الكاتب: د. محمد عودة
لم تعد أزمة إسرائيل مجرد خلافات داخل ائتلاف حكومي، أو صراع انتخابي بين بنيامين نتنياهو وخصومه، أو تباين في وجهات النظر حول إدارة الحرب والسياسة الداخلية، فما كشفه رونالد لاودر، رئيس المؤتمر اليهودي العالمي وأحد أبرز رجال المال والنفوذ في الأوساط اليهودية الأمريكية، يتجاوز حدود الخلاف السياسي التقليدي، ويضعنا أمام أزمة تتداخل فيها القيادة والحكم والعلاقات الدولية ومستقبل المشروع الصهيوني نفسه.
تكمن أهمية تصريحات لاودر في أنه ليس خصمًا لإسرائيل، ولا صوتًا قادمًا من خارج المؤسسة الصهيونية؛ فقد كان قريبًا من نتنياهو، وسانده في مراحل مهمة من مسيرته السياسية، وساعده في بناء علاقاته داخل الولايات المتحدة، ولذلك، فإن خروجه عن صمته بعد سنوات من العلاقة الوثيقة معه يحمل دلالات تتجاوز مضمون تصريحاته، خصوصًا أنه يتحدث من داخل البيئة التي شكّلت أحد أهم مصادر الدعم السياسي والمالي والمعنوي لإسرائيل.
وصف لاودر طريقة إدارة نتنياهو للحكم بأنها أقرب إلى حكم الفرد الواحد، وشبّه الوضع في إسرائيل بما يحدث في جمهوريات الموز، معتبرًا أن نتنياهو يتصرف وكأنه صاحب القرار الوحيد، وأن مؤسسات الدولة ومصالحها باتت خاضعة لحساباته السياسية والشخصية، كما حذّر من أن إعادة انتخابه ستلحق بإسرائيل أضرارًا كبيرة، في وقت تحتاج فيه إلى استعادة الثقة بمؤسساتها ومكانتها الدولية.
ولا يفصل لاودر بين مسؤولية نتنياهو وصعود التيار اليميني المتطرف داخل حكومته؛ فقد وجّه انتقادات حادة إلى إيتمار بن غفير وبتسلئيل سموتريتش، ورأى أن مشاركة حزبيهما في أي حكومة مقبلة تعني وضع إسرائيل أمام مستقبل بالغ الخطورة، لكنه حمّل نتنياهو المسؤولية الأساسية عن تمكينهما وتحويلهما من قوى على هامش المشهد السياسي إلى شريكين في تقرير سياسات الدولة ومستقبلها.
وهكذا، أصبح نتنياهو، الذي قدّم نفسه طويلًا بوصفه السياسي القادر على حماية إسرائيل وإدارة علاقاتها الدولية، أحد العوامل التي تدفعها إلى العزلة وتفاقم الانقسامات داخلها، في ظل سياسة تجعل بقاء الحكومة أولوية تتقدم على مصالح الدولة.
وتزداد أهمية شهادة لاودر عند النظر إلى طبيعة العلاقة التي جمعته بنتنياهو؛ فقد ساعده في بناء علاقاته السياسية داخل الولايات المتحدة، وعرّفه بشخصيات مؤثرة في الحزب الجمهوري، من بينها آرثر فينكلشتاين، أحد أبرز الاستراتيجيين السياسيين الأمريكيين، كما أقام له حفل وداع في نيويورك خلال ثمانينيات القرن الماضي. لم تكن العلاقة معرفة عابرة، بل صلة وثيقة امتدت سنوات، وشارك لاودر خلالها في دعم صعود نتنياهو السياسي وتعزيز حضوره الأمريكي.
لكن هذه العلاقة انتهت إلى قطيعة عميقة، وكان ملف المفاوضات مع سوريا في أواخر تسعينيات القرن الماضي أحد أبرز أسبابها، وأكثرها دلالة على طبيعة الخلاف بين الرجلين والخيارات التي حكمت السياسة الإسرائيلية في تلك المرحلة،يروي لاودر أن نتنياهو كلّفه بإجراء مفاوضات سرية مع الرئيس السوري حافظ الأسد، وأنه أمضى ما بين عشرة وخمسة عشر شهرًا يتنقل بين إسرائيل وسوريا، وأحيانًا لبنان، في محاولة للتوصل إلى اتفاق ينهي حالة الصراع ويفتح الطريق أمام السلام، وشارك رئيس الوزراء اللبناني الأسبق رفيق الحريري في بعض جوانب هذه الاتصالات.
