: "كانت لدى مؤسسة غوغنهايم ثروة فنية هائلة في ذلك الوقت"، مضيفًا أن المؤسسة "باعت روائع فنية استثنائية، وهو أمر لا يمكن تصوّره اليوم".
وبات شبه مؤكد أنّ لوحة "Betonte Ecken" ستحطّم الرقم القياسي لأعمال كاندينسكي في المزادات، بعدما أكدت جهة ضامنة تلقي عرض يتجاوز الرقم القياسي الحالي البالغ 44.55 مليون دولار، وهو المبلغ الذي بيعت به لوحته "Murnau mit Kirche II" عام 2023.
ويعكس هذا الارتفاع الكبير في قيمة أعمال كاندينسكي مكانته في سوق الفن اليوم. فرغم رسوخ سمعته الفنية وقت بيع لوحات غوغنهايم، كانت لوحة "Betonte Ecken" لا تزال "سابقة لعصرها إلى حد كبير"، بحسب كارتر.
وأضاف: "أما اليوم، فقد أصبحت من الأعمال الفنية المرجعية"، واصفًا إياها بأنها تُجسّد أسلوب الفنان خير تجسيد.
وقال كارتر: "لو طلبت من أول عشرة أشخاص في الشارع يعرفون كاندينسكي أن يغمضوا أعينهم ويتخيلوا شكل إحدى روائعه الفنية، فستكون هذه اللوحة هي ما يتصورونه".
لوحة تختزل عالم كاندينسكي الفني
كان كاندينسكي من أبرز رواد الفن التجريدي في العقد الثاني من القرن الـ20. ورسم لوحة "Betonte Ecken" بين ديسمبر/كانون الأول 1922 ويناير/كانون الثاني 1923، خلال مرحلة مهمة من مسيرته الفنية، شهدت إبداع بعض من أكثر أعماله طلبًا في سوق الفن.
وبعد سبع سنوات أمضاها في روسيا، عاد إلى ألمانيا، حيث كان يعيش قبل اندلاع الحرب العالمية الأولى. ومع تعارض توجهاته الفنية مع أيديولوجية النظام السوفيتي الجديد المناهضة للبرجوازية، قبل دعوة لتدريس النظريات الفنية في مدرسة باوهاوس الشهيرة بمدينة فايمار. ولاحقًا، وصفه النازيون بأنه فنان منحط.
وتُجسّد اللوحة، التي أنجزها بعد وصوله إلى ألمانيا بفترة وجيزة، اهتمامه النظري بالأشكال والهندسة. وقال كارتر إن تعقيدها وألوانها وتكوينها "تختزل كل ما سبقها"، مضيفًا أن بعض هواة جمع الأعمال الفنية يرون أن هذه المرحلة هي الأهم في مسيرته.
وتحمل اللوحة أيضًا بصمة التأثير الموسيقي الواضح في أعمال كاندينسكي. فقد اختار احتراف الفن بعد حضوره حفلًا موسيقيًا لأعمال فاغنر في مسرح البولشوي بموسكو عام 1896. ووصف التجربة لاحقًا كالتالي: "رأيت كل ألواني في ذهني، وكأنها تقف أمام عينيّ. ورُسمت أمامي خطوط جامحة، تكاد تكون جنونية".
وتتضمن اللوحة خطوطًا سوداء تشبه تدوينات النوتة الموسيقية، كما تحمل طابعًا "سيمفونيًا" بمعنى أوسع، بحسب كارتر، الذي يوضح أن سر تماسكها يكمن في التناغم بين عناصرها المتباينة.
وقال: "عندما تقف أمام هذه اللوحة، تجد أن العلاقة بين الأشكال والعناصر المختلفة فيها، التي قد تبدو فوضوية ومبعثرة وربما غير مترابطة لو رسمها فنان أقل مهارة، تتسم بانسجام بالغ"، مضيفًا أنّ "الأمر يتعلق أساسًا بالعلاقات التي تربط الأشكال فيما بينها".
ويبلغ طول ضلع اللوحة المربعة أكثر من 1.3 متر، وهو حجم كبير نسبيًا في أعمال كاندينسكي. كما أسهمت ندرة إنتاجه الفني في ارتفاع قيمة أعماله؛ إذ يضم أحد الفهارس الشاملة لأعماله أقل من 1200 لوحة زيتية، مقارنة بأكثر من 16 ألف لوحة ورسم في أحد فهارس أعمال بابلو بيكاسو.
ولا تزال مؤسسات فنية كثيرة تحتفظ بأعمال كاندينسكي، من بينها متحف غوغنهايم نفسه، الذي يضم اليوم أكثر من 150 لوحة له، بعدما اقتنى أعمالًا جديدة منذ مزاد 1964. ورغم أن المؤسسة ربما خسرت ببيع تلك اللوحات روائع تساوي اليوم ملايين الدولارات، فإنها احتفظت بأبرز أعمال الفنان، ومنها لوحته الشهيرة "Komposition VIII".
وكان ابن شقيق غوغنهايم قد أوضح قبيل مزاد 1964، أن المؤسسة لم تعرض للبيع سوى اللوحات التي يمكن "الاستغناء عنها بشكل معقول، من دون المساس بمكانة المجموعة الدائمة للمتحف".
التعليقات 0
كن أول من يعلق على هذا الخبر