الكاتب: ماهر عبدالقادر – محلل سياسي وإعلامي
لم تكن انتخابات التجديد النصفي الأمريكية التي جرت يوم الثلاثاء 3 نوفمبر 2026 مجرد منافسة تقليدية بين الحزبين الجمهوري والديمقراطي، ولم تكن مجرد معركة على عدد المقاعد في مجلسي الكونغرس. لقد تحولت إلى استفتاء شعبي واسع على السنوات العشر التي هيمن فيها دونالد ترمب وحركة «ماغا» على المشهد السياسي الأمريكي، وعلى السياسات التي أثارت انقساماً غير مسبوق داخل المجتمع الأمريكي، من الاقتصاد والهجرة والفساد السياسي إلى الحروب الخارجية والعلاقة مع إسرائيل والحرب على الشعب الفلسطيني.
وجاءت النتائج لتشكل واحدة من أبرز الهزائم السياسية التي يتعرض لها ترمب منذ دخوله الحياة السياسية؛ إذ استعاد الديمقراطيون السيطرة على مجلسي النواب والشيوخ، وحققوا مكاسب في ولايات جمهورية تقليدية، وأسقطوا مرشحين حظوا بدعم مباشر من ترمب. وبذلك، لم يعد الرئيس يمتلك الكونغرس الذي كان يوفر الغطاء السياسي والتشريعي لأجندته، بل أصبح أمام أغلبية معارضة تستطيع تعطيل مشروعاته، ورفض بعض تعييناته، وفتح التحقيقات في أداء إدارته وقراراتها.
إن الرسالة التي حملتها صناديق الاقتراع واضحة: قطاعات واسعة من الأمريكيين تريد تغيير المسار، وتطالب بأن تعود السياسة الأمريكية إلى الاهتمام بمصالح المواطنين، بدلاً من الانشغال بالمشروعات الشخصية والصراعات الحزبية والحروب المكلفة، أو استمرار الدعم العسكري والسياسي غير المشروط لحكومة إسرائيل.
أولاً: هزيمة ترمب ليست خسارة مقاعد فحسب… إنها أزمة في مشروع سياسي
حاول ترمب طوال حملته الانتخابية أن يجعل من انتخابات التجديد النصفي استفتاءً على شخصه، بل دعا أنصاره إلى التصويت للجمهوريين كما لو أن اسمه موجود على ورقة الاقتراع. لكنه أصبح، بعد ظهور النتائج، أحد أبرز الخاسرين سياسياً.
فقد خسر الجمهوريون السيطرة على مجلسي الكونغرس، وتمكن الديمقراطيون من انتزاع سبعة مقاعد على الأقل في مجلس الشيوخ، إلى جانب أكثر من عشرين مقعداً في مجلس النواب. وشملت المكاسب ولايات لم يكن من السهل تصور انتقالها إلى الديمقراطيين، مثل كانساس وأيوا وتكساس وأوهايو ومين ونورث كارولاينا وساوث كارولاينا.
وتكشف هذه النتائج أن الاعتراض على ترمب لم يعد محصوراً في المدن الكبرى أو الولايات الديمقراطية التقليدية. فقد امتد إلى مناطق وولايات صوّتت له بأغلبية واضحة في انتخابات 2024، وهو ما يشير إلى اتساع قاعدة الناخبين غير الراضين عن أداء الإدارة.
ولا يمكن تفسير هذا التحول بعامل واحد. فتكاليف المعيشة، والقلق الاقتصادي، والحرب مع إيران، ومخاوف الفساد، والتوترات الاجتماعية، كلها تداخلت في تشكيل القرار الانتخابي. وأظهرت استطلاعات الخروج أن نحو تسعة من كل عشرة ناخبين اعتبروا تكاليف المعيشة عاملاً مهماً أو بالغ الأهمية في تصويتهم، فيما كان الاستياء من الحرب والسياسات الاقتصادية حاضراً بقوة.
لقد اكتشف الجمهوريون أن شعار «أمريكا أولاً» يفقد معناه عندما يشعر المواطن بأن فاتورة المعيشة ترتفع، وأن أموال بلاده تُستنزف في صراعات خارجية، وأن الحكومة لا تقدم إجابات كافية عن أولويات الداخل.
ثانياً: جيل ديمقراطي تقدمي يدخل الكونغرس ويعيد رسم حدود النقاش
من أهم نتائج هذه الانتخابات صعود وجوه سياسية جديدة، معظمها من جيل أصغر وأكثر استعداداً لمواجهة المؤسسة الحزبية التقليدية، وطرح قضايا كانت تُعامل سابقاً باعتبارها خطوطاً حمراء في السياسة الأمريكية.
