يستهل مدير مكتب "الغارديان" في واشنطن تحليله بالإشارة إلى وثيقة نشرها ترامب عبر وسائل التواصل الاجتماعي خلال الصيف، منسوبة إلى شخص قُدّم على أنه مؤرخ، شبّهته بشخصيات تاريخية من بينها نابليون بونابرت وأدولف هتلر. ويرى سميث أن هذه المقارنات باتت تحمل دلالة مختلفة، بعدما خاض الرئيس الأمريكي، على ما يبدو، معركة سياسية إضافية قد يكون تسبب من خلالها في تقويض موقعه بنفسه.

اعلان
اعلان

ويصف التحليل نتائج انتخابات الثلاثاء بأنها هزيمة ساحقة للجمهوريين، بعدما سقطت "معاقل انتخابية" محافظة لطالما اعتُبرت حصوناً آمنة للحزب. فقد فاز الديمقراطيون بمقاعد في مجلس الشيوخ بولايات كان اختراقها يبدو بالغ الصعوبة، محققين أول انتصار لهم في كانساس منذ عام 1932، وفي تكساس منذ عام 1988، وفي كارولاينا الجنوبية منذ عام 1998.

وتكتسب هذه النتائج أهمية تاريخية، إذ يشير سميث إلى أن انتقال السيطرة على مجلسَي النواب والشيوخ من حزب إلى آخر خلال انتخابات نصفية واحدة لم يحدث منذ الحرب العالمية الثانية سوى ثلاث مرات، في أعوام 1946 و1994 و2006. ومع تكرار هذا السيناريو، بات الكونغرس قادراً على تشكيل حاجز أمام مساعي ترامب لتوسيع صلاحيات السلطة التنفيذية، بحسب الكاتب.

ترامب يتحمّل مسؤولية الهزيمة

يحمّل سميث الرئيس الأمريكي مسؤولية أساسية عن خسارة حزبه، مشيراً إلى المفارقة بين إصراره طوال الأشهر الماضية على دعوة الناخبين إلى التصويت كما لو كان اسمه مدرجاً على بطاقات الاقتراع، ومسارعته بعد ظهور النتائج إلى التذكير بأنه لم يكن مرشحاً في الانتخابات.

ويعيد الكاتب التذكير بوعود ترامب خلال حملته الرئاسية عام 2024، ولا سيما خفض الأسعار وإنهاء الحروب الخارجية، معتبراً أن سياساته جاءت بنتائج معاكسة. فقد أسهمت الرسوم الجمركية التي فرضها في زيادة الضغوط التضخمية، فيما أدى الهجوم الأمريكي على إيران، الذي يصفه التحليل بأنه سيئ التقدير، إلى مزيد من ارتفاع الأسعار.

وينتقد سميث كذلك طبيعة الحملة الانتخابية التي خاضها ترامب، والتي تخللتها خطابات مطوّلة ومتشعبة تناولت مشاريع معمارية، وتصريحات وصفها الكاتب بأنها تنطوي على كراهية شديدة للمسلمين، إلى جانب تعليقات غريبة بشأن أحد أعضاء مجلس الشيوخ الجمهوريين عن ولاية أوهايو. ووصل الأمر، وفق التحليل، إلى إعلان ترامب انتصاره في "الحرب على الطحالب" أمام نصب لنكولن التذكاري.

ويرى الكاتب أن الرسالة التي وجّهها الناخبون كانت واضحة: "كفى". ويستند في تفسيره إلى استطلاعات أجرتها وكالة "أسوشيتد برس" لدى خروج الناخبين من مراكز الاقتراع، أظهرت أن تكاليف المعيشة والفساد الحكومي تصدّرا قائمة اهتماماتهم.

وفي وقت كان فيه الأمريكيون يعانون لتأمين احتياجاتهم الأساسية، يشير سميث إلى أن ترامب واصل التفاخر بثروته ومشاريعه الفاخرة، ومن بينها قاعة الاحتفالات الجديدة في البيت الأبيض. ويعتبر أن هذا التناقض أثار استياءًطال بعض حتى مؤيديه الذين كان يُعتقد أن ولاءهم له ثابت.