وبحسب رواية لاودر، انتهت المفاوضات إلى إطار من عشر نقاط، وكان حافظ الأسد مستعدًا للتوقيع عليه، كما وافق نتنياهو على شروط تضمنت الانسحاب الإسرائيلي من هضبة الجولان، لم تكن المسألة مجرد اتصالات استطلاعية أو تبادل رسائل، بل مفاوضات وصلت إلى مرحلة متقدمة وأفضت إلى صيغة اتفاق كان يمكن أن يغيّر مسار العلاقة بين إسرائيل وسوريا ويفتح الباب أمام تحول استراتيجي في المنطقة.
ويقول لاودر إن نسختين فقط من الوثيقة النهائية المقترحة موجودتان، وكلتاهما في حوزته، وعندما وصل الأمر إلى توقيع الاتفاق، اشترط نتنياهو أن يوقّع وزير الدفاع آنذاك أرييل شارون أولًا، واعترض لاودر لأنه كان يعرف أن شارون لن يقبل بالانسحاب من الجولان، ورأى أن على نتنياهو تحمل مسؤوليته السياسية والتوقيع بنفسه إذا كان مقتنعًا بالاتفاق وبمصلحة إسرائيل فيه، لكن نتنياهو رفض، وانتهت المفاوضات من دون توقيع.
وصف لاودر ما حدث بأنه خيانة للثقة، ورأى أن نتنياهو فضّل مستقبله السياسي على فرصة السلام، وتكمن دلالة هذه الواقعة في أن إسرائيل كانت أمام فرصة للتوصل إلى اتفاق مع سوريا يتضمن الانسحاب من الجولان ويعيد رسم العلاقة بين البلدين، لكن الحسابات السياسية الداخلية حالت دون المضي فيه،لذلك، لا تبدو القصة مجرد خلاف شخصي بين لاودر ونتنياهو، بل تكشف كيف يمكن لحسابات البقاء في السلطة أن تتقدم على خيارات استراتيجية كان من شأنها تغيير مسار الصراع في المنطقة.
أما على صعيد العلاقات الأمريكية، فيحذر لاودر من أن إسرائيل خسرت جانبًا كبيرًا من دعم الحزب الديمقراطي، وبدأت تخسر أيضًا تأييدًا داخل الحزب الجمهوري، وتكتسب ملاحظته أهميتها من موقعه وعلاقاته الممتدة داخل الحزب الجمهوري، ومن معرفته بالتحولات في المزاج السياسي الأمريكي،فالدعم الأمريكي الذي ظل لعقود أحد أعمدة القوة الإسرائيلية لم يعد محصّنًا من التغيرات السياسية والاجتماعية، ولم تعد العلاقة مع إسرائيل تحظى بالإجماع الذي اعتادت عليه في الولايات المتحدة.
ولا يتوقف الأمر عند واشنطن؛ فبحسب لاودر، خسرت إسرائيل مكانتها في أوروبا وأماكن أخرى من العالم، كما اتسعت الفجوة بينها وبين قطاعات من يهود الشتات، ويشير إلى أن يهود العالم ما زالوا يشعرون بارتباط بإسرائيل، لكنهم لم يعودوا جميعًا يرون فيها الدولة التي تحميهم أو تمثل الصورة التي يريدون الارتباط بها،وهذه مسألة تتجاوز العلاقة العاطفية والثقافية، لأن يهود الشتات شكّلوا أحد مصادر شرعية المشروع الصهيوني وأحد أهم روافده السياسية والمالية والدبلوماسية.
ولعل أكثر ما يكشف عمق الأزمة في تصريحات لاودر قراره بيع ممتلكاته في إسرائيل والتخلي عن ارتباطاته العقارية بها؛ فقد أعلن أنه باع أو تبرع بما يملكه، بما في ذلك شقته في تل أبيب، كما قدّم منزله في بئر السبع للصندوق القومي اليهودي، وأكد أنه لا ينوي العودة إلى إسرائيل، مستخدمًا تعبيرًا حاسمًا صفر.
