قد يفتح فوز الديمقراطيين الأمريكيين بالسيطرة على الكونغرس في انتخابات الثلاثاء المقبل جبهة جديدة ضد سياسة الرئيس دونالد ترمب التجارية، عبر التحقيقات وجلسات المساءلة والتصويت على إلغاء رسوم جمركية، لكن تحويل هذه المعارضة إلى خفض فعلي للرسوم سيصطدم بقدرة الرئيس على نقض التشريعات، وباستمرار امتلاكه أدوات تنفيذية لفرض قيود تجارية جديدة.
وحسب تقرير نشرته رويترز، يستعد الديمقراطيون، إذا انتزعوا السيطرة على أحد مجلسي الكونغرس أو كليهما، لتكثيف الرقابة على قرارات ترمب التجارية، بدءا من أثر الرسوم على الشركات الصغيرة وصولا إلى آليات منح الإعفاءات لشركات بعينها، وإدارة الاستثمارات التي تعهد بها شركاء تجاريون ضمن اتفاقاتهم مع واشنطن.
أخبار مقترحة
وتأتي الانتخابات في وقت يتمسك فيه البيت الأبيض بالرسوم أداة لحماية الصناعة والوظائف وانتزاع تنازلات من الشركاء التجاريين، بينما يسعى الديمقراطيون إلى ربطها بارتفاع الأسعار وزيادة الأعباء على الشركات والأسر الأمريكية.
ونقلت رويترز عن السيناتور رون وايدن، أبرز الديمقراطيين في لجنة المالية بمجلس الشيوخ، قوله إن إلغاء رسوم ترمب على كندا سيكون من الأولويات الواضحة، لأنها ترفع الأسعار وتضر بالمجتمعات على جانبي الحدود.
الفيتو يكبح أثر الفوز
تكمن العقبة الأساسية أمام الديمقراطيين في الفارق بين امتلاك أغلبية لإقرار تشريع، وامتلاك الأصوات الكافية لتحويله إلى قانون رغم اعتراض الرئيس.
فالدستور يمنح الكونغرس صلاحية فرض الرسوم وتنظيم التجارة مع الدول الأجنبية، لكنه يتيح للرئيس إعادة مشروع القانون مرفقا باعتراضاته. ولتجاوز هذا الاعتراض، يحتاج الكونغرس إلى موافقة ثلثي المصوتين في كل من مجلسي النواب والشيوخ، مع اكتمال النصاب.
وحسب رويترز، ترجح استطلاعات الرأي فوز الديمقراطيين بمجلس النواب، بينما تظل المنافسة على مجلس الشيوخ متقاربة، من دون توقع حصول الحزب على أغلبية تتيح له تجاوز الفيتو بقوته التصويتية وحدها.
وقال وليام راينش، المستشار غير المقيم في مركز الدراسات الإستراتيجية والدولية -للوكالة- إن الديمقراطيين سيجربون وسائل عديدة، لكنه لا يتوقع وصولها إلى مرحلة التنفيذ، لأن أيا من الحزبين لن يمتلك أغلبية قادرة على تجاوز اعتراض الرئيس.
ويجعل هذا كثيرا من عمليات التصويت المحتملة على إلغاء الرسوم وسيلة لتسجيل المواقف وزيادة الضغط السياسي، ما لم تنضم أعداد كافية من الجمهوريين إلى الديمقراطيين.
معركة على قوانين سلطة الرئيس
ولا تقتصر خطط الديمقراطيين على الاعتراض على نسب الرسوم، بل تمتد إلى إلغاء بعض النصوص القانونية التي استند إليها ترمب لفرضها.
ومن أبرز المقترحات مشروع "إنهاء ضريبة ترمب الجمركية" الذي قدمه زعيم الديمقراطيين في مجلس الشيوخ تشاك شومر، وأُحيل إلى لجنة المالية في سبتمبر/أيلول الماضي.
وينص المشروع على إلغاء المادة 338 من قانون التعرفة الجمركية لعام 1930، والمادة 122 من قانون التجارة لعام 1974، وإنهاء الرسوم المفروضة بموجبهما. كما يستهدف رسوما مرتبطة بتحقيقات تجارية بشأن إخفاق دول في حظر واردات السلع المنتجة بالعمل القسري.
وتسمح المادة 338 للرئيس بفرض رسوم تصل إلى 50% لمواجهة ما تعتبره واشنطن تمييزا ضد تجارتها. وأعلن مكتب الممثل التجاري الأمريكي في يوليو/تموز أن ترمب استخدمها لفرض رسوم بنسبة 50% على واردات من كندا بقيمة تقارب 20 مليار دولار، ردا على إجراءات كندية تخص السيارات ومنتجات الألبان والمشروبات الكحولية (الخمور).
