تراقب الصحف والمجلات الألمانية باهتمام كبير دعوات شبابية إلى تنظيم احتجاجات واسعة النطاق بعد غد السبت في العاصمة برلين، وتأتي هذه الدعوات وسط تساؤل وسائل الإعلام ومخاوف السلطات من احتمال تكرار مشاهد العنف والاضطرابات التي رافقت احتجاجات شبابية في دول أوروبية أخرى لا سيما فرنسا.

ووفق شرطة برلين، فإن الموقع المخصص لترخيص تنظيم المظاهرات سجل 34 احتجاجا ومظاهرة ومسيرة في مقدمتها الاحتجاج الذي تقوده مبادرة "جيل زد" وسينطلق ظهر السبت في محيط بوابة "براندنبورغ"، ويُتوقع أن يشارك فيه آلاف الشباب للتعبير عن رفضهم للخدمة العسكرية الإلزامية والمطالبة بمزيد من الاستثمارات في التعليم وحماية المناخ وتوفير السكن بأسعار معقولة.

قصص مقترحة

  • list 1 of 2الحرب ليست حتمية.. كاتب بريطاني: كيف يمكن تجنب مواجهة جديدة بين أمريكا وإيران؟
  • list 2 of 2كواليس فرار بولسونارو من البرازيل.. رحلة سرية بمساعدة حلفاء ترمب

وبعد الإعلان عن احتجاج "جيل زد" برزت تساؤلات حول طبيعة المبادرة التي دعت إلى الاحتجاج وعلاقتها بمجموعات سياسية تُتَّهم بالتطرف، وتلا ذلك إعلان شرطة برلين عن نشر نحو 1500 عنصر لتأمين التجمعات والحفاظ على النظام العام وضمان حق التظاهر السلمي.

اجتماع تحضيري

ومن بين أبرز الصحف التي حاولت إلقاء نظرة استباقية على هذه الاحتجاجات كانت الصحيفة الكبيرة الصادرة في برلين "برلينر تسايتونغ"، وأوضحت -في مقال بعنوان "احتجاجات جيل زد.. دعوات عبر تليغرام لتظاهرات حاشدة"- أن السلطات الألمانية تتابع بقلق الدعوات إلى احتجاجات خشية تكرار أعمال العنف والنهب التي شهدتها فرنسا ومدن في بلجيكا وإيطاليا، مشيرة إلى أن الأجهزة الأمنية رصدت في موقع "تليغرام" دعوات إلى العنف وتحويل برلين إلى "ساحة معركة".

وأعلنت مبادرة "جيل زد" -وفق الصحيفة- رفضها هذه الدعوات وشددت على أن الاحتجاجات التي دعت إليها ستكون سلمية، وأنها ستعمل على تهدئة التوترات، علما أن الصحيفة تؤكد عقد مجموعات يسارية اجتماعا في الجامعة الحرة ببرلين شارك فيه نحو 50 شخصا دون حضور وسائل الإعلام، وذلك في وقت كثفت فيه هيئة حماية الدستور مراقبتها للمواقع الإلكترونية وقنوات التواصل الاجتماعي المرتبطة بالجهات التي دعت إلى الاحتجاج.

آلاف المشاركين

وفي مقال بعنوان "جيل زد.. حركة احتجاجية تتشكل" تقول صحيفة "تاتس" الصادرة أيضا في برلين إن الموقع الإلكتروني للمبادرة حديثة التأسيس سجل أكثر من 10 آلاف شخص سيشاركون في مظاهرة السبت.

وتضم المبادرة شبابا من مختلف أنحاء ألمانيا نظموا أنفسهم عبر وسائل التواصل الاجتماعي، وبحسب "تاتس" تتقاطع هذه المبادرة مع هياكل تنظيمية قائمة خصوصا مع مجموعات من اليسار الراديكالي وقد نجحت خلال الفترة الماضية في استقطاب ناشطين شباب.

ونقلت الصحيفة عن متحدثة باسم الشرطة قولها إن حالة من الارتباك تسود لدى الشرطة بعد إعلان نحو 10 آلاف شخص المشاركة في التجمع، الذي يُقام تحت شعار "مزيد من الأموال للمناخ والمدارس وحياة ميسورة للجميع".

