البروفيسور علي لونيسي: السمنة ترتبط بارتفاع مستويات الالتهاب المزمن في الجسم
لم تعد التغذية مجرد وسيلة لتلبية احتياجات الجسم من الطاقة والعناصر الضرورية، بل أصبحت أحد أهم مفاتيح الوقاية من الأمراض المزمنة والتحكم في الالتهابات. ففي الوقت الذي ينصب فيه اهتمام الكثير على الأدوية والعلاجات الطبية، يؤكد مختصون أن ما نضعه يوميا على موائدنا قد يكون عاملا حاسما في تعزيز صحة الجسم أو زيادة تعرضه للالتهاب، خاصة في ظل انتشار السمنة وتنامي استهلاك الأغذية المصنعة والغنية بالسكريات والدهون غير الصحية.
وفي هذا السياق، دعا البروفيسور علي لونيسي، رئيس مصلحة الطب الداخلي بمستشفى تلمسان، إلى مراجعة العادات الغذائية السائدة، والحد من استهلاك الأغذية المحفزة للالتهاب، مقابل تعزيز حضور الأغذية المضادة للالتهاب ضمن النظام الغذائي اليومي، باعتبار التغذية السليمة أحد المداخل الأساسية للوقاية وتحسين الصحة العامة.
وخلال مداخلته حول موضوع “السمنة والالتهاب”، ضمن ملتقى “مستجدات الالتهاب” المنظم مؤخرا، أوضح البروفيسور علي لونيسي أن السمنة لا تقتصر آثارها على زيادة الوزن أو التسبب في اضطرابات التمثيل الغذائي، وإنما ترتبط أيضا بارتفاع مستويات الالتهاب المزمن في الجسم، وهو ما قد ينعكس سلبا على تطور بعض الأمراض وعلى استجابة المرضى للعلاجات الموجهة لمكافحتها.
السمنة قد تقلل فعالية العلاجات البيولوجية
ومن أبرز النقاط التي أثارها البروفيسور علي لونيسي تأثير السمنة في فعالية بعض العلاجات البيولوجية، لاسيما الأدوية المضادة لعامل نخر الورم (Anti-TNF)، التي تستخدم في علاج عدد من الأمراض الالتهابية والمناعية.
وتكتسي هذه المسألة أهمية طبية واقتصادية بالغة، بالنظر إلى أن هذه العلاجات تعد من الأدوية مرتفعة التكلفة، وتشكل أحيانا عبئا ماليا على المرضى ومنظومة الصحة، خاصة عندما لا تحقق النتائج العلاجية المرجوة.
ومن هذا المنطلق، يصبح التحكم في الوزن وتحسين النظام الغذائي من العوامل القابلة للتعديل التي ينبغي الاهتمام بها إلى جانب العلاج الدوائي، إذ إن تحسين نمط الحياة قد يساعد على تعزيز الاستجابة العلاجية، ويحد من المضاعفات المرتبطة بالسمنة والالتهاب المزمن، فضلا عن المساهمة في ترشيد نفقات التكفل الصحي.
أطعمة يومية تغذي الالتهاب…
وفي مقابل ذلك، تبرز مجموعة من الأغذية التي يرتبط الإفراط في استهلاكها بزيادة الالتهاب، وفي مقدمتها المشروبات الغازية والعصائر الغنية بالسكريات المضافة، والحلويات والمنتجات المحلاة، إلى جانب الوجبات السريعة والأطعمة فائقة التصنيع.
كما تشمل القائمة اللحوم المصنعة، مثل النقانق والكاشير، والإفراط في تناول اللحوم الحمراء، فضلا عن المقليات والأطعمة الغنية بالدهون المشبعة والمتحولة، والمنتجات المصنوعة من الدقيق الأبيض والحبوب المكررة.
وتكمن خطورة هذه الأنماط الغذائية في أن استهلاكها المتكرر، خاصة عندما يقترن بقلة النشاط البدني وزيادة الوزن، قد يساهم في اضطراب التوازن الأيضي وتعزيز العمليات الالتهابية داخل الجسم، ما يجعل مراجعة محتويات السلة الغذائية ضرورة صحية وليست مجرد خيار مرتبط بالرشاقة أو المظهر الخارجي.
الخضر والفواكه وزيت الزيتون في مواجهة الالتهاب
وفي المقابل، ينصح المختص بتبني نظام غذائي متوازن يرتكز على الأغذية الطبيعية الغنية بمضادات الأكسدة والعناصر الغذائية المفيدة، وفي مقدمتها الخضروات والفواكه، مثل البرتقال والتوت والكرز والسبانخ والملفوف والبروكلي، لما تحتويه من مركبات تساعد الجسم على مواجهة الإجهاد التأكسدي.
كما يحتل زيت الزيتون مكانة مهمة ضمن هذا النظام، باعتباره مصدرا للدهون الصحية، إلى جانب الأسماك الدهنية الغنية بأحماض أوميغا 3، مثل السردين، والمكسرات على غرار الجوز واللوز.
ولا تقل البقوليات، كالعدس والحمص والفاصولياء، والحبوب الكاملة مثل الشوفان والقمح الكامل والكينوا، أهمية في هذا المجال، بالنظر إلى غناها بالألياف ومساهمتها في تحسين التوازن الغذائي وصحة الجهاز الهضمي.
وتؤكد الرسالة الأساسية التي حملتها مداخلة البروفيسور علي لونيسي أن “مواجهة الالتهاب لا ينبغي أن تقتصر على الأدوية، مهما بلغت أهميتها، بل تستدعي مقاربة متكاملة تجمع بين العلاج الطبي والتغذية المتوازنة والتحكم في الوزن وممارسة النشاط البدني بانتظام”.
فمقاومة الالتهاب تبدأ من قرارات يومية بسيطة، من تقليل السكريات والأطعمة المصنعة، إلى الإكثار من الخضر والفواكه واعتماد الدهون الصحية، وهي خطوات قد تبدو عادية، لكنها تكتسي أهمية كبيرة في الوقاية من الأمراض المزمنة وتحسين جودة الحياة.
التعليقات 0
كن أول من يعلق على هذا الخبر