وقد حقق مرشحو التيار التقدمي مكاسب مهمة، كما وسّع أعضاء منظمة «الاشتراكيين الديمقراطيين في أمريكا» حضورهم في مجلس النواب، مع فوز خمسة مرشحين على الأقل وفق النتائج الأولية التي نشرتها صحيفة «ذا فورورد». وشملت المكاسب أسماء تقدمية في نيويورك وفيلادلفيا وميشيغان وكولورادو.
ومن بين الأسماء البارزة التي فازت بمقاعد في مجلس النواب براد لاندر، ودارياليزا أفيلا شوفالييه، وكلير فالدِز في نيويورك، إلى جانب مرشحين تقدميين آخرين. كما أظهرت النتائج أن التيار التقدمي لم يعد مجرد مجموعة صغيرة داخل الحزب الديمقراطي، بل أصبح قوة انتخابية وتنظيمية قادرة على المنافسة والفوز، وإن ظل الحزب الديمقراطي أوسع من هذا التيار ويضم اتجاهات سياسية متعددة.
وتكمن أهمية هذا الجيل في أنه لا يكتفي بالاعتراض على سياسات ترمب، بل يطرح أولويات مختلفة: الرعاية الصحية، وحقوق العمال، وتخفيض تكاليف السكن والمعيشة، وحماية البرامج الاجتماعية، والحد من نفوذ المال السياسي، ومراجعة الإنفاق العسكري، وإعادة الاعتبار للدبلوماسية والقانون الدولي.
إن التحدي الحقيقي أمام هؤلاء النواب لن يكون الفوز الانتخابي وحده، بل قدرتهم على تحويل الوعود إلى تشريعات، وبناء تحالفات داخل الكونغرس، ومقاومة الضغوط التي قد تواجههم من المؤسسة الحزبية وجماعات المصالح.
ثالثاً: أيباك والمال السياسي… هل انتهى زمن شراء النفوذ الانتخابي؟
من أبرز الرسائل السياسية لهذه الانتخابات أن الإنفاق المالي الضخم لا يضمن دائماً التحكم في خيارات الناخبين.
لقد أصبحت لجنة الشؤون العامة الأمريكية الإسرائيلية «أيباك» وذراعها الانتخابية «مشروع الديمقراطية المتحدة» في قلب نقاش سياسي واسع، بسبب تدخلاتهما في الانتخابات التمهيدية والعامة، وإنفاقهما على الإعلانات والحملات المؤيدة لمرشحين ومعارضة آخرين، خصوصاً المرشحين الذين ينتقدون الدعم العسكري غير المشروط لإسرائيل.
وكان سباق ميشيغان مثالاً بارزاً على هذه المواجهة. فقد واجه عبدول السيد، المرشح الديمقراطي التقدمي، إنفاقاً انتخابياً ضخماً من مجموعات مؤيدة لإسرائيل، لكنه تجاوز تلك الحملة في الانتخابات التمهيدية، ثم فاز في الانتخابات العامة بمقعد مجلس الشيوخ.
ولا تعني هذه النتيجة أن نفوذ أيباك قد انتهى، أو أن كل مرشح تعارضه هذه المؤسسات خاض الانتخابات وفاز. لكنها تؤكد أن المال السياسي لا يستطيع وحده حسم إرادة الناخبين، وأن هناك قطاعات متزايدة من الأمريكيين تريد أن تناقش العلاقة مع إسرائيل وتكاليفها وشروطها دون أن تتحول هذه المسألة إلى اختبار ولاء سياسي.
لقد أصبحت الرسالة التي يطرحها منتقدو أيباك أكثر حضوراً في النقاش العام: الانتخابات الأمريكية يجب أن تُحسم بإرادة الناخبين وبرامج المرشحين، لا بحجم الأموال التي تنفقها جماعات الضغط لتوجيه النتائج.
رابعاً: عبدول السيد… فوز تاريخي يتجاوز ميشيغان
يُعد فوز الدكتور عبدول السيد بمقعد مجلس الشيوخ عن ولاية ميشيغان من أبرز أحداث هذه الانتخابات. فقد أصبح أول مسلم ينتخب عضواً في مجلس الشيوخ الأمريكي، بعد فوزه على الجمهوري مايك روجرز.
ولا تقتصر أهمية هذا الفوز على الخلفية العربية والمصرية والإسلامية للسيد، بل تمتد إلى طبيعة حملته ومضمونها السياسي. فقد طرح قضايا الرعاية الصحية الشاملة، وتكاليف المعيشة، ومحاسبة الشركات الكبرى، وانتقد الدعم العسكري غير المشروط لإسرائيل، ودعا إلى مراجعة السياسة الأمريكية تجاه الحرب على غزة.
