لم يكن وصول فلافيو بولسونارو إلى ميامي مجرد رحلة لسياسي خسر انتخابات الرئاسة البرازيلية، بل عملية خروج محكمة اعتمدت على التضليل وتعدد السيارات وطائرة خاصة ومساعٍ سياسية لتأمين دخوله الولايات المتحدة، في تطور يكشف مدى تشابك الصراعات الداخلية في البرازيل مع حسابات الرئيس الأمريكي دونالد ترمب وحلفائه في أمريكا اللاتينية.

وتكشف تقارير -نشرتها صحيفة وول ستريت جورنال ومجلة نيوزويك– أن بولسونارو، الذي هزمه الرئيس اليساري لويس إيناسيو لولا دا سيلفا في الجولة الثانية من الانتخابات الرئاسية يوم الأحد، غادر البرازيل متجها إلى ميامي عبر الأرجنتين والإكوادور، رغم أمر قضائي يلزمه بتسليم جوازات سفره، وسط مخاوف لدى حلفائه من احتمال توقيفه.

رحلة سرية عبر ثلاث دول

بدأت العملية -حسب وول ستريت جورنال- مساء الاثنين، عندما غادرت أربع سيارات داكنة منزل بولسونارو في برازيليا، ثم اتجهت إلى مسارات مختلفة، في محاولة لإرباك الصحفيين والسلطات بشأن السيارة التي تقله، وبينما كانت وسائل إعلام برازيلية ودولية تتداول أنباء عن وصوله إلى الولايات المتحدة، كان لا يزال داخل البرازيل.

قصص مقترحة

  • list 1 of 2نتنياهو بين فتور واشنطن وسيناريوهات الانتخابات.. أي حكومة تنتظر إسرائيل؟
  • list 2 of 2أصوات الجنود تحسم المقاعد.. هل تتغير حسابات نتنياهو الحكومية؟

وفي مساء الثلاثاء، عبر بولسونارو وزوجته وابنتاه الجسر الدولي تانكريدو نيفيس إلى مدينة بويرتو إيغوازو الأرجنتينية، عند المثلث الحدودي بين الأرجنتين والبرازيل وباراغواي. ورافقتهم شرطة أمن المطارات الأرجنتينية إلى مطار إيغوازو الدولي، حيث كانت طائرة خاصة -تابعة لشركة "بايرس فلاي" لتأجير الطائرات- تنتظرهم.

وأظهرت بيانات تتبع الرحلات الجوية أن الطائرة غادرت الأرجنتين بعد منتصف الليل بقليل، وتوقفت في غواياكيل بالإكوادور للتزود بالوقود، قبل أن تصل إلى مطار ميامي-أوبا لوكا نحو الساعة التاسعة والنصف من صباح الأربعاء.

وعند وصول الأسرة، استخدم أفراد الأمن المظلات لحجبها عن عدسات الكاميرات، ثم نقلوها سريعا إلى سيارة رياضية متعددة الاستخدامات.

وأفادت نيوزويك -نقلا عن مسؤولين أرجنتينيين وبيانات الرحلة- بأن بولسونارو دخل الأرجنتين مستخدما جواز سفر إيطاليًّا، وهو ما أكدته أيضا معلومات نقلتها وكالة الصحافة الفرنسية بشأن حصوله على الجنسية الإيطالية منذ عام 2023. وقال دبلوماسي برازيلي إن خروجه لم يُسجَّل عند نقاط التفتيش البرازيلية، حيث لا يشترط تسجيل المغادرين في تلك النقاط.

وول ستريت جورنال:
لم تكن الرحلة لتتم بهذه السهولة من دون تدخل مجموعة صغيرة من حلفاء ترمب ومسؤولين أمريكيين وشخصيات مقربة من الرئيس الأرجنتيني خافيير ميلي

دائرة ترمب تتدخل

لم تكن الرحلة -وفق وول ستريت جورنال- لتتم بهذه السهولة من دون تدخل مجموعة صغيرة من حلفاء ترمب ومسؤولين أمريكيين وشخصيات مقربة من الرئيس الأرجنتيني خافيير ميلي، فقد ساعد جيسون ميلر -مستشار ترمب- في تأمين الطائرة المستأجرة، بالتنسيق مع إدواردو بولسونارو، شقيق فلافيو الأصغر الذي قاد لسنوات جهود عائلته لبناء علاقات وثيقة مع الدائرة المحيطة بالرئيس الأمريكي.