نحن هنا أمام موقف يتجاوز الاعتراض على حكومة أو الاختلاف مع رئيس وزراء، فالرجل الذي ظل لعقود من أبرز وجوه المؤسسة اليهودية العالمية، ويؤكد تمسكه بالصهيونية وحبه لإسرائيل، اتخذ خطوات عملية تعبّر عن قطيعة عميقة مع واقعه فيها،وهي مفارقة تستحق التوقف عندها: كيف يمكن لرجل يعلن تمسكه بالمشروع الصهيوني أن يصل إلى هذه الدرجة من الابتعاد عن الدولة التي أُقيمت باسمه؟
يؤكد لاودر أنه لا يزال صهيونيًا، وأنه يحب إسرائيل ويريد لها النجاح، وأن انتقاداته تنطلق من حرصه عليها، وقد عبّر عن تأثره بمشهد شبان إسرائيليين كانوا يغنون للسلام في مهرجان موسيقي، ورأى أن إسرائيل تقف أمام نقطة تحول، وأن مستقبلًا أفضل لا يزال ممكنًا إذا استعاد الإسرائيليون قدرتهم على مراجعة مسارهم.
لكن هذه الكلمات لا تلغي التناقض الذي تكشفه مواقفه: فهو يدافع عن فكرة إسرائيل، لكنه يبتعد عن واقعها السياسي؛ ويتمسك بالصهيونية، لكنه يرفض العودة إليها؛ ويخشى على مستقبلها، لكنه يرى أن قيادتها الحالية والقوى التي تتحالف معها تدفعها في اتجاه خطير.
إن أهمية شهادة لاودر لا تكمن في أنها تضيف اسمًا جديدًا إلى قائمة منتقدي نتنياهو، بل في أنها تكشف اتساع دائرة القلق داخل البيئة التي دعمت إسرائيل تاريخيًا، فعندما يأتي التحذير من رجل كان جزءًا من شبكة علاقات نتنياهو الأمريكية، ومن شخصية تتصدر واحدة من أهم المؤسسات اليهودية العالمية، فإن ذلك يعكس تصدعًا في العلاقة بين إسرائيل وبعض أبرز مكونات الحاضنة التي اعتمدت عليها طويلًا.
ولا ينبغي أن نحصر الأزمة في شخص نتنياهو، مهما كان دوره محوريًا فيها؛ فهو لم يصنع وحده التحولات التي تشهدها إسرائيل، لكنه أصبح عنوانًا بارزًا لها، كما أن صعود بن غفير وسموتريتش ليس مجرد تفصيل ائتلافي عابر، بل تعبير عن تحولات أعمق في المجتمع والسياسة الإسرائيليين،وما يجري لا يتعلق فقط بمن يحكم، وإنما بطبيعة المشروع الذي يراد فرضه، وبالمكان الذي تحتله القوة والدين والتوسع والاستيطان في تعريف مستقبل الدولة وعلاقاتها بمحيطها والعالم.
إن إسرائيل تواجه أزمة متعددة الأبعاد: أزمة قيادة تتجلى في اختزال الدولة في حسابات رئيس الحكومة؛ وأزمة سياسية تتجلى في اتساع نفوذ اليمين المتطرف؛ وأزمة دولية مع تراجع الإجماع التقليدي حولها؛ وأزمة في علاقتها بيهود الشتات؛ فضلًا عن أزمة استراتيجية تتصل بالفرص التي أُهدرت والخيارات التي أبقت الصراع مفتوحًا بدل البحث عن تسويات ممكنة.
قد تكون إسرائيل قادرة على تغيير حكوماتها، لكن السؤال الأصعب هو ما إذا كانت قادرة على تغيير الاتجاه الذي تسير فيه، فعندما يصل الأمر برجل مثل رونالد لاودر، كان في قلب المؤسسة الصهيونية وشارك في دعم إسرائيل وتعزيز علاقاتها الدولية، إلى إعلان القطيعة مع ممتلكاته فيها والتأكيد أنه لن يعود إليها، فيما يحذر من مستقبلها السياسي والدولي، فإن ذلك يكشف حجم التصدع داخل دوائر الدعم التقليدية، ويضع المشروع الصهيوني أمام أسئلة تتجاوز مصير نتنياهو وحكومته.
إن السؤال لم يعد مَن يحكم إسرائيل، بل إلى أين يقود هذا المسار الكيان، وما إذا كان المشروع الصهيوني قادرًا على تجاوز التناقضات التي تتكشف من داخله قبل أن تتحول إلى مأزق يصعب احتواؤه.
التعليقات 0
كن أول من يعلق على هذا الخبر