كما أن فوزه في ولاية تنافسية مثل ميشيغان يحمل دلالة خاصة؛ فهو يثبت أن المرشح الذي يتبنى مواقف تقدمية وينتقد السياسات الإسرائيلية يستطيع بناء قاعدة انتخابية تتجاوز الجاليات العربية والمسلمة، والوصول إلى قطاعات أوسع من الناخبين.
خامساً: فلسطين وغزة… لم تعدا ملفاً خارجياً بعيداً عن الناخب الأمريكي
لعل التحول الأكثر أهمية بالنسبة إلى العالم العربي هو أن القضية الفلسطينية لم تعد محصورة في دوائر السياسة الخارجية أو في مواقف الجاليات العربية والمسلمة. لقد أصبحت جزءاً من النقاش الانتخابي داخل الولايات المتحدة، وموضوعاً يتناوله مرشحون ديمقراطيون في حملاتهم، ويختلفون حوله علناً مع قيادات تقليدية في الحزب.
لقد أثارت الحرب على غزة، وما رافقها من قتل واسع للمدنيين ودمار وتهجير، موجة اعتراض متزايدة داخل الجامعات وبين الشباب والناخبين التقدميين. كما تصاعدت المطالب بوقف تصدير الأسلحة التي يمكن استخدامها في العمليات العسكرية، وربط المساعدات الأمريكية باحترام القانون الدولي وحماية المدنيين.
ويستخدم عدد من السياسيين والناشطين والمنظمات الحقوقية وصف «الإبادة الجماعية» في توصيف ما جرى في غزة، وهو توصيف يظل موضع نزاع قانوني وسياسي، لكنه أصبح حاضراً بقوة في النقاش الأمريكي حول مسؤولية واشنطن عن الدعم العسكري والسياسي لإسرائيل.
وتشير التحولات داخل الحزب الديمقراطي إلى أن المواقف التي كانت قبل سنوات تُعد هامشية باتت تحظى بتأييد أوسع. وقد أشار تحليل نشره معهد تشاتام هاوس قبل الانتخابات إلى أن 46 من أصل 47 عضواً ديمقراطياً في مجلس الشيوخ أيدوا قراراً يطالب وزارة الخارجية بتقديم معلومات وتقييمات بشأن التحقيقات المتعلقة بمقتل مواطنين أمريكيين على يد مستوطنين إسرائيليين أو قوات أمن إسرائيلية في الضفة الغربية
هذه المؤشرات لا تعني أن السياسة الأمريكية تجاه إسرائيل ستتغير بين ليلة وضحاها، لكنها تكشف أن الإجماع السياسي القديم يتعرض لتراجع واضح، وأن المطالبة بالمحاسبة وشروط المساعدات أصبحت أكثر قبولاً داخل المؤسسة الديمقراطية.
سادساً: الجاليات العربية والمسلمة والشباب… من الاحتجاج إلى التأثير في صناديق الاقتراع
أثبتت هذه الانتخابات أن المشاركة السياسية المنظمة يمكن أن تحول الاعتراض الشعبي إلى تأثير انتخابي. فالناخبون العرب والمسلمون في ميشيغان وغيرها من الولايات لم يكتفوا بالتعبير عن رفضهم للحرب على غزة، بل شاركوا في دعم المرشحين الذين رأوا أنهم يعبرون عن مطالبهم.
ويكتسب ذلك أهمية خاصة في الولايات التي يمكن أن تحسم نتائجها بفوارق محدودة. فالتنظيم المحلي، والتسجيل للتصويت، وحملات التوعية، والتواصل مع الناخبين، كلها عناصر يمكن أن تجعل الجاليات ذات تأثير يتجاوز حجمها العددي.
كما أن مشاركة الشباب كانت عاملاً مهماً في المكاسب الديمقراطية. وقد أشارت وكالة أسوشيتد برس إلى انتقال شرائح من الناخبين الشباب والناخبين من أصول لاتينية بعيداً عن الجمهوريين، مقارنة بالتحالف الانتخابي الذي ساعد ترمب في انتخابات 2024
سابعاً: هل يستطيع الكونغرس الجديد تغيير سياسة واشنطن تجاه إسرائيل والشرق الأوسط؟
إن استعادة الديمقراطيين السيطرة على مجلسي النواب والشيوخ تفتح مرحلة جديدة من الرقابة والمساءلة. فالأغلبية الجديدة تستطيع عقد جلسات استماع، وطلب الوثائق، وفتح تحقيقات، ومراجعة الإنفاق، والتصويت على مشروعات قوانين تتعلق بالمساعدات العسكرية وصفقات السلاح والحرب مع إيران.
لكن من الضروري التمييز بين القدرة على الرقابة والقدرة على فرض سياسة خارجية جديدة. فالرئيس الأمريكي لا يزال يملك صلاحيات واسعة في إدارة العلاقات الدولية، والكونغرس لا يستطيع بمجرد تغيير أغلبيته أن يفرض على الإدارة تحولاً شاملاً وفورياً في موقفها من إسرائيل أو إيران أو غزة.