وبعد موافقة ترمب شخصيا يوم الثلاثاء على استقبال بولسونارو وأفراد أسرته، تحرك وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو لإصدار تأشيرات لهم، وفق أشخاص مطلعين على الترتيبات نقلت عنهم الصحيفة، لكن الأسرة دخلت الولايات المتحدة بموجب إجراء "الإفراج الإنساني المشروط" الذي يسمح لها بالبقاء مدة عام.

ويشكل هذا التدخل ذروة حملة سياسية طويلة، سعت خلالها عائلة بولسونارو إلى حشد دعم ترمب وحلفائه في معاركها القانونية داخل البرازيل.

وكانت إدارة ترمب قد فرضت -العام الماضي- رسوما جمركية مرتفعة على البرازيل، مستندة إلى ما وصفته بمعاملة بولسونارو بصورة غير عادلة، كما فرضت عقوبات على القاضي في المحكمة العليا الذي أصدر قرار منعه من مغادرة البلاد.

ويرى التقرير أن هذه العلاقة الشخصية بين عائلتين سياسيتين نافذتين أعادت تشكيل جانب من العلاقات الأمريكية البرازيلية، وحولت نزاعا قضائيا وسياسيا داخليا إلى اختبار لمدى استعداد ترمب لاستخدام نفوذ الولايات المتحدة لمصلحة حلفائه الأجانب.

هزيمة واتهامات بالتزوير

وكان لولا قد فاز بالجولة الثانية بنحو 51.8% من الأصوات الصحيحة، مقابل 48.2% لبولسونارو، وفق المحكمة الانتخابية العليا البرازيلية. وقد اعترفت بالنتيجة أكثر من 50 دولة، إلى جانب منظمة الدول الأمريكية، في حين أشارت تقديرات المراقبين الدوليين إلى أن فارق الأصوات -الذي تجاوز 4.4 ملايين صوت- لا يترك مجالا للشك في سلامة البيانات الانتخابية.

لكن بولسونارو وصف نفسه -في رسالة نشرتها وسائل إعلام برازيلية- بأنه "الرئيس المنتخب الحقيقي"، واتهم حلفاء لولا بسرقة الانتخابات، كما انتقد القضاة الذين أصدروا القرارات المتعلقة بجوازات سفره. ورفض ترمب حتى الآن الاعتراف رسميا بفوز لولا، قائلا إن الانتخابات كانت "غريبة للغاية"، ومشككا في نزاهتها من دون تقديم أدلة.

وتوضح نيوزويك أن اتهامات بولسونارو بشأن إضافة أكثر من 10 ملايين صوت إلى رصيد لولا بين جولتي التصويت لا تستند إلى الوقائع؛ فقد ارتفع رصيد لولا من نحو 53.9 مليون صوت في الجولة الأولى إلى 64.3 مليونا في الثانية، بينما ارتفع رصيد بولسونارو أيضا من 56.1 مليونا إلى 59.8 مليون صوت، كما لم يتجاوز عدد الأصوات التي أُدلي بها بعد الخامسة مساء -عقب تمديد ساعات التصويت- نحو 34 ألف صوت.

ووصف لولا مغادرة منافسه البلاد بأنها "مخزية"، في حين نفى بولسونارو أن يكون قد فر، قائلا إنه غادر "من أجل مصلحة البرازيل"، معلنا عزمه قيادة المعارضة من الخارج لمنع لولا من ترسيخ ما وصفه بنظام ديكتاتوري.

ملاذ مؤقت أم قاعدة للمعارضة؟

وبحسب وول ستريت جورنال، يعتزم بولسونارو إنشاء نشاط سياسي من المنفى في الولايات المتحدة، مستفيدا من شبكة علاقاته مع حلفاء ترمب، ومن رواية الاضطهاد السياسي التي روجت لها عائلته منذ سنوات، وقد أسهم في تعزيز هذه الرواية مستشارون وشخصيات محافظة، من بينهم ستيف بانون، الذي حذر من أن الصراعات السياسية ستصبح أكثر حدة واستقطابا.

لكن الصحيفة تشير إلى أن إدارة ترمب لم تُبدِ حتى الآن استعدادا للذهاب أبعد من توفير الملاذ لبولسونارو، أو استخدام نفوذها للطعن في فوز لولا، خصوصا مع اقتراب انتخابات التجديد النصفي الأمريكية.

وهكذا، قد تكون ميامي محطة لإعادة ترتيب صفوف المعارضة البرازيلية، لكنها تظل أيضا اختبارا لحدود الدعم الذي يستطيع ترمب تقديمه لحليف خسر الانتخابات، في مواجهة نتيجة أقرتها المؤسسات الانتخابية وحظيت باعتراف دولي واسع.