مساء الاثنين، عشية الانتخابات النصفية، كان الفيلسوف السلوفيني المثير للجدل سلافوي جيجك يناقش كتابه الجديد “إشارات من المستقبل” (Signs from the Future) في قاعة ليزنر التابعة لجامعة جورج واشنطن في العاصمة الأميركية.
الحضور كان في معظمه من الطلاب الشباب الذين تستفزهم، سلبا وإيجابا، طروحات جيجك، وأفكاره التي تحرّض على التفكير والنقاش.
كعادته، يقفز جيجك بين السينما والفلسفة والسياسة اليومية، ويطعّم كلامه بالكثير من النكات والطرائف والاقتباسات لتبسيط أفكاره وتقريبها.
وفي معرض نقاش التغيير السياسي في العالم عموما وفي الولايات المتحدة خصوصا، عشية الانتخابات، استعار جيجك عبارة من فيلم Munich: The Edge of War بدت كأنها مفتاح لفهم فكرته عن التغيير.
في الفيلم الذي تدور احداثه في العام 1938 خلال المباحثات التي سبقت توقيع اتفاقية ميونيخ لكبح جماح هتلر وتجنّب وقوع الحرب العالمية الثانية، تقول احدى الشخصيات إن الأمل لا يزال موجودا لتفادي الحرب (عبر الدبلوماسية)، ليجيب آخر: “الأمل هو ببساطة أن تنتظر شخصا آخر ليقوم بالعمل نيابة عنك”، ثم تسود لحظة صمت قبل أن تكمل: “سنكون جميعا في حال أفضل بكثير من دونه”.
بالنسبة إلى جيجك، ما يحتاجه العالم اليوم للتغيير هو اليأس، لا الأمل. الأمل في رأيه قد يكون عائقا أمام التغيير الحقيقي، وهو يرى فيه مخدرا يبقي الناس في مقاعد المتفرجين، في انتظار أن تصلح المؤسسات نفسها.
ومن هذه النقطة بالذات، ينتقل جيجك إلى مقاربة ظاهرة دونالد ترامب. فرغم سخريته اللاذعة منه ومعارضته الشديدة لمشروعه، لا يخفي إعجابه بقدرته على زعزعة المسلّمات وتغيير المعطيات البنيوية في أميركا والعالم.
ويحاول جيجك أن يميّز بين إعجابه بالسلطة والحسم (Authorty)، وبين السلطوية (Authoritatianism)، فالمشكلة التاريخية لليسار وللقوى الساعية للتغيير، بحسب جيجك، تتمحور في خشيتها من ممارسة السلطة التنفيذية بحزم، بينما خصومها لا يترددون في قلب الطاولة.
هذا الطرح الذي فيه شيء من الراديكالية المضادة، ليس محصورا بجيجك، بل يبدو أنه بدأ يأخذ مداه في طروحات فكرية أخرى، أبرزها للمفكر الأميركي الشهير فرانسيس فوكوياما.
ففي مكتبة عامة في واشنطن أيضا وقبل أسابيع، ناقش صاحب “نهاية التاريخ”، كتابه الجديد “في رحاب الإنسان الأخير” (The Realm of the Last Man)، وطرح فكرة مشابهة عبر مقاربة موضوع التغيير في الولايات المتحدة، في حال حدوث “موجة زرقاء” في الانتخابات النصفية، ووصول رئيس ديمقراطي إلى البيت الأبيض في العام 2028.
بالنسبة إلى فوكوياما، أي رئيس قادم، حتى لو حملته موجة ديمقراطية كاسحة، لن يستطيع إنجاز شيء أو إصلاح ما “خرّبه” ترامب إلا إذا استعار أدوات ترامب نفسها: الحكم عبر الأوامر التنفيذية المباشرة (Executive Orders)، والجرأة على تجاوز البطء القاتل للبيرقراطية الأميركية لإنجاز الوعود الملموسة للناس، شرط أن يظل ذلك تحت سقف القانون والدستور.
المعنى الضمني لكلام فوكوياما وجيجك معا أن الترامبية لم تعد مجرد تيار سياسي، بل أصبحت “طريقة عمل” فرضت نفسها على الجميع.
وبحسب جيجك، فإن تجربة زهران ممداني في نيويورك و”براغماتيته التنفيذية”، عبر الانسجام مع ترامب نفسه لتسيير الأعمال وعدم الوقوع في فخ التعطيل، تشكّل نموذجا لما يجب أن تكون عليه أي قيادة من الحزب الديمقراطي مستقبلا.
في خضم هذه النقاشات والأفكار في واشنطن عن التغيير والأمل واليأس، انتبهت إلى المقولة المتكررة بين العرب عن “ضيق العيش لولا فسحة الأمل” المنسوبة إلى الطغرائي، أحد الشعراء العرب من الفترة المملوكية.
وربما، حتى في مقاربات التغيير والخروج من مأزق الحرب والسياسة في “متاهة” الشرق الأوسط، ربما يتوجب إعادة التفكير بـ”فسحة اليأس”!
التعليقات 0
كن أول من يعلق على هذا الخبر