عادة ما نردّد أن ثورة أول نوفمبر 1954 هي أعظم ثورة في القرن العشرين وأنها حقّقت انتصارا عظيما للجزائريين وغيّرت مجرى التاريخ، ومكّنت الجزائر من استعادة سيادتها وحريتها بعد قرن وثلث قرن من الاحتلال والاستعباد والقهر والإذلال، وهذا صحيح ولا جدال فيه، والعالم كله يعترف بهذا.
لكن ينبغي التنبيه إلى أنّ ثورة أول نوفمبر حققت أيضا انتصارا تاريخيا للمسلمين لم يحقّقوه منذ قرابة 8 قرون؛ فمنذ انتصار صلاح الدين الأيوبي على الصليبيين وتحرير القدس في 1187م بعد 88 سنة من احتلالها، لم يحقق المسلمون نصرا حاسما في أيّ حرب إلى غاية حرب التحرير الجزائرية.. صحيح أنّهم حققوا انتصارات في معارك كثيرة لكنها خسروا حروبهم في الأخير، حتى الخلافة العثمانية التي حمت العالم الإسلامي منذ سقوط الأندلس ودافعت عنه أزيد من خمسة قرون وكسبت الكثير من المعارك ضدّ الأوروبيين، خسرت الحرب أمامهم في آخر المطاف، وكان من نتائج ذلك احتلال العالم الإسلامي وإسقاط الخلافة نفسها في 1924.
وخلال احتلال الجزائر، خسر الجزائريون الكثير من المعارك ضدّ الاستعمار الفرنسي وفشلت ثوراتهم الشعبية جميعا، لكنّهم استطاعوا في نهاية المطاف ربح الحرب ودحر الاحتلال بعد ثورة مظفرة دامت قرابة سبع سنوات وخمسة أشهر وانتهت بوضع حدّ للاستعمار وطرد نصف مليون جندي فرنسي وقرابة مليون مستوطن واستعادة الجزائر حريتها وسيادتها.
وانطلاقا من ذلك، تعدّ حرب التحرير الجزائرية إحدى أهمّ حروب المسلمين المظفَّرة عبر التاريخ ضدّ احتلال استيطاني مسيحي لم يتوان قطّ عن محاربة عناصر الهوية الجزائرية ومحاولة طمسها وفي مقدمتها الإسلام واللغة العربية، يكفي فقط الإشارة إلى ما قاله أحد المسؤولين الفرنسيين وهو يتابع بابتهاج في سنة 1930 احتفالات بلده بمرور قرن على احتلال الجزائر؛ إذ قال: “اليوم نحتفل بتشييع جنازة الإسلام في الجزائر”، وفي هذا التصريح دلالة خاصة؛ لأنه لم يتحدّث عن قهر الجزائريين وإخضاعهم كلّيا للإرادة الاستعمارية بعد ثورات شعبية كثيرة، بل ركّز على “تشييع جنازة الإسلام في الجزائر”!
واليوم والبلاد تحتفل بالذكرى الـ72 لهذه الثورة المجيدة التي قهرت إحدى أكبر الإمبراطوريات الاستعمارية في التاريخ ومكّنت الجزائر من التحرّر من الاحتلال، نغتنم الفرصة لتنبيه أزيد من ملياري مسلم في العالم إلى أنّ ما تحقَّق لا يتعلّق بانتصار جزائري بحت، بل بانتصار عظيم حقّقه المسلمون في حرب كانت ملحمة تاريخية كبرى بعد آخر ملحمة سطّروها بأحرف من ذهب منذ ثمانية قرون، فهو إذن ليس عيدا مجيدا للجزائريين فقط، بل ينبغي أن يكون عيدا للمسلمين قاطبة وأن يعتزّوا به جميعا. والعاقبة لانتصار أشقائنا في فلسطين في حربهم المريرة ضدّ الاحتلال الاستيطاني الصهيوني.. نعرف أنهم خسروا بدورهم الكثير من المعارك وأنّهم يقدّمون تضحيات جسيمة منذ 48 سنة كما خسر الجزائريون قبلهم معارك ثوراتهم الشعبية جميعا وقدّموا ملايين الشهداء طيلة 132 سنة من الاستعمار، لكنّهم سينتصرون بإذن الله في الحرب في نهاية المطاف وسيحرّرون قبلة المسلمين الأولى وبلدهم من النهر إلى البحر، وتلك الأيام نداولها بين الناس.
التعليقات 0
كن أول من يعلق على هذا الخبر