الكونغرس يتحوّل إلى جبهة مواجهة

مع انتقال السيطرة على الكونغرس إلى الديمقراطيين اعتباراً من كانون الثاني/يناير المقبل، يواجه ترامب واقعاً سياسياً مختلفاً قد يحدّ بصورة كبيرة من قدرته على تنفيذ أجندته. ويوضح التحليل أن الديمقراطيين سيتمكنون من عرقلة التشريعات، وفتح تحقيقات بشأن أنشطة الإدارة الأمريكية، والتصدي لتعيينات الرئيس في المناصب القضائية والحكومية العليا.

وقد يضع ذلك شخصيات بارزة، بينها وزير الدفاع بيت هيغسيث ورجل الأعمال إيلون ماسك، عرضة لمزيد من التحقيقات والمساءلة. كما يشير سميث إلى احتمال أن يبحث الديمقراطيون في إطلاق إجراءات لعزل ترامب للمرة الثالثة.

وبحسب الكاتب، قد يجد الرئيس نفسه محاصراً سياسياً، وسط جمود تشريعي في واشنطن، مع تقلص هامش تحركه إلى استخدام حق النقض ضد القوانين، وهو خيار بدأ التلويح به بالفعل مساء الثلاثاء.

ومع ذلك، يحذّر التحليل من المبالغة في التعويل على الكونغرس لكبح جماح ترامب والحدّ من تحركاته، مذكّراً بأنه لم يُظهر اهتماماً كبيراً بالمؤسسة التشريعية خلال العامين الأولين من ولايته الثانية، باستثناء إقرار حزمة الضرائب والإنفاق المعروفة باسم "القانون الكبير والجميل".

فقد اتخذ الرئيس قرارات أحادية بشأن الرسوم الجمركية والضربات العسكرية على فنزويلا وإيران، وهو ما يدفع سميث إلى الاعتقاد بأنه سيواصل الاعتماد على السياسة الخارجية لصناعة إرثه الرئاسي، بما قد ينطوي عليه ذلك من مخاطر على الساحة الدولية.

ومن المرجح أيضاً، وفق التحليل، أن يستمر ترامب في مشاريعه الرامية إلى تغيير معالم واشنطن، بما يشمل إنشاء قاعة احتفالات جديدة في البيت الأبيض، وإقامة قوس نصر، وإضافة مزيد من الزخارف الذهبية. ويطرح الكاتب احتمال أن يرى الكونغرس في انشغال الرئيس بهذه المشاريع نشاطاً أقل ضرراً من قرارات أخرى قد يتخذها.

سباق الخلافة.. التهديد الأكبر لترامب

يرى سميث أن التهديد الأكبر لمستقبل ترامب السياسي قد يأتي من اقتراب نهاية ولايته الثانية وانطلاق السباق لخلافته في انتخابات 2028، مع بروز أسماء مثل نائب الرئيس جيه دي فانس ووزير الخارجية ماركو روبيو، ما قد يؤدي إلى تراجع نفوذه داخل الحزب الجمهوري وحركة "ماغا".

ويشير التحليل إلى أن الجمهوريين، بعد هزيمتهم الانتخابية، قد يعيدون النظر في ارتباط مستقبلهم السياسي بترامب، الذي أمضى نحو عقد في إعادة تشكيل الحزب وفق رؤيته.

ومع ذلك، يحذّر سميث من التسرّع في إعلان نهاية حقبة ترامب، مذكّراً بأن هزيمته عام 2020 اعتُبرت نهاية لمسيرته السياسية، قبل أن يعود إلى البيت الأبيض بعد أربع سنوات.

ويخلص الكاتب إلى أن ترامب لم يبلغ بعد منتصف ولايته الثانية، وقد يجد في مواجهة الديمقراطيين دافعاً لمواصلة صراعاته، محذّراً من أن رئيساً يشعر بأنه لم يعد لديه ما يخسره قد يصبح أكثر تهوراً وخطورة خلال العامين المقبلين.