(CNN) -- عندما طلب هن ليو هسينغ-يو من والديه تبديل ملابس زفافهما والتقاط صورة لهما وسط ورود بلاستيكية، لم يكن يدرك أنه يُطلق مشروعًا فنيًا امتدّ لـ17 عامًا.. وما زال مستمرًا.

كان يدرس الفنون عام 2009، حين صارح والديه بأنه مثليّ الجنس، لكنهما واجها صعوبة في تقبّل الأمر.. حتى أنهما اعتقدا بداية أنّ دراسته للفن هي التي جعلته مثليًا، بحسب ما رواه ليو من منزله في تايوان. آنذاك، كانت تايوان لا تزال على بُعد عقد من إقرار زواج المثليين قانونيًا.

راودته فكرة تبديل أدوار والديه بعدما عثر على بدلة زفاف والده التي ارتداها عام 1984. ورغم معتقداتهما التقليدية بشأن النوع الاجتماعي والأسرة، فوجئ بموافقة والدته، فيما احتاج والده إلى مزيد من الإقناع قبل أن يوافق.

كانت الصورة من أوائل أعمال سلسلته الفنية "والداي"، التي عُرضت مرات عدة على مر السنين، وآخرها في مهرجان بريستول للتصوير الفوتوغرافي في بريطانيا، الذي افتُتح أخيرًا. ويستعد ليو أيضًا نشر كتاب يضم صور السلسلة.

في الصورة، ترتدي والدته بدلة والده، فيما يظهر الأب بفستان زفاف مستعمل. ويتخذان وضعية التصوير في أراضي العائلة الزراعية قرب مدينة كاوشيونغ، جنوبي تايوان، حيث كان جدّه يزرع القلقاس والأرز والمانغو، وحيث وُلد ليو.

وأوضح ليو: "كانت العلاقة بين هذه القطع والمكان مهمة بالنسبة إليّ. فالأرض الزراعية والشاحنة ترتبطان بالعمل والجهد البدني، بينما يحمل فستان الزفاف والبدلة دلالات الزواج والأدوار المتوقّعة من الرجال والنساء. وجمعها في صورة واحدة جعل الأمور المألوفة تبدو في غير مكانها قليلًا".

آنذاك، كان والده، الذي يعمل سائق شاحنة، يقترب من التقاعد ويشعر بالقلق حيال هذه المرحلة، فيما كانت والدته تبحث عن عمل جديد للمساهمة في إعالة الأسرة. وأراد ليو التعبير عن التحوّل في علاقتهما وتوزيع الأدوار بينهما من خلال وضعيّتهما في الصورة: يستريح والده بينما تتولى والدته دورًا أكثر حزمًا. 

وتساءل حول أثر الأدوار الجندرية في مسؤولياتنا اليومية: "من ينبغي أن يكسب المال؟ ومن يتولّى الرعاية؟ ومن يُسمح له بإظهار ضعفه؟".

وجمع ليو ووالداه الورود البلاستيكية المستخدمة في الصورة من حفلات زفاف حضروها في الآونة الأخيرة، ورأى فيها تجسيدًا لبعض المشاعر التي كان يعيشها.

وقال: "تخيّلت نفسي إحدى هذه الزهرات البلاستيكية. قد أكون جميلة، لكن بلا جذور في الأرض. يمكنني حضور حفل زفاف، لكنني شعرت بالعجز لعدم تمكني من تلبية التوقعات التقليدية المتعلقة بالزواج وإنجاب الأطفال واستمرار نسل العائلة. بالنسبة إليّ، تُجسّد هذه الزهور التوتر الذي عشته بصفتي رجلًا مثليًا في مواجهة توقعات عائلتي آنذاك".

يتناول ليو في سلسلة "والداي" مواضيع الصداقة، والحميمية والتقدّم في العمر، والتوقعات المرتبطة بالنوع الاجتماعي والأعراف الثقافية. 

أوضح أن إنجاز كل صورة كان يتطلب أحيانًا أشهرًا من النقاش والخلاف. ولم يفهم لفترة طويلة سبب موافقة والده على المشاركة، فيما كان دافع والدته أبسط: كانت تحب المغنية التايوانية فونغ في في، التي اشتهرت بارتداء البدلات، ورأت في التجربة فرصة لتقليدها.

لكن في العام 2014، خلال حوار فني دعا فيه والديه إلى مشاركته الحديث، تأثر ليو بكلمات والده، الذي رأى أن ارتداء فستان زفاف "ثمن زهيد" يدفعه لدعم ابنه، بحسب روايته.

وقال ليو: "لا أفترض أن موافقتهما على التصوير تعني تقبّلهما كل أفكاري، لكن استعدادهما لإنجاز عمل معي يعني لي الكثير".

أثّرت اختلافات وجهات النظر أيضًا في فهم ليو للعمل الفني، إذ قال: "للمشاركين في العمل رؤيتهم الخاصة التي قد تختلف عن رؤيتي، لكن يمكننا إنجاز صورة معًا وبناء تفاهم تدريجي من خلال هذه التجربة".

ومنذ بدء المشروع، شهدت حياة مجتمع الميم في تايوان تغيّرات كبيرة، أبرزها إقرار زواج المثليين قانونيًا عام 2019، وزيادة تقبّل المجتمع لهم، رغم استمرار الفجوة بين الأجيال، بحسب ليو. كما أسهم تعاون ليو مع والديه على مدى سنوات في تغيير علاقتهم؛ فهو متزوج اليوم ويعيش معهم جميعًا في منزل واحد.

وبات يصطحب والديه في رحلات مرتبطة بالسلسلة، منها رحلة إلى تايلاند للاحتفال بمهرجان سونغكران، الذي يحيي رأس السنة وفق التقويم البوذي التيرافادي، وأخرى استمرت أسبوعين العام الماضي خلال إقامته الفنية في كوماموتو باليابان.

ويأمل ليو أن يشجّع عمله الناس على إعادة النظر في الصور النمطية للعائلة التي اعتادوا رؤيتها حتى باتوا لا يتساءلون حول دلالاتها. ومع تقدم والديه في العمر، ازداد اهتمامه بقضايا الرعاية ورفاه كبار السن من مجتمع الميم.

وقال: "آمل أن تشمل نقاشات المساواة بين الجنسين أيضًا كيفية تقدمنا في العمر، ومن يعتني بنا، وما إذا كان بإمكاننا العيش بحرية مع من نحب. فهذه، بالنسبة إليّ، جوانب ملموسة من حياتنا اليومية".