الكاتب: المتوكل طه
عن الإسلام والحُكّام!
***
انتظرتُ كثيرا ليردّ أحدٌ ما على تفوّهات ترامب المسيئة والعنصرية والاستعلائية ضد الإسلام، أو يفنّد ويستنكر أقوال وزير حربه هيغسيث، الذي وشَم كلمة "كافر" على ذراعه إظهارا لصليبيّته وكرهه وعدائه للإسلام..فما سمعت غير حسرة الصدى، فانكشف الوَهنُ الذي تعيشه أُمّة العرب والمسلمين، الأذلّاء المرجفين، الذين استمرأوا الإهانات، وقبلوا، بعجزٍ وصَغارٍ وخنوع، ما يطلقه ترامب وزمرته، بحقّ رسولهم ودينهم وحضارتهم!
ولا يمكنني فهم تصريحات ترامب وحاشيته، بعيداً عن الجوّ العدائي والاستعلائي والاستعماري، لأنه في الوقت الذي لا نستطيع فيه الحركة بين مدينتين في فلسطين، وفي الوقت الذي يُقتل فيه من أمّتي يوميا بالعشرات وبالمئات، بأسلحة أمريكية، أسمع شخصا يمثّل أرفع منصب في العالم المسيحي يتّهم الإسلام، الذي علّم الناس المحبة والحق والعدالة! ولا نسمع مسؤولا مسلما أو عربيا يتصدّى لهذه الصفاقة والعنصرية والتبجّح.
واضح أن هناك خللاً ما؟ خلل كبير يجب إصلاحه. وإذا كان أوربان – قبل ألف سنة – أشعل حربا بحجة أنها "إرادة الله" لمدة ثلاثمئة سنة، فإن ترامب لم يشعل الحرب فحسب، ولكنه يزيد أُوراها المستعر، ليسرّع النهاية بالتأكيد.
وأذكّر بأننا وما كدنا ننتهي من الرسومات المسيئة للرسول الأعظم، قبل سنوات قليلة، والتي أعادتنا إلى الناسك بطرس، الذي حمل رسما يظهر فيه "التركي الفظّ" وهو يضرب المسيح، وراح يلوب في المدن والقرى يثير الناس ويحرّضهم لتخليص قبر المسيح من "الأتراك الملاحدة" أو من "المحمديين الوثنيين"..حتى طالعنا البابا بنيديكت بتصريحاته الممضّة، ولتخرج علينا صحيفة "ليفاجارو" الفرنسية وهي تصب على النار زيتا..ويتوّج كلّ ذلك تصريحات ترامب ووزيره الأرعن.
وقد قرأنا ورأينا عددا من المثقفين الغربيين؛ من كتّاب ومخرجين وسياسيين ومفكرين وفنانين، في توجيه الإهانات "العميقة" للإسلام، وسبق ذلك في بداية القرن العشرين بحثٌ محموم لتقديم الإسلام بطريقة مشوّهة تدعو الى الرثاء، وجرت قراءة الإسلام وتفسيره بمناهج البحث الغربية وبالمنطلقات القيمية والمعرفية الغربية، فأصبح الإسلام ظاهرة "ضد المدنية والتقدم" باعتباره دينا مسلّحا يخلو من الحياة ومباهجها!
والمشكلة هنا أنهم يهاجمون إسلامنا وينهبون ثرواتنا ويحتلّون أرضنا ويغيّرون مناهجنا ويعلموننا الديمقراطية وحقوق الانسان وحرية المرأة وحرية اللواط أيضا..ونحن صاغرون، ندير لهم الخدّ الأيمن بعد الأيسر!
وبعد كل هذا الظلم والاحتلال والاستغلال والاهمال والقتل والهدم والتفكيك والتهميش والتحقير والتطهير العرقي، يأتي "مثقف ما" أو "مفكر ما" أو "سياسي ما" ليعلّمنا الإسلام الصحيح واللغة الصحيحة والديمقراطية! التي لا مثيل لها! فنغمة المستشرقين الأوائل الذين كتبوا تقاريرهم للمخابرات، ومن ثم حوّلوها إلى كتب علمية تناقلها مثقفنا العربي وجعل منها هاديه ونبراسه، تتكرر اليوم بالطريقة ذاتها، ولكن باختلاف أن من يُصدر النغمة هم السياسيون والقادة، الأقل ثقافة، أو قُل الأكثر غباءً في العالم.
وحتى نضع الأمور في نصابها الصحيح، وحتى لا نضيع في متاهات وردود أفعال انفعالية، ونتحوّل إلى مدافعين عمّا ألصق بنا وبديننا من اتهامات، فإن من دواعي الحق والحقيقة القول؛ إن كلّ هذا يَصُبّ في خانة واحدة، عنوانها الكبير والصغير: السيطرة على منطقتنا العربية والاسلامية خدمةً لهدفين اثنين لا ثالث لهما: نهب ثرواتنا من جهة وحماية اسرائيل من جهة أخرى، ولا شي ثالث.
ونذهب إلى التاريخ قليلا ففي يوم 18 تشرين الثاني من العام 1095 – أي قبل ألف سنة ويزيد – وقف البابا أوربان في مدينة كليرمونت بفرنسا، وقال أمام ثلاثمئة وعشرة من الأساقفة والقساوسة ما ننقله بالنص هنا: "يا خزينا، يا عارنا، إذا ما انتصر جنسٌ يتّسم بهذه الحقارة والانحطاط وتستعبده الشياطين والعفاريت، على شعب أنعم الله القدير عليه بالإيمان وتباهى باسم المسيح".