أما المادة 122 فتتيح، في حالات محددة تتعلق بمشكلات ميزان المدفوعات، فرض رسوم إضافية مؤقتة لا تتجاوز 15%، لمدة تصل إلى 150 يوما، ولا تُمدد هذه المدة إلا بقانون من الكونغرس. وهذه حدود تخص تلك المادة، بينما تستند إجراءات تجارية أخرى إلى صلاحيات مختلفة.
ويتضمن مشروع شومر أيضا رد الرسوم المشمولة به إلى المستوردين تلقائيا مع الفوائد، خلال 30 يوما من إقراره، وإعطاء أولوية للشركات الصغيرة قدر الإمكان، من دون اشتراط تقديم طلب لاسترداد الأموال أو مستندات للحصول عليها، وتظل هذه الإجراءات مقترحات تشريعية، وليست حقوقا نافذة للمستوردين بموجب المشروع حتى الآن.
الإعفاءات والاستثمارات تحت الرقابة
حتى مع تعثر التشريعات، فإن السيطرة على أحد المجلسين ستمنح الديمقراطيين رئاسة لجان تستطيع فتح جلسات استماع وتحقيقات بشأن تنفيذ السياسة التجارية.
ووفقا لرويترز، تشمل الملفات المحتملة آلية تحديد الشركات المستفيدة من الإعفاءات الجمركية، وأثر الرسوم على المنشآت الصغيرة، وطريقة إدارة مئات مليارات الدولارات من الاستثمارات التي تعهدت بها اليابان وكوريا الجنوبية وشركاء آخرون في اتفاقاتهم مع الإدارة الأمريكية.
وسيمثل ذلك تحولا عن نهج الجمهوريين الذين تركوا لترمب، إلى حد كبير، إدارة ملف الرسوم خلال العامين الماضيين، رغم اعتراضات ظهرت أخيرا لدى بعض أعضائهم الذين يخوضون منافسات انتخابية صعبة، ومنهم السيناتورة سوزان كولينز.
وتستند المعركة بشأن تكلفة الرسوم إلى نتائج بحثية تشير إلى تحمل الداخل الأمريكي معظم عبئها. فقد خلص تحليل نشره باحثون على مدونة بنك الاحتياطي الفدرالي في نيويورك في فبراير/شباط، باستخدام بيانات الواردات حتى نوفمبر/تشرين الثاني 2025، إلى أن الشركات والمستهلكين الأمريكيين تحملوا نحو 90% من العبء الاقتصادي للرسوم المفروضة خلال ذلك العام.
ولا تعني هذه النسبة أن أسعار التجزئة ارتفعت بالمقدار نفسه، إذ قد تمتص الشركات جزءا من التكلفة في هوامش أرباحها أو تنقلها إلى المشترين، لكنها تمنح المعارضين أساسا لمساءلة الإدارة عن توزيع كلفة سياستها بين المستوردين والمنتجين والمستهلكين.
وترى غريتا بيش، المستشارة القانونية العامة السابقة لمكتب الممثل التجاري الأمريكي، أن التحقيقات والتصويت على إلغاء الرسوم قد يسهمان في تشكيل مقترحات الديمقراطيين للانتخابات الرئاسية عام 2028، حتى إذا تعذر إقرار إصلاحات واسعة فور فوزهم.
الإدارة تتمسك بمسار الرسوم
في المقابل، لا تظهر الإدارة استعدادا للتخلي عن نهجها، وقال المتحدث باسم البيت الأبيض ماثيو ميدلتون إن ترمب سيواصل أجندته التجارية لحماية العمال والمزارعين والشركات الأمريكية، مؤكدا تمسكه بسياسة "أمريكا أولا".
وتحتفظ الإدارة بمسارات أخرى للتحرك، من بينها التحقيقات بموجب المادة 301 من قانون التجارة لعام 1974، التي تستهدف ممارسات أجنبية تعتبرها واشنطن غير مبررة أو غير معقولة أو تمييزية وتفرض أعباء على التجارة الأمريكية.
وكان مكتب الممثل التجاري قد أعلن في مارس/آذار فتح تحقيقات تتعلق بفائض الطاقة والإنتاج الصناعي في 16 اقتصادا، بينها الصين والاتحاد الأوروبي واليابان والهند وكوريا الجنوبية والمكسيك وفيتنام. وقال إن التحقيقات ستحدد ما إذا كانت سياسات هذه الاقتصادات تضر بالتجارة الأمريكية.
ولهذا، يحذر خبير التحكيم الدولي ميلوش إيفكوفيتش، في تصريحات لرويترز، الشركاء التجاريين من تعليق مفاوضاتهم انتظارا لنتائج الانتخابات. فبرأيه، لن تؤدي خسارة الجمهوريين أغلبية الكونغرس إلى تغيير تلقائي في سياسة ترمب، وقد يضعف الانتظار موقف الدول التي لم تتوصل بعد إلى اتفاقات مع واشنطن.

التعليقات 0
كن أول من يعلق على هذا الخبر