بعد سنوات من الغياب والانقطاع في ظل النظام السابق، تعود الموسيقى إلى المسارح السورية، من قلعة حلب إلى دار الأوبرا في دمشق. وبين عودة أصالة، وحضور الموسيقى الكردية مع آري جان زبكا، والاستعداد للاحتفاء بفيروز، تستعيد سوريا شيئاً من ذاكرتها الفنية، في مشهد يتجاوز الغناء إلى أسئلة الهوية والتنوع والحرية.
من أصالة إلى حلب... حين يعود الجمهور إلى مقاعده
لم تكن عودة الفنانة أصالة نصري إلى سوريا بعد غياب خمسة عشر عاماً مجرد حفل غنائي، بل حدثاً محملاً بالدلالات الإنسانية والثقافية، في بلد أنهكته الحرب وعاش سنوات من الانقسام والقيود التي فرضها النظام السابق على الحياة الفنية. وفي موازاة هذه العودة، شهدت سوريا انتعاشاً ملحوظاً في النشاط الموسيقي، من قلعة حلب إلى معرض دمشق الدولي ودار الأوبرا، بمشاركة فنانين سوريين وعرب. وفي حديث إلى "النهار"، يؤكد محمد قاسم الساس، المسؤول الإعلامي لحفل الموسيقي آري جان، أن العام الحالي شهد حضوراً فنياً لافتاً، بدءاً من حفل عبد الكريم حمدان في قلعة حلب، مروراً بحفلات معرض دمشق الدولي التي افتتحها مروان خوري، وشارك فيها أيضاً نداء شرارة وصبحي توفيق. ويعتبر أن عودة أصالة شكّلت الحدث الأبرز، مشيراً إلى أن الحضور الجماهيري الكبير يعكس تعطش السوريين إلى استعادة حياتهم الفنية. ولا يغفل في المقابل حملات المقاطعة والانتقادات التي رافقت بعض الحفلات عبر مواقع التواصل الاجتماعي، وإن قابلها إقبال جماهيري واسع.
الموسيقى جسراً بين الهويات
وفي دار الأوبرا بدمشق، حمل حفل المؤلف الموسيقي الكردي آري جان دلالة تتجاوز نجاح أمسية موسيقية. فحضور الموسيقى الكردية في هذا الفضاء الثقافي يفتح نافذة على التنوع السوري، ويعيد طرح سؤال الهوية الجامعة التي تتسع لمختلف مكونات المجتمع.
وشاركت الفنانة نرمين شوقي في الحفل، إلى جانب مجموعة من الفنانين والموسيقيين، في تجربة وصفتها بأنها استثنائية على المستويين الإنساني والفني. وتقول شوقي لـ"النهار":
وتعرب عن سعادتها بنجاح الحفل، لافتة إلى الجهود الكبيرة التي بُذلت لإنجازه، ومؤكدة أن ما يجمع المشاركين ليست الموسيقى وحدها، بل صداقة عميقة أيضاً. وتضيف أنها فوجئت، بعد غياب طويل عن الساحة الفنية، باستمرار تلك الروح الجميلة التي تجمع الفنانين والجمهور. وهكذا، تتحول الموسيقى إلى مساحة لقاء تتجاوز الحواجز اللغوية والإثنية، وتؤكد أن التنوع الثقافي ليس عبئاً على الهوية السورية، بل أحد أبرز مصادر غناها.
المؤلف الموسيقي السوري الكردي آري جان سرحان، الذي أحيا أمسية في دار الأوبرا بدمشق جمعت الموسيقى التراثية بشارات الدراما السورية. (الحساب الرسمي لآري جان على SoundCloud)
دمشق تغني فيروز... والذاكرة تستعيد ألحانها
وبعد نحو أسبوعين، تستعد نرمين شوقي للمشاركة في حفل "دمشق تغني فيروز" في دار الأوبرا، احتفاء بعيد ميلاد السيدة فيروز، في محطة جديدة من عودة النشاط الفني إلى العاصمة السورية. وعن هذه المشاركة، تقول أنها "من أجمل المشاعر التي يمكن أن يعيشها الفنان"، لكنّها تقر في الوقت نفسه بأنها تحمل مسؤولية كبيرة، معربة عن أملها في أن تكون على قدر المناسبة وأن تنال الأمسية محبة الجمهور. من جهته، يشير الساس إلى أن الحفلات التي تقام برعاية وزارة الثقافة أو بتنظيم جهات خاصة تعيد استقطاب جمهور واسع، وتفتح المجال أمام مشاركة متجددة للفنانين العرب والسوريين. ويأمل أن تستعيد سوريا مكانتها حاضنة للفن والثقافة والموسيقى.
الفنانة اللبنانية فيروز، التي تستعد دمشق للاحتفاء بأغنياتها في أمسية خاصة بمناسبة عيد ميلادها. (Jacques Beneich)
ما بعد الصمت... هل يستعيد الفن حريته؟
غير أن عودة الحفلات لا تعني بالضرورة اكتمال التعافي الثقافي. فالتحدي الحقيقي لا يقتصر على إعادة فتح المسارح، بل يشمل ضمان حرية الإبداع، وإتاحة المساحة لجميع الأصوات والهويات، وإعادة بناء الثقة بين الفنان ومجتمعه بعد سنوات من الخوف والعزلة. من أصالة التي عادت إلى جمهورها، إلى آري جان زبكا الذي حمل موسيقاه الكردية إلى دار الأوبرا، وصولاً إلى فيروز التي تستعد دمشق للاحتفاء بصوتها، تتشكل ملامح سوريا تحاول استعادة حضورها الثقافي، لا بوصفه ترفاً، بل حاجة إنسانية ووطنية. فالحروب قد تسكت المسارح، لكنها لا تستطيع إسكات ذاكرة الشعوب. وسوريا التي عاشت طويلاً على إيقاع الخوف، لا تحتاج اليوم إلى أن تستعيد أغانيها فحسب، بل أن تستعيد حق كل أبنائها في أن يغنوا بلغاتهم المختلفة، على أرض واحدة، ومن دون خوف.
التعليقات 0
كن أول من يعلق على هذا الخبر