يشهد الموقف الأوروبي حيال موسكو تحولاً ملحوظاً، إذ لم يعد السؤال المطروح في أوروبا هو ما إذا كان ينبغي فتح قنوات اتصال مع روسيا، بل كيف يمكن التفاوض معها من دون التفريط بأمن أوكرانيا أو بوحدة الموقف الأوروبي؟ وبعد سنوات من الاعتماد على العقوبات والضغوط السياسية والعسكرية، بدأت عواصم أوروبية تُظهر استعداداً أكبر للانخراط الديبلوماسي، في ظل استمرار الحرب وتصاعد المخاوف من أن ترسم واشنطن وموسكو ملامح التسوية من دون مشاركة أوروبية فاعلة.

 

ويعكس الاتصال الذي أجراه الرئيس الفنلندي ألكسندر ستوب ورئيس الوزراء النرويجي يوناس غار ستوره بالرئيس الروسي فلاديمير بوتين، في 27 أكتوبر 2026، هذا التوجه. ومع أن الرئاسة الفنلندية أوضحت أن الزعيمين لم يتحدثا بتفويض عن أوروبا كلها، فإن المبادرة كشفت أن بعض الحكومات بات يرى في التواصل المباشر أداة لا يمكن استبعادها.

 

لكن هذه الخطوة لا تعني تحولاً أوروبياً موحداً، ولا تراجعاً عن دعم كييف. فالمواقف داخل القارة متباينة: هناك من يخشى أن يمنح التواصل الكرملين مكسباً سياسياً من دون تغيير في مطالبه. وقد عبّرت رئيسة الوزراء الدانماركية ميته فريدريكسن عن شكوكها، فيما دعا رئيس الوزراء البولندي دونالد توسك إلى الحذر وعدم المبالغة في توقع اتفاق.

 

هذه التباينات لا تتعلق بالغاية النهائية، أي إنهاء الحرب وتعزيز أمن أوروبا، بقدر ما تتصل بأدوات تحقيقها. فالحوار من دون تنسيق وتفويض واضحين قد يحوّل المبادرات الوطنية إلى مصدر انقسام، ويضعف قدرة الأوروبيين على التأثير. لذلك، تبدو الحاجة ملحّة إلى تحديد الجهة التي ستمثل أوروبا، والاتفاق مسبقاً على خطوط تفاوضية تشمل الأراضي والعقوبات والضمانات الأمنية وإعادة الإعمار.

 

وتزداد أهمية ذلك لأن أي تسوية ستترك آثاراً مباشرة على القارة. فالاتفاق الذي يتجاهل مخاوفها قد يفرض عليها أعباء أمنية وسياسية واقتصادية طويلة الأمد، ويقوض النظام الأمني الذي تشكل بعد الحرب الباردة. ومن هنا، فإن سعيها إلى مقعد على طاولة المفاوضات ليس مجرد رغبة في إثبات الحضور، بل محاولة للمشاركة في صياغة القرارات التي ستحدد مستقبلها.

 

غير أن موسكو لم تقدم إشارات واضحة إلى التخلي عن مطالبها الأساسية؛ إذ يواصل الكرملين الحديث عن الأسباب الجذرية للصراع وضرورة مراعاة المصالح الروسية. وهذا يعني أن استئناف الاتصالات لا يساوي تقدماً تفاوضياً، وأن الفجوة بين المواقف الروسية ومطالب أوكرانيا والمواقف الأوروبية لا تزال واسعة، خصوصاً في قضايا الأراضي والضمانات الأمنية والعقوبات.

 

هنا ينبغي التمييز بين فتح قنوات الاتصال، والتوصل إلى تفاهمات محدودة لخفض التصعيد أو معالجة ملفات إنسانية، والتوصل إلى تسوية سياسية وأمنية مستدامة. فقد يتحقق الأول أو الثاني من دون الثالث. كما أن وقف إطلاق النار، إذا لم تدعمه آليات مراقبة وضمانات قابلة للتطبيق وقدرة أوكرانيا على الدفاع عن نفسها، قد يتحول إلى هدنة موقتة تتيح إعادة تنظيم القوات ثم تجدد المواجهة.

 

لذلك، لا ينبغي وضع الديبلوماسية في مواجهة الردع؛ فالحوار يكون أكثر فاعلية عندما يستند إلى موقف سياسي متماسك وقدرات دفاعية موثوقة، لا عندما يصبح بديلاً منها. وعلى أوروبا أن تنسق خطواتها مع كييف وواشنطن، وأن تضمن بقاء أوكرانيا شريكاً أساسياً في أي قرار يتعلق بمستقبلها.

 

لن يُقاس نجاح الانفتاح الأوروبي بعدد المكالمات والاجتماعات، بل بقدرته على التأثير في شروط التسوية ومنع فرض اتفاق هش لا يصون سيادة أوكرانيا ولا يبدد مخاطر الحرب. فالمطلوب ليس التفاوض لمجرد التفاوض، بل تحويل الحوار إلى مسار يفضي إلى سلام قابل للاستمرار، ويمنح الأمن الأوروبي ضمانات فعلية، ويحول دون تكرار أسباب الصراع أو انزلاق القارة إلى مواجهة جديدة.


*باحث في الأمن الدولي والإرهاب ورئيس المركز الأوروبي ECCI

 

-المقاربة الواردة لا تعكس بالضرورة رأي مجموعة "النهار" الإعلامية