دعوات إلى العنف

وتقول الشرطة إنها رصدت دعوات صادرة عن أوساط سياسية يسارية، لكنها أكدت في الوقت نفسه أنها لا تتوفر لديها لغاية الآن معلومات موثوقة عن تدخل مجموعات متطرفة في الاحتجاجات، علما أن نقابة الشرطة حذرت من أن الاحتجاجات قد تتحول إلى اضطرابات واسعة النطاق، ودعت إلى توخي أقصى درجات الحذر من احتمال استيلاء قوى الراديكالية على الاحتجاجات كما حدث في فرنسا، ومن إساءة استخدام حرية التجمع وتعزيز الرواية التي تصور الشرطة على أنها معادية للمواطنين.

وتراقب الصحيفة منذ أسابيع تشكل الحركة الاحتجاجية، قائلة إن مراسليها حضروا اجتماعا للحركة عُقد في منتصف أكتوبر/تشرين الأول في مقر الصحيفة اليسارية "يونغه فيلت" وشارك فيه نحو 150 طالبا جامعيا، وإن طلابا من باريس قدموا شرحا لكيفية تنظيم إغلاق المدارس، فيما جرى توزيع منشورات تحمل عبارة "شرارة فرنسا انتقلت إلينا" تضمنت شرحا خطوة بخطوة لكيفية تنظيم عمليات إغلاق المرافق العامة.

في الوقت ذاته، حذرت الصحيفة من توظيف المخاوف من العنف لإثارة أجواء من التوتر قائلة "صحيح أن هناك مجموعات يسارية راديكالية تحاول دائما ربط الاحتجاجات السلمية بالعنف، إلا أنه تجب الإشارة إلى أن تحركات الطلاب السابقة لم تشهد أي أعمال شغب".

احتجاجات مشابهة في غرب ألمانيا

في هذه الأثناء، ركزت القناة التلفزيونية "دبليو دي آر" على الاحتجاجات التي ستُنظَّم في ولاية "شمال الراين وستفاليا" أكبر الولايات الألمانية من ناحية عدد السكان، قائلة إن السلطات الأمنية في الولاية تراقب بقلق استعدادات مدن ألمانية عدة في الولاية أبرزها كولونيا ودوسلدورف ودورتموند وبيليفيلد وبون لاستقبال مظاهرات شبابية ضمن يوم احتجاجي يشمل أكثر من 30 مدينة للمطالبة بتحسين التعليم وحماية المناخ وتوفير حياة ميسورة التكلفة ورفض الخدمة العسكرية الإلزامية.

ووفق القناة، رصدت السلطات المختصة أيضا دعوات على وسائل التواصل الاجتماعي للمشاركة في أعمال شغب إلى جانب دعوات لحضور تدريبات على التحركات الاحتجاجية، مشيرة إلى أن ما يجعل الأمور أكثر تعقيدا هو أن الحركة تحظى بدعم شخصيات سياسية وفنية بعد توقيع عدد من السياسيين والفنانين رسالة مفتوحة تطالب المستشار فريدريش ميرتس والحكومة الألمانية بالاستماع إلى مطالب الشباب.

وفي وقت تباينت فيه تقديرات الصحف الألمانية بشأن حجم المشاركة وسيناريوهات جنوح الحركة الاحتجاجية نحو العنف على غرار ما حدث في فرنسا ودول أوروبية أخرى، تبدو السلطات الأمنية الألمانية أمام اختبار دقيق يتمثل في تأمين التجمعات والحفاظ على النظام العام من جهة وعدم المساس بحق الشباب في التعبير عن مطالبهم بشكل سلمي من جهة أخرى.

وبين تأكيد المنظمين على سلمية تحركاتهم وتحذيرات الأجهزة الأمنية من محاولات استغلالها من قبل مجموعات متطرفة، تبقى الأنظار متجهة إلى يوم السبت لمعرفة ما إذا كانت هذه الاحتجاجات ستتحول إلى رسالة شبابية واسعة وسلمية للمطالبة بالتغيير أم ستشهد اضطرابات تعيد إلى الأذهان مشاهد العنف التي رافقت احتجاجات في دول أوروبية أخرى.