أكد خبراء ومسئولو كبرى شركات التكنولوجيا العالمية أن المنافسة في مجال الذكاء الاصطناعي لم تعد تقتصر على تطوير الخوارزميات والنماذج الذكية، وإنما أصبحت تعتمد بصورة أساسية على امتلاك بنية تحتية متطورة قادرة على تشغيل التطبيقات الذكية والتوسع فيها تجاريًا، مشيرين إلى أن مراكز البيانات والقدرات الحوسبية وجاهزية البيانات والأمن السيبراني تمثل الركائز الأساسية لصناعة مستقبل الذكاء الاصطناعي.
جاء ذلك خلال ندوة «مصانع الذكاء الاصطناعي.. سباق عالمي لبناء بنية تحتية تُنتج ذكاء المستقبل»، ضمن فعاليات معرض ومؤتمر القاهرة الدولي للتكنولوجيا «Cairo ICT 2026»، حيث ناقش الخبراء متطلبات بناء مصانع الذكاء الاصطناعي، والتحديات التي تواجه المؤسسات في التحول من التجارب الأولية إلى التشغيل التجاري واسع النطاق، في ظل تقديرات بوصول الاستثمارات العالمية المرتقبة في البنية التحتية للذكاء الاصطناعي إلى نحو 1.7 تريليون دولار.
الحلول الفنية
وأكد المهندس عمرو النجار، مدير أول لقنوات البيع والحلول الفنية المسبقة بشركة «Dell Technologies»، أن تعثر العديد من الشركات الناشئة في الانتقال من مرحلة إثبات كفاءة تطبيقات الذكاء الاصطناعي إلى الإنتاج التجاري لا يرجع إلى ضعف الخوارزميات أو النماذج، وإنما يرتبط بشكل أساسي بعدم جاهزية البنية التحتية التقليدية لاستيعاب متطلبات التشغيل والتوسع. وأوضح أن الحل يكمن في تبني مفهوم «مصانع الذكاء الاصطناعي» الذي يقوم على دمج الحوسبة والتخزين والشبكات وتدفقات البيانات داخل منظومة متكاملة، بدلًا من الاعتماد على أنظمة منفصلة، بما يتيح للمؤسسات تشغيل تطبيقاتها بكفاءة وتحقيق عوائد استثمارية مستدامة.
ومن جانبه، أوضح المهندس محمود عزت، استشاري حلول ما قبل البيع بشركة «HPE»، أن مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي تختلف جذريًا عن مراكز البيانات التقليدية والسحابية، لاعتمادها على بنية النسيج المتقدمة (Fabric Architecture)، التي تتكون من نسيج معالجات الرسومات والحوسبة والتخزين. وأشار إلى أن هذه البنية تتيح التوسع في تشغيل آلاف وحدات معالجة الرسومات (GPUs)، من خلال هندسة متطورة تضمن تكامل مختلف المكونات، مؤكدًا أهمية وجود نظام تنسيق مركزي لإدارة الشبكات والحوسبة والتخزين باعتبارها منظومة واحدة.
وفيما يتعلق بالأمن السيبراني، أكد المهندس محمد عبد الفتاح، مدير التطوير بشركة «فورتينت» لمصر وشرق أفريقيا، أن تأمين البنية التحتية الحرجة وقطاعات التشغيل الحيوية، مثل المرافق والنقل والتصنيع، أصبح أولوية قصوى للدول الناشئة، خاصة مع التوسع في تطبيقات الذكاء الاصطناعي والتحول الرقمي. وأوضح أن تأمين تكنولوجيا التشغيل (OT) يختلف عن حماية تكنولوجيا المعلومات التقليدية (IT)، نظرًا لارتباطها المباشر بالتحكم في العمليات الصناعية والمنشآت، مشددًا على أهمية الالتزام بالمعايير الدولية المتخصصة، مثل IEC 62443 وNIST 800-82.
وحذر من تزايد الهجمات السيبرانية غير المباشرة التي تستهدف المستشعرات ووحدات التحكم وخطوط الإنتاج والأجهزة الذكية، بدلًا من الاقتصار على الخوادم والحواسيب، مؤكدًا أن مواجهة هذه التهديدات تتطلب منظومة أمنية متكاملة تعتمد على حلول الذكاء الاصطناعي لرصد المخاطر والتنبؤ بالهجمات والتعامل معها بصورة استباقية.
الذكاء الجديد
بدوره، حذر المهندس علي حسيب، المدير الإقليمي لشركة «إيفربيور» لمصر وليبيا، من أن المؤسسات التي لا تتبنى التحول الذكي خلال السنوات المقبلة ستكون مهددة بفقدان قدرتها التنافسية والاختفاء من السوق. وأكد أن الخطأ الشائع لدى المؤسسات يتمثل في التركيز على شراء الأجهزة وتطوير البنية التحتية، مع إغفال جاهزية البيانات، موضحًا أن البداية الصحيحة تتمثل في اكتشاف البيانات وتحديد أماكن وجودها، ثم توحيدها وتنقيتها وإعدادها للاستخدام. وأضاف أن نماذج اللغات الكبيرة أصبحت متاحة، لكن القيمة الحقيقية تكمن في تغذيتها ببيانات المؤسسة الخاصة للحصول على نتائج دقيقة وموثوقة.
وأكدت المهندسة سالي أنسي فهيم، الرئيس التنفيذي للتكنولوجيا بشركة «سيليكون 21»، أن نجاح منظومة الذكاء الاصطناعي يتطلب تحويل الموزعين التقليديين إلى شركاء يقدمون حلولًا وخدمات ذات قيمة مضافة، بدلًا من الاقتصار على بيع الأجهزة. وأوضحت أن تطبيقات الذكاء الاصطناعي تحتاج إلى دراسات جدوى تحدد احتياجات المؤسسات والفجوات التي يمكن للتكنولوجيا معالجتها، مشيرة إلى أن نقص الكوادر البشرية المتخصصة يمثل أحد أبرز التحديات أمام السوق المصري، وهو ما يستدعي تعزيز التعاون مع المؤسسات التعليمية والأكاديميات لتأهيل الكفاءات القادرة على مواكبة التطورات التكنولوجية.
وأضافت أن الشركة تركز على دعم المؤسسات في تطوير البنية التحتية ورفع كفاءة التشغيل والتوسع في استخدام وحدات معالجة الرسومات، بالتوازي مع توفير حلول متكاملة للأمن السيبراني تضمن حماية الأنظمة والبيانات.
وفي السياق ذاته، كشف المهندس محمد عبد الله، مدير المبيعات للبنية التحتية والذكاء الاصطناعي بشركة «سيسكو» الشرق الأوسط وأفريقيا، أن حجم الاستثمارات العالمية المرتقبة في البنية التحتية للذكاء الاصطناعي يقدر بنحو 1.7 تريليون دولار، مؤكدًا أن مصانع الذكاء الاصطناعي لم تعد تقتصر على مراكز البيانات، وإنما تشمل أيضًا البيئات السحابية والأنظمة الطرفية. وشدد على أهمية بناء نسيج شبكي وأمني متكامل يوفر المرونة وقابلية الرصد، ويساعد المؤسسات على إدارة أحمال العمل التقليدية وتطبيقات الذكاء الاصطناعي ضمن منظومة تشغيل موحدة، مع تعظيم الاستفادة من وحدات معالجة الرسومات وتحسين إدارة البيانات الضخمة.
التعليقات 0
كن أول من يعلق على هذا الخبر