في هذا الخطاب الذي شكّل الأساس لما عرف في حينه بالحروب الصليبية، وصف البابا المذكور المسلمين بهذه الأوصاف "الجنس الخسيس، الكفار، البرابرة، الأتراك" وهذا الكلام لا نتقوّل به على أحد، بل هو وارد في كتاب لقسيس يدعى فوشية الشارتري بعنوان "تاريخ الحملة الى القدس"، وكان هذا المؤلف القسيس أول قسيس صليبي في أول إمارة صليبية أقيمت في بلادنا.
وبعد أكثر من ألف سنة نسمع من جديد، وعلى لسان ترامب الالعنصري الكريه: أن الإسلام فاشيّ، وأن الإسلام متوحّش، وأن المسلمين أسباب اليباب والنّهب والدمار والفوضى! وأن الأنظمة والشعوب العربية والاسلامية مختلفة ومتنوعة باختلاف قربها وبعدها عن مكدونالد وكوكاكولا وبريتني سبيرز، والولاء له بدفع المليارات، ولا أحد يتحدّث عن النفط والموت أو عن إسرائيل، أو ابتزاز الأموال والأحوال!.
الغرب استعلائي وإقصائي تماما. وتقوم حكاية الغرب على أنهم جنس أرفع، بالعِرق والدّين والمعرفة، وتقوم حكايتهم على أن التاريخ هو تاريخهم، وأن الكون يدور حولهم، وأنهم صانعوا الاتجاهات والمعايير والمصطلحات، وأنهم الأقدر على بناء أفضل السياقات الروحية والأرضية معا.
الحضارة التي أقاموها، اعتبروها نهاية مايمكن الوصول إليه بشريا، وهم ينكرون على الآخرين مساهمتهم في صياغة أو بناء هذه الحضارة، وهم - لجهلهم أو غرورهم أو وَهْمهم- يعتقدون أن هذه الحضارة وصلت إلى غايتها المجتمعية – بالحرية الفردية، وغايتها السياسية – بالديمقراطية السياسية –، وبهذا لم يبقَ سوى تحقيق النبوءات الكبرى، وهكذا تصاب هذه الحضارة بكلّ ماتصاب به الحضارات القوية، البحث عن الأوهام من أجل تطبيقها أو الانفجار من داخلها بحثا عن أوهامها.
وفي خضم ذاك كلّه؛ خرج علينا البابا الالماني باسمه البروتوكولي بنيديكت، وفاجأنا الرجل بأنه فَكِه وطروب وصاحب ابتسامة تقطر إيماناً وتفهّما وتقوى وقداسة، وفاجأنا أيضا أنه لم يتقدّم قيد أنملة عمّا قاله أوربان قبل ألف عام..بابا روما ذاك.. لم ينتبه ولم يتعلّم ولم يقرأ ما حدث طيلة ألف سنة، وأعاد القصة إلى أوّلها، أي أن ذاك البابا قدّم الغطاء الديني اللازم من أجل السيطرة على منطقتنا بالحديد والنار، فما دُمنا نتبع نبياً لم يأتِ الاّ بالسيء والشرير، فلماذا لا نُصفى ونذبح وتؤخذ منا أراضينا وثرواتنا، ولماذا لا تتمتع اسرائيل بخيرات هذه المنطقة، ولماذا لا نُغزى في عقر ديارنا، ونُحرم حتى من شمّ الأزهار؟
ومن تابع الإبادة وما قبلها وبعدها..ورأى الموت والفظاعات أمام الكاميرات مباشرةً، وكيف انكشفت دعاوي الغرب الكاذبة، وتشكّلت فضيحة أخلاقية أخرى، لكلّ الحضارة التي ينتمي اليها البابا وترامب وهيغسيث.
البابا بنديكيت الذي درس اللاهوت في جامعات المانيا لمدة طويلة، أثبت أنه لا يقرأ التاريخ إطلاقا، فضلا عن جهله بالإسلام أصلا، فلو قرأ التاريخ لعرف ما معنى السيء والشرير. فإذا قسنا السوء والشر بمعنى الاعتداء على البشرية وذبحها وسرقة ثرواتها وأراضيها وانتهاك العالم وتخريبه وتلويثه، فمن الأجدر هنا الإشارة إلى حروب الأمم المسيحية فيما بينها، ومن ثم حروب هذه الأمم ضد غيرها من أمم إفريقيا واسيا وأمريكيا الشمالية والجنوبية، لنعرف فظائع ما ارتكب بحق تلك الشعوب! - النكته الحقيقية هنا أن قتل الناس وسرقتهم وتحويلهم إلى بهائم أو جثث، تمّ ويتمّ باسم الدين المسيحي واليهودي، والدّين فقط - .
ان البشرية جمعاء، ومنذ أول حرب وقعت بالتاريخ وحتى سنة 1914 لم يقتل من الناس بقدر القتلى الذين راحوا ضحية الحربين الأولى والثانية، وهي حروب بين أمم مسيحية تسابقت على النفوذ والتسلح والتميز والأوهام.
ان المسيحية الغربية هي التي أنتجت أفكار التميز والوَهم والتفوّق، مثل الفاشية والنازية واللاسامية، وهي التي اخترعت حروب الاستباق والوقاية، وهي التي خلقت الاستعمار القديم والجديد، والمكارثية، ومن قبلها محاكم التفتيش..وهي التي احتقرت البشر، وهي التي احتقرت البيئة واستغلت العالم حتى آخر قطرة فيه..ومع هذا يهرف ترامب العنصري الجاهل ووزيره الصليبيّ الحاقد على الإسلام وأهله.. والمسلمون، للأسف الشديد، غائبون حدّ الفجيعة والكفر.
التعليقات 0
كن أول من يعلق على هذا الخبر