ومع ذلك، فإن وجود أغلبية معارضة سيجعل قرارات الإدارة أكثر عرضة للنقاش والمساءلة، وسيمنح النواب التقدميين مساحة أكبر لطرح شروط جديدة على المساعدات العسكرية، ومناقشة حماية المدنيين، وحقوق الفلسطينيين، ومستقبل غزة.
أما على مستوى العلاقة الأمريكية الإسرائيلية، فإن الرسالة الأهم هي أن الدعم لإسرائيل لم يعد بمنأى عن النقاش السياسي والانتخابي. فالمساعدات العسكرية، وصفقات الأسلحة، ومواقف الحكومة الإسرائيلية، أصبحت موضوعات يطالب عدد متزايد من أعضاء الكونغرس بمراجعتها علناً.
ثامناً: ترمب أمام عامين من الرقابة والمواجهة السياسية
يدخل ترمب الآن العامين الأخيرين من ولايته في ظل واقع سياسي مختلف تماماً عن الوضع الذي كان يتمتع به قبل الانتخابات. فقد خسر حزبه السيطرة على الكونغرس، وأصبح الديمقراطيون قادرين على تعطيل عدد من مشروعاته التشريعية، ورفض تعيينات، وفتح تحقيقات في أداء إدارته.
كما أن هذه النتيجة تضعف قدرة ترمب على تقديم نفسه باعتباره صاحب تفويض شعبي مفتوح لتنفيذ أجندته. فحتى لو احتفظ بسلطاته الرئاسية، فإن الكونغرس الجديد سيشكل مركزاً مستقلاً للمساءلة والرقابة.
ومن المتوقع أن تتركز المواجهة على ملفات الاقتصاد والضرائب والهجرة والإنفاق الحكومي والحرب مع إيران، إلى جانب ملفات العلاقة مع إسرائيل والمساعدات العسكرية. وقد يستخدم الديمقراطيون أدواتهم التشريعية والرقابية لإجبار الإدارة على تقديم تفسيرات أكثر تفصيلاً لقراراتها.
الخلاصة: الناخب الأمريكي لم يمنح شيكاً على بياض… بل أعاد رسم موازين القوة
إن انتخابات 3 نوفمبر 2026 تمثل نقطة تحول في السياسة الأمريكية. فقد خسر الجمهوريون السيطرة على مجلسي الكونغرس، وتراجعت قدرة ترمب على تمرير أجندته دون رقابة، وحقق التيار التقدمي مكاسب مهمة، وفاز عبدول السيد بمقعد تاريخي في مجلس الشيوخ، ودخلت إلى الكونغرس وجوه جديدة تحمل مواقف أكثر وضوحاً في قضايا العدالة الاجتماعية والمال السياسي والسياسة الخارجية.
لقد أظهرت النتائج أن الناخب الأمريكي لا يريد أن تبقى السياسة رهينة الاستقطاب والشعارات، ولا أن تكون الحروب الخارجية بديلاً عن معالجة مشكلات الداخل. كما كشفت أن العلاقة مع إسرائيل، التي ظلت لعقود طويلة موضوعاً شديد الحساسية في السياسة الأمريكية، أصبحت اليوم موضع نقاش ومساءلة داخل الحزب الديمقراطي وقطاعات متزايدة من المجتمع.
أما أيباك وجماعات الضغط المؤيدة لإسرائيل، فقد تلقت رسالة انتخابية مهمة: المال والنفوذ لا يضمنان دائماً التحكم في خيارات الناخبين، ولا يمكن افتراض أن انتقاد سياسات الحكومة الإسرائيلية سيؤدي تلقائياً إلى خسارة المرشح انتخابياً.
ومع ذلك، فإن الطريق من نتائج الانتخابات إلى تغيير السياسات لا يزال طويلاً. فالفوز بالأغلبية يمنح الديمقراطيين أدوات الرقابة والتشريع، لكنه لا يضمن وحده إنهاء الحروب أو تغيير سياسة واشنطن تجاه فلسطين. وسيكون الاختبار الحقيقي هو ما إذا كان النواب الجدد، ولا سيما التقدميون، قادرين على تحويل مواقفهم إلى قوانين وموازنات وقرارات قابلة للتنفيذ.
لقد قال الأمريكيون كلمتهم في صناديق الاقتراع: لا توجد سلطة سياسية بلا مساءلة، ولا توجد جماعة ضغط فوق إرادة الناخب، ولا ينبغي أن تكون مصالح أي حكومة أجنبية مقدمة على مصالح المواطنين الأمريكيين.
التعليقات 0
كن أول من يعلق على هذا الخبر